العراقيّون يقفون دقيقة صمت استذكاراً للذيــن صنعوا النـــصر

أحيا العراقيون يوم أمس الإثنين الذكرى الأولى لـتحرير البلاد من تنظيم داعش، مع تعهد رئيس الوزراء الجديد عادل عبد المهدي بإعادة الإعمار وعودة النازحين إلى مناطقهم.
وأعلن العراق في كانون الأول 2017، دحر التنظيم الإرهابي بعد أكثـر من ثلاث سنوات من المعارك الدامية في غرب العراق وشماله.
وقال رئيس الوزراء عادل عبد المهدي في كلمة لهذه المناسبة إن العراق سجل “أكبر نصر على قوى الشر والإرهاب، وانتصرنا بشرف عظيم”.

وتعهد عبد المهدي بالعمل على “عودة النازحين وإعمار مدنهم”، إضافة إلى تقديم “الخدمات وفرص العمل للمحافظات التي أسهمت بتحقيق النصر”.وأكد عبد المهدي أن “النصر النهائي الذي نصبو إليه هو تحقيق الرفاه لشعبنا والقضاء على الفساد. ما لم ننتصر على الفساد، سيبقى نصرنا منقوصا”.وشدد على أن العراق “لن يكون مقراً أو ممراً للإرهاب ومصدراً للاعتداء على دول أخرى”.
ووقف العراقيون دقيقة صمت منتصف النهار تعبيراً عن الاحتفال بيوم النصر، وأوقف رجال المرور السير وسط المدينة فيما وقف سائقو السيارات إلى جانب مركباتهم.
أيضا، جالت سيارات الشرطة شوارع العاصمة تعبيراً عن الانتصار الذي حققه العراقيون قبل عام.
وشهدت ساحة الاحتفالات ببغداد احتفالات بالنصر على التنظيم الارهابي ايضاً. بالتزامن مع هذا الحدث تمّت إعادة افتتاح جزئي للمنطقة الخضراء المحصنة في وسط العاصمة.
وكان تنظيم داعش قد سيطر العام 2014 على أكثر من ثلث مساحة العراق، وجعل من مدينة الموصل ما يشبه “عاصمة” لـ”الخلافة” التي أعلنها بعد انتشاره في مساحات شاسعة من سوريا والعراق.
وتأتي هذه الذكرى في وقت لا تزال البلاد وسط أزمة سياسية، في انتظار استكمال التشكيلة الحكومية أمام تحديات عدة، أبرزها إعادة إعمار المناطق المتضررة وإعادة النازحين.وأيضا، بعد عام على إعلان العراق “الانتصار” على تنظيم داعش، تجد البلاد نفسها اليوم في مهب التنافس السياسي الذي أهملته في أيام الحرب، وأمام تحديات عدة ليس آخرها عجزاً في الحلول الاجتماعية والاتفاق على حكومة، بحسب ما يشيرإليه خبراء.
منذ نحو أربعين عاما، لم يعرف العراق إلا الحرب، بدءاً من الحرب مع إيران (1980-1988) إلى غزو الكويت وتبعاته (1990-1991) مرورا بالحصار الدولي والغزو الأميركي للبلاد (2003-2011)، وصولا إلى الحرب الأهلية وبعدها دخول تنظيم داعش وسيطرته على ما يقارب ثلث مساحة العراق في العام 2014.
ويقول الباحث في معهد “شاتام هاوس” ريناد منصور لوكالة (فرانس برس) “هذه ليست المرة الأولى التي يحقق فيها العراق نصرا عسكريا. هناك مهمات عدة أنجزت سابقا. لكن النصر الأكثر تحديا اليوم هو النصر السياسي الذي لطالما تم تأجيله”.ويضيف منصور أن “أحداً لم يكن فعلا مستعدا لإيجاد حل سياسي. كانوا يعالجون الأعراض وليس جذور المشكلة”.
في يوم “الانتصار”، دخل العراق عصر ما بعد الارهابيين، وشهدت البلاد انتخابات تشريعية في أيار الماضي شابتها شكوك وطعون، وانتهت بإعادة فرز يدوي أنتج برلمانا جديدا مشتتا من دون غالب أو مغلوب.
وهنا دقت ساعة السياسة “التي هي جذر المشكلة (…) والمحاصصة والتغانم الوظيفي تحت مسمى التنافس الحزبي”، بحسب ما يقول لفرانس برس المحلل السياسي العراقي جاسم حنون.
ومذ ذلك الحين، “لا يزال العراق يعيش مرحلة انتقالية وعدم استقرار سياسي وانعدام رؤية واضحة لإدارة البلد”، على وفق ما يضيف حنون. بعد خمسة أشهر من الانتخابات، تم تكليف عادل عبد المهدي تشكيل حكومة قبل بداية تشرين الثاني. لكن رئيس الوزراء الجديد الذي يعد من الشخصيات التوافقية النادرة في البلاد ويتعرض لضغوط الولايات المتحدة وإيران، لم يتمكن من تقديم إلا 14 وزيرا من حكومته، لأنه واجه معارضة عدد من أعضاء البرلمان لبعض مرشحيه، خصوصا لحقيبتي الداخلية والدفاع الأساسيتين.ويؤكد مصدر مقرب من الحكومة لـ(فرانس برس) أن هناك “حلاً قريباً (…) لأن الأمر يتعلق بتصفية حسابات سياسية أكثر منه فترة انتقالية”.غير أن التحديات لا تقف عند عقبة تشكيل الحكومة. إذ يواجه رئيس الوزراء اليوم تحديا هائلا في إعادة إعمار بلد دمرته معارك طرد الإرهابيين من شمال البلاد وغربها على مدى ثلاث سنوات.
ويقول منصور “بعد الانتصار على داعش، كان الناس يتطلعون إلى حياة أفضل. كان هناك أمل. هم نفسهم بدأوا اليوم يتساءلون عما إذا كانت هذه النخبة السياسية قادرة أو حتى مستعدة للتعامل مع جذور المشكلة”.
وبقي الوضع على ما هو عليه في المناطق التي تحررت منذ أكثر من عام. ولم توضع حتى الآن أي خطة لعودة النازحين، أو لإعادة إعمار المناطق المتضررة، رغم انعقاد مؤتمر ضخم للمانحين في الكويت في شباط الماضي.
وحتى اليوم لا يزال “أكثر من 1.8 مليون عراقي نازحين في جميع أنحاء البلاد، وحوالي 8 ملايين شخص بحاجة الى شكل من أشكال المساعدات الإنسانية”، وفقاً لتقرير صادر عن المجلس النروجي للاجئين.
ويشير التقرير إلى أن منازل أكثر من نصف النازحين تضررت أو تدمرت بالكامل، منها موجودة في مدن لا تزال تحت الأنقاض بكاملها مثل الموصل وسنجار.
وسيكون على سلطات بغداد أيضا معالجة آثار الاحتجاجات التي تصاعدت وشهدت أعمال عنف في بعض الأحيان، في بلد يحتل المرتبة 12 ضمن لائحة الدول الأكثر فسادا في العالم، للمطالبة بالخدمات العامة بينها معالجة البطالة والكهرباء.
ويخوض العراق اليوم مفاوضات مع شركتي “جنرال إلكتريك” الأميركية و”سيمنز” الألمانية لإعادة شبكة الكهرباء التي ستتأثر بالعقوبات الأميركية على طهران، المورد الرئيس، رغم فترة السماح الأميركية للعراق.
وفي هذا السياق، يقول منصور “نعم، وقت الحرب قد انتهى، والصيف المقبل سيكون مفصليا بالنسبة لعبد المهدي”.
كل ذلك لا يلغي أن العراق اليوم يشهد تراجعا ملحوظا في العنف، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عام.
والجدير بالذكر أن العراق شهد خلال شهر تشرين الثاني الماضي، العدد الأقل من الضحايا المدنيين لأعمال العنف منذ ست سنوات في العراق، بحسب الأمم المتحدة، وأقل من نصف عدد الضحايا في الشهر نفسه من العام 2017.
لكن استمرار سقوط الضحايا، يدل على أن الارهابيين، رغم هزيمتهم، ما زالوا قادرين على شن هجمات من مخابئهم المنتشرة على طول الحدود العراقية السورية.
فعلى سبيل المثال، تضاعف عدد الهجمات في محافظة كركوك بين العامين 2017 و2018، بحسب تقرير لمركز الدراسات الستراتيجية والدولية الذي يشير إلى انخفاض عدد الهجمات ضد المدنيين وارتفاعها ضد المؤسسات الحكومية والأمنية.

6total visits,1visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: