“حكومة الأقارب” تصدم العراق: عبد المهدي ينقلب على وعوده … بغداد ــ زيد سالم، سلام الجاف

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 26 أكتوبر 2018 - 6:43 صباحًا
“حكومة الأقارب” تصدم العراق: عبد المهدي ينقلب على وعوده … بغداد ــ زيد سالم، سلام الجاف

تمكّن رئيس الحكومة العراقية الجديدة عادل عبد المهدي، من إقناع أعضاء البرلمان بـ14 مرشحاً لوزارات الحكومة، لكنه أخفق في تمرير 8 مرشحين لوزارات أخرى، ليحظى بثقة جزئية ويتسلّم منصب رئيس الحكومة، وسط تساؤلات عدة من قبل مراقبين وسياسيين عن الأسماء التي رُشحت لنيل الوزارات بحسب الاختصاصات عبر النافذة الإلكترونية، في حين سُربت كثير من المعلومات تفيد بأن أغلبية الوزراء الذين صوّت البرلمان بالموافقة عليهم هم أقرباء زعامات سياسية وقياديين في “الحشد الشعبي”، ليفتح ذلك عهداً جديداً في الحياة السياسية العراقية، هو عهد “حكومات الأقارب”، بحسب مراقبين.

وقال مصدر مقرب من عبد المهدي، لـ”العربي الجديد”، إن “رئيس الوزراء الجديد عمل على خلق توازن بين الضغوط السياسية والشعبية من جهة، ومراعاة الكفاءة في اختيار الوزراء بحسب الاختصاص، وعدم وضع غير المناسبين في الأماكن المناسبة من جهة أخرى، فهو لم يسمح لبعض الكتل الحزبية بتجاوز إرادته، وخصوصاً في ما يتعلق بحصة المكوّن الكردي، فقد كانوا يضغطون باتجاه الحصول على أربع وزارات، إلا أن عبد المهدي أعطاهم 3 وزارات، وهذا ما يراه حقهم”، مضيفاً: “لكن في الوقت نفسه، هناك ضغوط من الأحزاب السنّية في تحالف البناء، وأبرزهم حزب الحل بزعامة جمال الكربولي، للحصول على مناصب، فيما دعمت شخصيات شيعية مثل هادي العامري، مطالب السنّة”.
وعن الوزارات الشاغرة حتى الآن، أوضح المصدر أن “تحالف سائرون التابع لمقتدى الصدر سيعمل على ترشيح شخصيات كفوءة وغير منضوية في التيار الصدري، إنما موالية لمقتدى الصدر وتتأثر بتوجيهاته، فيما تحاول كتلة صادقون، الجناح السياسي لمليشيا العصائب بزعامة قيس الخزعلي، الحصول على وزارة الداخلية عبر مرشح لها من محافظة البصرة، بعدما رُفض اسم فالح الفياض، يوم الأربعاء، والذي كان المرشح الأول لهذه الوزارة”.

وحول الوزراء الثمانية المتبقين، قال قيادي بارز في تحالف “سائرون” لـ”العربي الجديد”، طالباً عدم ذكر اسمه، إن رفضهم من قبل البرلمان أول مرة يعني رفضهم مرة ثانية، مضيفاً “لدى عبد المهدي مهلة دستورية حتى مساء الثالث من الشهر المقبل كي يقدّم وزراء جدداً ليتم منحهم الثقة، وهذه مدة كافية له”. وأكد أن اسمي فالح الفياض لوزارة الداخلية، وفيصل الجربا للدفاع، يواجهان رفضاً واسعاً لوجود معلومات بأن أحدهما مفروض من إيران والآخر من الأميركيين كونه كان يتمتع بعلاقة واسعة معهم خلال فترة الاحتلال الأميركي للعراق. وأكد أن “باقي الوزارات سيجري البحث عن أسماء أخرى لها ونتمنى أن تكون مقبولة”، في إشارة إلى حقائب التخطيط، والتعليم، والهجرة، والتربية، والثقافة، والعدل.

