العراق: إيران تقتحم الصراع على رئاسة الوقف السني … بغداد ــ محمد علي

للشهر الثاني على التوالي، تواصل قوى سياسية ودينية عراقية سنية مختلفة تنافسها على منصب رئاسة ديوان الوقف السني الذي يتولاه بالوكالة منذ مطلع يونيو/حزيران عام 2015 عبد اللطيف الهميم، المحكوم مع وقف التنفيذ بالسجن لمدة عام واحد بتهم فساد، من دون أن يسفر الحكم عن أي إجراءات إدارية لعزله عن المنصب حتى الآن. مع العلم أنه سُحبت أخيراً إجازته العلمية من أبرز شيوخ العراق عبد الملك السعدي، الشهر الماضي بسبب مواقفه السياسية.
ومن المقرر تسمية رئيس جديد لكل من ديواني الوقف السني والشيعي وكذلك ديوان شؤون الأقليات، وفقاً لما جرت عليه العادة في كل دورة حكومية جديدة منذ عام 2003 عقب الاحتلال الأميركي للعراق، والتي حُلّت على أثرها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، بعد أن تعاقب على إدارتها منذ العهد الملكي مطلع القرن الماضي، شخصيات غير دينية لتحقيق مبدأ “التوازن” و”تجنب الاحتقان المذهبي” بحسب أدبيات النظام السابق، وهو ما ظهر أنّه أدى إلى نتائج عكسية لتنفجر العلاقات الأهلية الطائفية بشكل دموي فور سقوطه. وتتجاذب أطراف سنية عدة المنصب، وهي المجمع الفقهي العراقي، والتيار الإخواني، والرئيس الحالي بالوكالة للوقف السني عبد اللطيف الهميم، ورجل الدين المقرب من طهران مهدي الصميدعي، مدعوماً بتيار صوفي قريب من مليشيات “الحشد الشعبي” وإيران أيضاً يعرف باسم “الرباط المحمدي”.
وأثارت زيارة قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، يوم الثلاثاء الماضي، إلى بغداد واجتماعه في جامع أم الطبول وسط العاصمة بالصميدعي المعروف باسم “حسون العراق” في إشارة إلى مفتي النظام السوري أحمد حسون، عاصفة جدل جديدة حول منصب رئيس الوقف السني، خصوصاً أن التسريبات التي أعقبت الاجتماع الذي حضره القائد العسكري لمليشيات الحشد، أبو مهدي المهندس، أكدت أن إيران تخلت عن دعم الهميم، الذي سافر إلى إيران الأسبوع الماضي والتقى المرشد علي خامنئي على هامش مؤتمر إسلامي أقيم في طهران، وأنها تفضل حالياً شخصية جديدة لكن بعيدة عن المجمع الفقهي العراقي بزعامة الشيخ أحمد حسن الطه.

وكشفت مصدر رفيع داخل ديوان الوقف السني في بغداد لـ”العربي الجديد”، عن “حصول الصميدعي على دعم إيراني كبير في سباقه نحو كرسي رئيس ديوان الوقف السني بدلاً من الهميم، في الوقت الذي يصرّ المجمع الفقهي العراقي على أن المنصب يجب أن يمر من خلاله بحسب قانون دواوين الأوقاف، الذي خوّل المرجعية الشيعية اختيار رئيس ديوان الوقف الشيعي والمجمع الفقهي اختيار رئيس الوقف السني”.

وأضاف المصدر أن “إيران ستدعم أحد المقربين من الصميدعي في حال فشل تمرير الأخير، وهو ما دفع بعدد من موظفي الديوان بدرجة مدير عام إلى الابتعاد عن الهميم منذ فترة، بعد تيقنهم من خسارته المنصب، خوفاً من احتسابهم على تياره من قبل الرئيس الجديد”.

والصميدعي المتحدر من ناحية الرشيد جنوبي بغداد، كان عاملاً في مجال طب الأعشاب أو ما يعرف في العراق بـ”طب العرب”، ويملك عيادة للتداوي والحجامة هناك منذ عام 1992، وكان مقرّباً من خط عزة الدوري، الذي دعم التيار الصوفي في العراق على حساب التيار السلفي، أو ما كان يطلق عليه سابقاً “الوهابي”. وعقب الاحتقان الطائفي في بغداد عام 2006، برز اسم الصميدعي من خلال تشكيله فرقا مسلّحة محلية لحماية المساجد من الهجمات التي كانت تتعرض لها آنذاك من قبل مليشيات جيش المهدي والعصائب وبدر، والتي كان يسميها آنذاك “هجمات الصفويين”، ثم سرعان ما اعتقل من قبل الجيش الأميركي وأودع معتقل بوكا بالبصرة ليخرج بعد عامين تحت مسمى شيخ الجماعة السلفية. بعدها، تقرّب من رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي، الذي منحه دوراً بارزاً كممثل عن سنة العراق، تحديداً خلال التظاهرات التي اندلعت بالمدن السنية ضد سياسة المالكي الطائفية نهاية عام 2013.

وبرز دور الصميدعي، مهاجماً تلك التظاهرات مفتياً بحرمة الخروج على ولاة الأمر، ثم سرعان ما أعلن نفسه مفتي الديار العراقية بعد ساعات من صدور مذكرة اعتقال بحق المفتي رافع الرفاعي بتهمة الإرهاب. وخلال ذلك استقدم الصميدعي قوة عسكرية للسيطرة على جامع أم الطبول، المعروف حالياً باسم جامع ابن تيمية، وطرد إمامه السابق. وعُرفت عنه تصريحات مثيرة للجدل، من بينها دعاؤه خلال خطبه الأسبوعية لخامنئي بالعافية ووصفه بإمام المسلمين، ولرئيس النظام السوري بشار الأسد بالنصر. كما هاجم علماء الأزهر وهيئة كبار العلماء السعودية، والشيخ يوسف القرضاوي.

وأبلغ قيادي بارز في تحالف الإصلاح البرلماني، قبل أيام، “العربي الجديد”، بأن “الصميدعي نجح في كسب تأييد إيران وحصل على مباركة خامنئي في هذا الأمر”، مؤكداً أنه “من المتوقع أن تندلع أزمة جديدة حول المنصب، خصوصاً أن هناك ملفات ضخمة تنتظر إدارة الوقف الجديدة، من أبرزها عمليات الاستيلاء غير القانونية في سامراء على أرض ومساجد تابعة له. والأمر نفسه في الموصل والأنبار. ومن المؤكد أن دعم الصميدعي لرئاسة الوقف يرتبط بهذه الملفات وملفات أخرى. والأزمة قد تتسبب في انشقاقات أخرى داخل المكون السني سياسية وحتى دينية”.

ولفت القيادي إلى أن “إجراءات الهميم الأخيرة لم تشفع له في الحصول على الدعم الكافي لبقائه بالمنصب، رغم تغييره أسماء عدد من المساجد وتقنينه إقامة دورات حفظ القرآن والفقه وإبعاد خطباء وأئمة التيار السلفي من المساجد واستبدالهم بالتيار الصوفي القريب من الأحزاب الشيعية”.
وحول موقف القوى السنية السياسية أكد بأن “الحزب الإسلامي (الإخوان المسلمين) وتيار أسامة النجيفي وخميس الخنجر، يدعمون المجمع الفقهي العراقي، ويرفضون الصميدعي رئيساً للديوان، لكن بما أن الأخير حصل على دعم إيراني، فهذا يعني أن الضغوط قد بدأت فعلاً من الآن على تلك القوى، وقد يدخل المنصب ضمن المساومات المستمرة بين القوى السياسية في البلاد”.

من جهته، اعتبر الباحث الإسلامي، وسام الكبيسي، في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أن “دخول إيران على الخط له أسباب لعل من أهمها التمدد الإيراني الحاصل في كل مفاصل الدولة العراقية، وهو في سعي دائم لزيادة هذا التمدد لفرض نفسه على أرض الواقع كلاعب أساسي أو وحيد في المشهد العراقي. ويساعده على ذلك أمور مهمة، منها حالة التنازع الذي حصل بين القوى العربية السنية في وقت مبكر من الاحتلال، وهو ما أدى إلى إضعاف أهمية الوقف ودوره وكوادره التي تأثرت بهذه التنازعات، ومنها طمع بعض الشخصيات والجهات السنية بمقعد إدارة الوقف كون الأوقاف السنية لديها من الممتلكات والأوقاف ما يسيل له اللعاب في مرحلة سائلة تعج بالفساد يمر بها العراق حالياً. بالتالي هذا يسمح لإيران بالمساومة والمناورة مع أمثال هؤلاء، ربما للقيام بما لا يخدم الوقف ولا يحقق المصالح والمقاصد المرجوة منه”.

ورأى أنه “لا شك أن هذا تدخل سافر بالشأن العراقي أولاً وبالوقف السني ثانياً. وهو يبيّن حالة الضعف التي يعيشها العرب السنة ومن يمثلهم في السلطات والمؤسسات الرسمية على وجه الخصوص، وهو مما لا يساعد على تهيئة أجواء إيجابية لمصالحة حقيقية وتعايش سلمي بين أطياف الشعب العراقي بعد أعوام طويلة من الفوضى والفساد”.

وأضاف الكبيسي أنه “في رأيي أن الوقف السني يحتاج إلى وضع تصوّر جديد لاختيار من يديرونه وطريقة إدارته، وأعتقد أن تشكيل لجنة موسعة تشارك فيها كل الهيئات والروابط الشرعية، والمجمع الفقهي، وأساتذة كلية الإمام الأعظم، ومدراء أقسام الوقف الحاليين وخبراء الوقف طوال العقود الماضية، يمكن تشكيل هيئة تأسيسية من كل هؤلاء ليتم اختيار كادر الوقف وفق الترشيح والاقتراع المباشر، بعيداً عن أي ضغوط داخلية أو خارجية. وهي الطريقة الأسلم والأمثل لاستمرار إدارة الوقف السني في تأدية مهامها وتطوير أعمالها”.

11total visits,2visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: