تقرير يسلط الضوء على أسباب تلاشي ثورة التوابين من الذاكرة الشيعية

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 28 أكتوبر 2018 - 3:36 مساءً
تقرير يسلط الضوء على أسباب تلاشي ثورة التوابين من الذاكرة الشيعية

شكلت ثورة التوابين أولى الحركات أعقبت مذبحة كربلاء، لكن بما أن المؤرخين لم يجدوا طريقة لتصنيف الحركة في السياق المذهبي الخالص، تراجعت ككانتها في الذاكرة الشيعية الجمعية.

وسلط تقرير نشره موقع “رصيف 22” المصري الضوء على ثورة التوابين التي ظهرات ما بعد مذبحة كربلاء في ظل الفوضى السياسية التي اجتاحت دولة الإسلام آنذاك بعد أن راح الحسين بن علي ومجموعة كبيرة من أهله وأقاربه وأنصاره ضحية لحرب غير متكافئة ضد القوات الأموية.

ويذكر التقرير ان مقتل الحسين بتلك الطريقة الدامية، سبب وقوع زلزال هائل في جنبات الدولةِ الإسلامية آنذاك، سرعان ما تلته مجموعةٌ من التوابع التي ظهرت أثارها ونتائجها في الحواضر والعواصم الإسلامية الكبرى، ففي مكة، انتهز عبد الله بن الزبير الفرصة المواتية، معلنا عن خلعه طاعة الأمويين، ودعا المسلمين لمبايعته.

أما في المدينة، فقد أعلن العديد من أبناء الأنصار عن ثورتهم، مدفوعين في ذلك بسخطهم ورفضهم لما جرى في كربلاء، فأرسل لهم الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، جيشا كبير العدد بقيادة “مسلم بن عقبة المري”، استطاع أن يقضي على الثورة بعد قيامه بعدد من المجازر الدمويةِ التي أسهبت المصادر التاريخية الإسلامية في وصفها.

و في دمشق نفسها، تطورت الأحداث بسرعة، فالخليفة يزيد الذي لم يتورع عن سفك الدماء في كربلاء والمدينة ومكة، توفي بشكل مفاجئ في 64هـ/ 683م، أثناء محاصرة جيشه لعبد الله بن الزبير في مكة، لتؤول السلطة إلى ابنه معاوية، لكن الفتى الذي لطالما عرف بزهده وورعه وبعده عن شؤون الحكم، تنازل عن الخلافة ورفض أن يعهد بها لأحد من أقاربه.

ويذكر التقرير أن أهل الكوفة هم أكثر من فجعوا وتألموا عقب مقتل الحسين بن علي، ذلك لأنهم كانوا هم الذين راسلوا حفيد الرسول ووعدوه بالنصرة والتأييد والقتال في صفه ضد الأمويين، موقف سرعان ما تمت صياغته في قالب “الندم والحسرة” لتخلفهم عن نصرته، فحاول عدد منهم البحث عن سبيل للتكفير عن ذنبه وغسل يديه من دم ابن بنت رسول الله.

وبحسب ما يذكر كل من اليعقوبي في “تاريخه”، والطبري في “تاريخ الرسل والملوك”، فقد كانت تلك المشاعر ذات النزعة التطهرية، سببا في تجميع عدد كبير من رجال الكوفة، عرفوا باسم “التوابين”، لأنهم كثيرا ما كانوا يرددون في مجالسهم في سورة البقرة “فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم”.

وأضاف التقرير ان “الترابيين” هو اسم آخر للتوابين، أطلقه عليهم المسعودي في كتابه “مروج الذهب ومعادن الفضة” لشدة تعصبهم وتشيعهم لـ”علي بن أبي طالب” وبنيه من بعده، و”أبا تراب” كانت الكنية الغالبة على علي، اشتهر بها دونا عن باقي الصحابة والمسلمين ، وبحسب ما يذكر الدكتور محمد إبراهيم الفيومي في كتابه “الشيعة العربية والزيدية”، ابتدأت اجتماعات التوابين بعد مقتل الحسين بمدة قصيرة، وكانت تتم بشكل سري في البداية، خوفا من الأمويين وعاملهم في الكوفة عبيد الله بن زياد.

وبعد وفاة الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، أصبحت الفرصة سانحة أمام التوابين للجهر بدعوتهم، خصوصا أن القبضة الأموية على الكوفة قد ضعفت عقب إعلان عبد الله بن الزبير نفسه خليفة للمسلمين، وبدؤوا بإعلان دعوتهم أمام تلك المتغيرات السريعة، ودعا التوابون إلى الأخذ بثأر الحسين بن علي، وانضم لهم الكثير من الرجال، ورفع هؤلاء شعار “يا لثارات الحسين”، توازيا مع تلك الأحداث، بعث ابن الزبير “عبد الله بن يزيد الأنصاري” واليا من قبله على الكوفة، ولما كان ابن يزيد يعرف نية التوابين لقتال الأمويين، لم يحاول أن يصطدم معهم، ويظهر ذلك بوضوح فيما ذكره الطبري، أنه عندما حاول بعض وجهاء الكوفة أن يؤلبوا عبد الله بن يزيد لقتال التوابين، كان رده عليهم “الله بيننا وبينهم إن هم قاتلونا قاتلناهم وإن تركونا لم نطلبهم وليس لدينا ما يمنع خروجهم على من قاتل الحسين”، وعلى الجانب الآخر، كان التوابون مترددين كثيرا في الهدف المفترض أن يجعلونه أمامهم، فبحسب ما يذكر المستشرق الألماني “يوليوس فلهاوزن” في كتابه “أحزاب المعارضة السياسية الدينية في صدر الإسلام”، فبعضهم كان يرى أنه من الأولى التخلص من الأشراف الكوفيين الذين ساهموا كثيرا في هزيمة الحسين وتفريق الناس عنه، بينما فريق آخر منهم رأى أن هدفهم الرئيس الأمويون الذين قتلوا الحسين وأهل بيته في كربلاء.

وقد حسم سليمان بن صرد الزعيم الأكبر للتوابين هذا الخلاف، وأعلن أن قتال الأمويين مقدم على قتال غيرهم وعزم على أخذ الثأر منهم.

وبين التقرير أنه عكس معظم الحركات والثورات الشيعية والعلوية الواقعة في التاريخ الإسلامي، لم يكن لحركة التوابين قائد واحد مميز، بل أُديرت من قبل مجموعة محددة من الرجال، هم بحسب ما اتفقت المصادر التاريخية على تسميتهم: سليمان بن صرد الخزاعي، المسيب بن نجبة الفزاري، عبد الله بن سعد بن نفيل الأزدي، عبد الله بن وال التميمي، ورفاعة بن شداد البجلي، والملمح المشترك في الرجال الخمسة، أنهم كانوا جميعا من شيعة علي بن أبي طالب، ممن اشتركوا معه في القتال ضد أعدائه زمن خلافته، ويعتقدون في أحقية أبنائه في الحكم وتولي الخلافة.

ورغم إقرار مبدأ تشاركية السلطة والقيادة بين الرجال الخمسة، إلا أن سليمان بن صرد، استحوذ المكانة الأهم والنفوذ الأقوى بينهم، فبحسب ما يذكر ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ”، فإنه كان صاحب الدعوة الأولى للنهوض للثأر من قتلة الحسين، ورغم أن الكثير من علماء الشيعة على مر التاريخ قد وجهوا لسليمان تهمة خذلان الحسين والهروب من المعركة في كربلاء، عدد قليل منهم قد حاول أن يدفع عنه تلك التهمة، منهم على سبيل المثال الشيخ الشيعي عبد الله المامقاني، في كتابه “تنقيح المقال في علم الرجال”، حيث يذهب إلى أن سليمان بن صرد، كان محبوسا في سجن عبيد الله بن زياد وقت وصول الحسين إلى كربلاء، في محاولة منه لدفع تهمة التخاذل عن سليمان وقادة التوابين، لكن رأيه يفتقر الانتساب إلى أي مصدر تاريخي موثق، كما يتعارض مع كثرة الروايات التي تحكي عن ندم سليمان وأصحابه، وإصرارهم على التوبة عن نكوصهم عن نصرة الحسين.

وبحسب المعلومات التي استند إليها التقرير في أول ربيع الثاني عام 65هـ/17 نوفمبر 684م، تجمع التوابون في منطقة النخيلة، الواقعة قرب البصرة، بحسب ما يذكر ياقوت الحموي في “معجم البلدان”، وهناك وجه سليمان بن صرد الدعوة إلى جميع الشيعة في العراق للانضمام لحركته، ورغم أن ما يقرب من ستة عشر ألفا من الشيعة قد أرسلوا معلنين عن نيتهم للاشتراك في الحركة والالتحاق بركابها، إلا أن ربعهم فقط قد حضر إلى معسكر النخيلة، بحسب ما يذكر ابن الجوزي في كتابه “المنتظم في تاريخ الملوك والأمم”، وبعد بضعة أيام توجه التوابون إلى كربلاء فأمضوا ليلتهم عند قبر الحسين وأخذوا العهود والمواثيق على أنفسهم، ثم انطلقوا إلى منطقة عين الوردة، وبحسب ما يذكر ابن كثير في “البداية والنهاية”، فإنه وبعد خمسة أيام من الانتظار، تلاقى التوابون مع الجيش الأموي الذي يقوده عبيد الله بن زياد.