14 وزيراً بصلات سياسية
وصوّت البرلمان العراقي، ليل الأربعاء، على 14 وزيراً، أغلبيتهم على صلة اجتماعية وثيقة بزعامات سياسية، وهم ثامر الغضبان وزيراً للنفط، وفؤاد حسين وزيراً للمالية، ومحمد الحكيم وزيراً للخارجية، وبنكين ريكاني وزيراً للإعمار والإسكان، ونعيم ثجيل الربيعي وزيراً للاتصالات، وعلاء عبد الصاحب وزيراً للصحة، ومحمد هاشم وزيراً للتجارة، وصالح الجبوري وزيراً للصناعة، وصالح حسين وزيراً للزراعة، وأحمد رياض وزيراً للشباب والرياضة، وعبد الله اللعيبي وزيراً للنقل، ولؤي الخطيب وزيراً للكهرباء، وباسم الربيعي وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية، وجمال العادلي للموارد المائية.

قبيل ذلك، أعلن عبد المهدي في كلمته خلال جلسة منح الثقة في البرلمان، أنه ألغى منصب نائب رئيس الوزراء، وسيتم تقليص الهيئات الاستشارية ومكتب أمانة مجلس الوزراء، فيما أوضح أنه سينهي ملف إدارة الهيئات والمناصب بالوكالة، وسيتم إرسال قانون الوزارات خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عمر الحكومة الجديدة، وستحاسب كل الوزارات بصورة دورية في كل ستة أشهر. وعما يعرف بالحكومة الإلكترونية، أشار إلى أنه سيتم الاعتماد على الحكومة الإلكترونية للانتهاء من البيروقراطية، كما سيتم إنهاء الفوضى الأمنية وانتشار السلاح، وفتح المنطقة الخضراء وتقليل السيطرات الأمنية داخل المحافظات، ونشر الكاميرات داخل المدن.

وبحسب محللين ومراقبين للشأن السياسي العراقي، فإن حكومة عبد المهدي هي أكثر هشاشة من الحكومات السابقة، بل جاءت صدمة للعراقيين الذين انتظروا مفاجآت تدفعهم لتصديق الوعود التي كان عبد المهدي قد أطلقها. وجاء ترشح عدد من الأسماء غير المعروفة وتسليمهم وزارات مهمة، بداية لمرحلة جديدة من السخرية السياسية و”حكم العوائل”، كما قال ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وكشف مسؤولون وسياسيون عراقيون أن معظم الوزراء الجدد لديهم صلات عائلية مع رؤساء كتل أو مقربين منهم، ولم يمتلكوا سيرة مهنية قد تتمكن من النهوض بالواقع السياسي والخدمي، حتى أن عدداً منهم متهم بالفساد ولديه قضايا نزاهة، متسائلين عن شعارات “المجرب لا يجرب” وحكومة التكنوقراط وغيرها من الشعارات التي وعد عبد المهدي بتنفيذها في خطاب تكليفه الأول مطلع الشهر الحالي.

فالمرشحة لوزارة العدل أسماء سالم صادق، هي شقيقة رئيس مليشيا “بابليون” ريان الكلداني، ووزير الشباب والرياضة الذي نال ثقة البرلمان هو ابن أخت رئيس كتلة الحل جمال الكربولي، والمرشحة لوزارة التربية صبا الطائي، هي مساعدة لرئيس “تحالف القرار” خميس الخنجر في مشاريع خيرية أقامها للنازحين في إقليم كردستان، ووزير الصناعة عبدالله الجبوري هو ابن عم القيادي في “تحالف المحور” أحمد الجبوري، والأخير متهم بقضايا فساد مختلفة. كما أن وزير المالية فؤاد حسين هو مهندس عملية استفتاء انفصال كردستان عن العراق العام الماضي وأبرز مساعدي مسعود البارزاني، ووزير الزراعة صالح حسين، هو قيادي في مليشيا “جند المهدي” التابعة لـ”الحشد الشعبي”، وباسم الربيعي وزير العمل هو أحد أعضاء مليشيا “العصائب” البارزين، وكذلك مرشح وزارة التخطيط إياد السامرائي الذي لم ينل ثقة البرلمان بعد فيواجه تهم فساد وهو من قيادات الحزب الإسلامي العراقي، كما أن مرشح الداخلية، فالح الفياض، الذي يُعتبر سبب المشادات التي شهدتها جلسة البرلمان، فهو زعيم هيئة “الحشد الشعبي” ووزير الأمن القومي السابق ويواجه تهم فساد مالي وإداري.

