التسقيط سمة بارزة في قاموس ديمقراطية العراق

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 4 نوفمبر 2018 - 10:45 صباحًا
التسقيط سمة بارزة في قاموس ديمقراطية العراق

مصطفى العبيدي – بغداد-“القدس العربي”: على خلفية صراع الأحزاب السياسية للاستحواذ على الوزارات في حكومة عادل عبد المهدي، يشهد العراق هذه الأيام حملات متعددة ومنظمة لتسقيط بعض الشخصيات، وخاصة المرشحين منهم لمناصب وزارية، بهدف إقصاءهم وإحلال آخرين بدلا عنهم من تلك الأحزاب.

وإضافة إلى ما حفل به قاموس العملية السياسية في العراق منذ 2003 من مفردات أبرزها التزوير والابتزاز وشراء الذمم ضمن شتى أساليب الترغيب والترهيب في فعاليات العملية السياسية مثل الانتخابات وتشكيل الحكومات وإدارة السلطة وغيرها، فإن لجوء القوى السياسية لوسائل الإعلام والجيوش الالكترونية من أجل تسقيط وإقصاء المنافسين عبر تشويه سمعتهم أو ترتيب مخالفات قانونية ضدهم، أصبح من سمات ومظاهر العملية السياسية في عراق اليوم، حيث يمارس أغلب ساسة العراق، مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة” بأقبح أشكاله وأساليبه التي تتنافر مع روح الديمقراطية، وتلغي إرادة الشعب وتفرض عليه في السلطة، الكثير من القوى والشخصيات الطفيلية والدخيلة، التي أصبحت تتقن التحكم في مصير ومقدرات البلد باسم الديمقراطية تارة وباسم الدين تارة أخرى.

وتتركز حملات التسقيط حاليا على أعضاء ضمن تشكيلة حكومة عادل عبد المهدي، أو أسماء ينوي ضمها للوزارات الشاغرة ومن كل المكونات. وقد حظي رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، بنصيب من محاولات الإقصاء عبر التشكيك في مواقفه وإنجازاته في فترة قيادته الحكومة السابقة، لمنع تكليفه مسؤوليات جديدة. ويبدو ان القائمين بالحملة ضده أغلبهم من كتل شيعية منافسة تسعى للهيمنة على المناصب الوزارية.

ونظرا لانتشار التسريبات والأخبار في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي عن ترشيحات وتعيينات مزعومة في حكومة عبد المهدي، فقد أصدر مكتب الأخير، بيانا انتقد فيه تسريب أو نشر “كتب غير دقيقة أو مزورة أو سرية” عادا ذلك بأنه مصدر كبير لـ”إثارة البلبلة بين المواطنين أو في عمل دوائر الدولة”.
وفي السياق، أعلن النائب المسيحي برهان الدين اسحق، عن تعرض المرشحة لوزارة العدل أسماء صادق (مسيحية) إلى “حملة تسقيط وتشهير ممنهج يميط اللثام عن توجه عدائي ما زال البعض يخفيه ليس تجاه المكون المسيحي فحسب بل تجاه كل قيم التعايش والإخاء التي ينبغي لها ان تنتصر على كل مفاهيم الفتنة والتفرقة التي أرادها الأعداء في العراق”. وكانت بعض مواقع شبكة التواصل الاجتماعي نشرت صورا خادشة للحياء ادعى مروجوها انها للمرشحة لوزارة العدل. كما أعلن حزب الفضيلة الشيعي ان منصب العدل يجب أن يقوده مسلم.

وأعلنت المفوضية العليا للانتخابات، رفع شكوى قضائية ضد النائبة السابقة شذى العبوسي، والمرشح وضاح الصديد، بعد تسريب قنوات فضائية ومواقع تواصل، لمكالمة بينهما تتعلق بعقد صفقة لتكليف شركة أجنبية بالحصول على أصوات انتخابية لدعم ترشيح الصديد لمجلس النواب مقابل مبلغ كبير. ويأتي تسريب المكالمة في هذا التوقيت لإحباط مساعي ترشيح الصديد لمنصب وزير الدفاع.

وأقر النائب حنين القدو، أن “خلافات شخصية ومواقف سياسية” حالت دون تمرير أسماء بعض المرشحين في الكابينة الوزارية، مبينا أن “هناك بعض الكتل كانت تطالب باستحقاق انتخابي وأطراف أخرى كانت فيما بينها خلافات شخصية ربما تكون السبب في عدم التصويت على بعض مرشحي الوزارات ومن بينهم مرشح وزارة الداخلية فالح الفياض، ومرشح التعليم العالي قصي السهيل” لافتا إلى أن “بعض المشاكل التي قد تكون شخصية ولا تتعلق بكفاءة الأشخاص أو البرنامج الحكومي كانت سببا في عدم التصويت على بعض المرشحين”.

وكان مجلس النواب صوت مؤخرا، على منح الثقة لـ 14 وزيرا من تشكيلة حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، فيما تم تأجيل التصويت على مرشحي ثمان وزارات إلى الجلسات المقبلة بسبب الخلافات بين الأحزاب على تقديم مرشحيهم.

وفي نموذج لعمليات التسقيط السياسي، قال المحامي العراقي بديع عارف لـ”القدس العربي” قبيل وفاته مؤخرا، إن “محكمة الاستئناف في بغداد، بصدد إعادة التحقيق في قضية نائب رئيس الجمهورية الأسبق طارق الهاشمي التي صدرت فيها أحكام إعدام على 134 متهماً بينهم الهاشمي الموجود خارج العراق، بتهمة التورط في قتل شرطي ودعم إرهابيين”. وأكد ان إعادة التحقيق، جاءت بعد تأكيد المتهمين للمحكمة ان اعترافاتهم انتزعت منهم تحت التعذيب. وهو الأسلوب الذي تتبعه بعض أطراف السلطة بشكل دائم مع السياسيين السنة لكونهم الحلقة الأضعف بين الأحزاب والكتل السياسية في العراق.
والحقيقة ان المتابع لتاريخ العملية السياسية في عراق ما بعد 2003 يجد انه حافل بسلسلة طويلة من عمليات التسقيط ضد شخصيات أغلبها من المكون السني، من خلال تلفيق قضايا قانونية مشكوك في صحتها، ومنها اتهامات بكونهم من أتباع النظام السابق أو بعثيين أو متعاونين مع الإرهاب أو متورطين في ملفات الفساد المالي وغيرها من الاتهامات الجاهزة. ولعل أبرز عمليات التسقيط كان ضحيتها رئيس الوقف السني السابق عدنان الدليمي، ونائب رئيس الجمهورية السابق طارق الهاشمي، ورئيس البرلمان الأسبق محمود المشهداني ورئيس مجلس محافظة بغداد رياض العضاض، والنائب محمد الدايني والنائب احمد العلواني، ومحافظ نينوى اثيل النجيفي، ووزير الدفاع خالد العبيدي وغيرهم العشرات، ممن تم تلفيق دعاوى قانونية ضدهم ثبت لاحقا بطلانها، أو تمت إقالتهم من مناصبهم بمختلف الحجج والمبررات، ولكنها جميعا تصب في هدف واحد هو إقصاء وتهميش المنافسين في إطار الصراع على السلطة.

كلمات دليلية
رابط مختصر