ويذكر المسعودي، أن عدد التوابين في تلك المعركة لم يزد عن أربعة آلاف رجل، بينما فاق عدد مقاتلي الجيش الأموي الثلاثين ألفا، وقد سبق المعركة عدد من محاولات التفاهم بين الجانبين، فطبقا لما يذكره أبو النصر محمد الخالدي في كتابه “توابع الفتنة الكبرى” حاول الجيش الشامي قبل المعركة إقناع التوابين بترك القتال، والتوابون من جهتهم، طلبوا من أهل الشام أن يخلعوا عبد الملك بن مروان من الخلافة ويقدموا عبيد الله بن زياد للاقتصاص منه، وأنهم في المقابل سوف يبرئون من حكم عبد الله بن الزبير، ويردون أمر الخلافة إلى أهل بيت النبي، ولما كان من الطبيعي أن يرفض كلا الطرفين شروط الآخر، فقد ابتدأ القتال بينهما، ورغم التفوق النسبي للتوابين في أول المعركة، إلا أن الجيش الشامي استطاع أن يسير المعركة لصالحه بعد ذلك خصوصا بعد مقتل زعيم التوابين سليمان بن صرد، ورغم وضوح النهاية المحتومة للمعركة فإن معظم التوابين قد استمروا في القتال حتى النهاية ولم يتراجع منهم إلا القليل.

وعلق التقرير على أسباب فشل الثورة بعدة ملاحظات أهمها، أنها كانت حركة عاطفية في المقام الأول، فلمّا كان الدافع الرئيس لتلك الحركة، هو التكفير عن قتل الحسين، فإن قادة الحركة لم يضعوا خططا استراتيجية واضحة لحركتهم، ولم يهمهم سوى الانتقام من الجيش الأموي، وكان في ذلك تغليب للنواحي العاطفية على الأخرى الواقعية، السبب الذي دعا الكثير من الباحثين، لأن يروا في حركة التوابين، المصدر التاريخي الأول الذي استمدت منه الشعائر الحسينية زخمها العاطفي والمعنوي.

والظاهر أن الروايات التاريخية العديدة التي وردت عن أحداث تلك الفترة، تصور التوابين، بعد أن انتهت حركتهم وفشلت، على أنهم كانوا مصرين على الموت، وليس فقط القتال، فنرى أن ابن الأثير يذكر في كتابه “الكامل في التاريخ”، ان والي الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي حاول استمالتهم إلى جانبه، بحيث يقاتل الطرفان مع بعضهما ضد الأمويين، كما دعاهم والي قرقسيا إلى التحصن في مدينته، ويحارب معهم الأمويين، عندما يقتربوا منهم، لكن كل تلك المحاولات بائت بالفشل، فقد سيطرت عقلية الانتقام والاستشهاد على التوابين بشكل كامل.

والملاحظة المهمة الثانية التي يجب الإشارة إليها بحسب التقرير، تتمثل في أن تلك الحركة لم تستند إلى أية مرجعية شيعية قائمة في وقتها، حيث لم ينقل لنا في أي من المصادر التاريخية المعاصرة لتلك الفترة، أن زعماء التوابين قد حاولوا الاتصال بعلي زين العابدين، الابن الوحيد للحسين، الذي بقي حيا بعد كربلاء، وفي الوقت نفسه لم يرجع التوابون إلى محمد ابن الحنفية، الذي كان أكبر أبناء علي بن أبي طالب تلك الفترة، من هنا نفهم أن المؤرخين لم يجدوا طريقة لتصنيف الحركة في السياق المذهبي الخالص، وربما يفسر ذلك السبب في تراجع مكانتها في الذاكرة الشيعية الجمعية، بعكس حركة “المختار الثقفي” التي ستقع أحداثها فيما بعد، وستحتل مكانة مهمة في التراث السياسي الشيعي.

كلمات دليلية
رابط مختصر