تشكيلة مُحبطة
ورأى مراقبون أن “التشكيلة الوزارية التي أعلن عنها عبد المهدي مُحبطة للشارع العراقي، ولو كان (عبد المهدي) قد انسحب من التكليف لأصبح أحد كارزمات العراق الحديث”. وبحسب آخرين، فإن “الحكومة تشتمل على ثلاثة أمور مشتركة، فالوزراء إما أصدقاء لرئيس الوزراء، أو أقارب لقيادات سياسية، فيما القسم الآخر تشمله الشفاعات الخارجية، وبذلك فإن تلك المشتركات لا تكشف عن إصلاح أو تغيير مقبل”.

وفي هذا السياق، قال القيادي في التحالف الكردستاني العراقي، ماجد شنكالي، لـ”العربي الجديد”، إن “عبد المهدي جاء بعكس ما قاله ووعد به تماماً”، معتبراً أن “الحكومة الحالية لا تختلف عن السابقة، وما جاءت به من أسماء هي تحاصص لكتل سياسية، ومعظم الوزراء مدراء ومصرّفو أعمال زعماء كتل سياسية معروفة، وهناك عدد منهم متهمون بالفساد، وعليهم قضايا في محكمة النزاهة”، مضيفاً “لا أريد أن أكون متشائماً، لكن البداية لا تبشر بالخير، وأعتقد أن هذه الحكومة لن تدوم طويلاً”.

أما عضو التيار المدني أحمد عباس، فأشار في تصريح لـ”العربي الجديد”، إلى أن “الحكومة كانت عبارة عن 54 في المائة للشيعة، 36 في المائة للسنّة والأخرى للأكراد، ووزارة يتيمة للمسيحيين كانت من حصة شقيقة زعيم مليشيا بابليون، وهي سيدة قانونية من الدرجة السابعة رُقيت للدرجة السادسة قبل أشهر، ولا تمتلك مؤهلاً لقيادة وزارة حساسة مثل العدل”، لافتاً إلى أن “هناك خيبة أمل، بينما الأحزاب تقول اليوم إن العراق على مفترق طرق ووجود حكومة أفضل من عدمها، وذلك لامتصاص نقمة الشارع العراقي”.

تهديدات من البصرة
من جهة أخرى، يهدد نواب محافظة البصرة بمقاطعة جلسات البرلمان المقبلة بسبب عدم حصول المحافظة على أي منصب وزاري، وبحجة تعمّد تهميش وإقصاء المحافظة في التشكيلة الحكومية. كما هددوا بعودة الاحتجاجات الشعبية قريباً، وهو تحدٍ يواجه عبد المهدي قبل توزيع باقي الوزارات. لكن مصادر سياسية مطلعة كشفت لـ”العربي الجديد”، أن “حركة العصائب وحزب الفضيلة وتيار الحكمة، يدفعون بنوابهم في البصرة إلى الاحتجاج، فالعصائب ليست راضية على ما حصلت عليه في جلسة البرلمان الأخيرة، وحزب الفضيلة لم يحصل على أي شيء، أما تيار الحكمة فيريد الاستيلاء على وزارة مرتبطة بأزمة البصرة كي يحصل على المخصصات المالية لمعالجة أزمات البصرة، ومن خلالها يمكنه تعويض سلسلة الخسائر في حملته الإعلامية، بالإضافة إلى الدخول على خط المقاولات وتهريب الأموال وهدرها”.

أما عضو تحالف “القرار” طامي أحمد، فاعتبر في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “جلسة البرلمان الخاصة بمنح الثقة لعادل عبد المهدي مثّلت مهزلة كبيرة، وأرسلت رسالة إلى كل العالم أنه في العراق لا توجد إرادة شعبية، إنما إرادات دول لها نفوذ قوي في البلاد، بالإضافة إلى قوى سياسية عراقية تعمل على نهش ما تبقى من خيرات البلاد ورعاية مصالحها الخاصة وأحزابها”. ولفت إلى أن “كل الأحزاب السياسية التي قالت خلال فترة الانتخابات إنها لا تريد مناصب ولا وزارات، كانت أول الضاغطين على عبد المهدي للحصول على وزارات، وبالتالي فإن الحكومة التي تديرها هذه الأحزاب لا خير فيها، ولن تكون السنوات الأربع المقبلة أفضل من السابقة، لأن الوجوه والرموز السياسية منذ العام 2003 وحتى الآن، هي المتحكمة بالشأن السياسي العراقي، وليس الانتخابات، وهذا ما كان واضحاً خلال جلسة التصويت على الوزراء”.

وعلى الرغم من تحكّم تحالف “سائرون” العائد إلى الصدر، بالتشكيلة الوزارية، بحسب ما يقول بعض البرلمانيين، إلا أن التحالف أشار عبر القيادي فيه وسكرتير الحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي، إلى أن “الوزراء الذين اختارهم عبد المهدي ثم صوّت البرلمان لصالحهم، ليسوا بمستوى طموح الشعب العراقي”. وقال فهمي لـ”العربي الجديد”، إن “عبد المهدي لم يستفد بطريقة مثلى من النافذة الإلكترونية التي طرحها مسبقاً لترشيح المناسبين للوزارات، مع العلم أنها غنية بالكفاءات العلمية والأكاديمية والخبرة العملية”. وعن عدم التصويت لفالح الفياض كوزير للداخلية، ومرشح “العصائب” لوزارة الثقافة حسن طعمة، أوضح “أننا على العموم لم نصوّت لصالح الشخصيات الحزبية، لأننا نمثّل صوت جماهيرنا الشعبية في البرلمان، والشعب يرفض التحزب، وهذا ينطبق على الجلسات المقبلة لاختيار باقي الوزراء”.
في المقابل، أكد النائب عن تحالف “البناء” عامر الفايز، أن “الكتل السياسية التي اعترضت خلال جلسة منح الثقة على أسماء ثمانية مرشحين للوزارات، كانت حجتها سياسية وليست فنية أو متعلقة بالاختصاص والكفاءة، فقد رأت الكتل المعترضة أن المناصب من المفترض أن تكون من حصتها”. وأشار في حديثٍ مع “العربي الجديد”، إلى أن “الوزراء الذين مُررت أسماؤهم وحصلوا على تأييد البرلمان، لا تزال تلاحقهم اعتراضات برلمانية أخرى، وهذا ينطبق على وزير النفط الجديد، الذي يعترض عليه نواب البصرة، على اعتبار أن الوزارة من حصتهم، كون 80 في المائة من نفط العراق هو من البصرة، فيما الوزارات الثماني الباقية ستدار عبر عبد المهدي بصيغة الوكالة لحين اختيار مرشحين لها”.

من جهته، رأى المحلل السياسي العراقي محمد الشريفي، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “ما جرى في الجلسة الأخيرة لمنح الثقة لعبد المهدي ووزرائه، هو أمر متوقع، لأن الحكومة كلها عبارة عن تحصيل حاصل، واتفاق بين أكبر كتلتين، وهما الفتح وسائرون”، مضيفاً “يبدو أن عبد المهدي يعمد إلى الاستعانة بأسماء جديدة أو التوصل إلى تسويات واتفاقات مع الكتل، وتحديداً في ما يتعلق بمنصب وزير الداخلية، الذي تُقاتل لأجله كتلة بدر المنضوية في تحالف البناء”. ولفت الشريفي إلى أن “ظاهرة الأقارب في التشكيلة الجديدة ليست غريبة، فهي متجذرة في السياسة العراقية، وكانت حاضرة في كل الحكومات منذ تأسيس الدولة العراقية، وهي متأصلة في العقل العشائري والاجتماعي العراقي، وهو مؤشر يدل على أن بعض السياسيين بدأوا بالانتقال إلى مرحلة التمهيد لأقاربهم وأبنائهم بعدما أدركوا أن ورقتهم باتت محترقة”.

رابط مختصر