الرئيسية / ملفات و تقارير / صراع ومشاريع القوى السياسية العراقية لمصلحة مَن؟

صراع ومشاريع القوى السياسية العراقية لمصلحة مَن؟

مصطفى العبيدي – بغداد-“القدس العربي”: يوما بعد يوم، تتبلور مؤشرات الانشقاق في صفوف القوى السياسية في العراق بانقسامها إلى مشروعين يسعى الأول “كتلة البناء” لرسم ملامح التشكيلة الحكومية بما ينسجم مع متطلبات مرحلة ما بعد فرض العقوبات الأمريكية على إيران عبر محاولة فك الحصار عنها، وآخر مخالف هو “ائتلاف سائرون” يركز على إصلاح الأوضاع المتدهورة في البلد وتحقيق استقلالية القرار الوطني.

وأخذت ملامح الصورة تتضح في خريطة التحالفات الجديدة التي يجري الترتيب لها بقوة لتقود الحكومة العراقية في المرحلة المقبلة، في ظل تشكيل تحالف “شيعي كردي سني” ضمن كتلة البناء التي تضم أحزابا شيعية يقودها حزب الدعوة بزعامة نوري المالكي والفصائل المسلحة في الحشد الشعبي، الساعين لفرض مرشحيهم للوزارات الشاغرة في حكومة عادل عبد المهدي وخاصة مرشح وزارة الداخلية فالح الفياض المقرب من إيران، في مقابل إصرار كتلة سائرون التي يقودها مقتدى الصدر، على منح الوزارات الأمنية لشخصيات مهنية مستقلة، في موقف يبدو وكأنه معركة كسر العظم بين جناحي الصدر والمالكي.

ويبدو الإحباط وخيبة الأمل من نتائج الحراك السياسي الجاري، واضحا في تصريحات قادة كتلة سائرون وقائدها الصدر، نتيجة إصرار كتلة البناء على فرض بصمتها على تشكيلة الحكومة الحالية مستغلة أغلبيتها العددية في البرلمان وتحالفها مع بعض القوى الكردية والسنية، رغم وعود سابقة قدمتها بترك الحرية لعبد المهدي في اختيار وزراءه.

وفيما يصر زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، على رفض اختيار وزيرين للدفاع والداخلية غير مستقلين، داعيا إلى منح الوزارات الأمنية لقادة شاركوا في المعارك ضد تنظيم “داعش” الإرهابي، ومؤكدا على استقلالية القرار العراقي عبر قوله أن “جيران العراق هم أصدقاؤه وليسوا أسيادا عليه” في إشارة إلى إيران، فإن كتلة المالكي مصرة على ترشيح شخصيات تؤمن تنفيذ مشروعها، ما جعل القيادي في تحالف سائرون رائد فهمي، يعلن “ان إمكانية إجراء إصلاحات حقيقية تتضاءل في عملية تشكيل الحكومة، ان لم نقل تنعدم، في ظل التشبث بنهج وامتيازات المحاصصة الطائفية والإثنية”.

وإزاء عقدة عدم اكتمال تشكيلة الحكومة وعرقلة الأداء الحكومي رغم ضخامة التحديات والأزمات، يقف رئيسها عادل عبد المهدي، الذي ليست لديه كتلة نيابية قوية في البرلمان، عاجزا عن إرضاء الجناحين الرئيسيين لإكمال تشكيلة حكومته المتعثرة، مما تسبب ليس في تأخير تمرير الوزراء الثمانية الباقين فحسب، بل وفي إمكانيته في الحفاظ على وزرائه الذين مررهم البرلمان بصعوبة، وسط تهديدات الكتل المتناحرة بسحب الثقة عن بعضها بمختلف الذرائع. ويعتقد المتابعون للمشهد السياسي ان عبد المهدي ليست لديه مشكلة في قبول مرشحي كتلة البناء، بل ان تصريحاته بعدم تقيد العراق بالعقوبات الأمريكية على إيران، جاءت منسجمة تماما مع مشروع الكتلة.

وحتى بالنسبة لزيارة رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، إلى بغداد ولقاءاته مع قادتها، تؤكد المصادر المطلعة في العاصمة، ان هدفها ليس دعم حكومة عبد المهدي أو محاولة زيادة حصة الإقليم في ميزانية 2019 أو لإعادة الاعتبار له وفك عزلته عقب الاستفتاء على الانفصال وخسارته كركوك فحسب، بل بهدف إقامة تحالف جديد يضم حزبي بارزاني وطالباني وكتلة المالكي “البناء” وبعض القوى السنية الطامعة في المناصب، ليكونوا الكتلة الأكبر في البرلمان القادرة على إجبار عادل عبد المهدي على توجيه حكومته بما يرضي رغبات طهران من خلال التلويح الدائم بإمكانية إسقاطها في أي وقت إذا تجاوب مع العقوبات الأمريكية.

وقد أثارت زيارة بارزاني والتحالف الجديد، العديد من القوى منها الأحزاب التركمانية التي عبرت عن خشيتها من ان تكون ضحية هذا التحالف من خلال تقديم القوى الشيعية كركوك إلى القيادة الكردية ثمنا لانضمامها إلى التحالف، كما اعتبرت حركة التغيير الكردية المعارضة في الإقليم الزيارة تعبيرا عن مصالح حزب بارزاني ولا تمثل إرادة الشعب الكردي.

يذكر ان القادة الكرد استغلوا عودة نشاط تنظيم “داعش” إلى بعض المناطق المحررة مؤخرا، للتحذير من إمكانية عودة التنظيم الإرهابي وللمطالبة بعودة البيشمركه والقوى الأمنية الكردية إلى كركوك وباقي المناطق المتنازع عليها، بحجة قدرتها على ضبط الأوضاع الأمنية فيها، وهو المطلب الذي يبدو صعب التحقيق في ظل فقدان الثقة بين البيشمركه والحشد الشعبي والقيادات العسكرية في الجيش واحتمالات تجدد الاشتباكات بينهما في تلك المناطق المتوترة.

ولا يختلف المطلعون على ان إمكانية عودة تنظيم “داعش” إلى النشاط في المناطق المحررة منه، أمر غير مستبعد لعدة أسباب منها خلافات السياسيين وإمكانية استغلالهم التنظيم كورقة سياسية كما حدث عام 2014 وهي مخاوف أكدها عادل عبد المهدي، عندما أشار في مؤتمره الصحافي الأسبوعي، إلى ان “أكثر التفجيرات في نينوى هي اقتصادية وسياسية أكثر من كونها عمليات لداعش”. ويعزز هذا الرأي سوء أوضاع تلك المناطق وإهمال الحكومة لإعادة إعمارها واستمرار وجود ملايين النازحين بعيدا عن ديارهم وتجاهل المصالحة الوطنية، وهي أسباب أكد رئيس ائتلاف الوطنية أياد علاوي انها قد تقود إلى ظهور الجيل الثاني من تنظيم “داعش” في العراق، وبأسلوب جديد.

وفي كل الأحوال يبدو المشهد العراقي مقبلا على مرحلة بعيدة عن الاستقرار وسط صراعات داخلية وإقليمية تسعى لفرض مشاريعها، ولو على حساب إنهاء آمال العراقيين في إصلاح واقعهم المرير، وهو الأمر الذي بالتأكيد، لن يمر بسهولة على الشعب العراقي وقواه المؤمنة بالتغيير.

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قوّة أميركيّة تستقرّ غرب القائم بعد سيطرة داعش على هجين السوريّة

بغداد/ وائل نعمة بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من منطقة هجين السورية القريبة من ...

%d مدونون معجبون بهذه: