صخب السياسة في بغداد لا يغنيها عن النظر إلى وجهة خريطة الإقليم المقبلة … براء صبري

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 7 أكتوبر 2018 - 5:58 مساءً
صخب السياسة في بغداد لا يغنيها عن النظر إلى وجهة خريطة الإقليم المقبلة … براء صبري

مع الصخب غير المنتهي في بغداد، ومع التزاحم الدولي على ترشيد البوصلة السياسية العراقية في السنوات الأربع المقبلة، ومع حقيقة كون الملفات المتعددة الشائكة بين بغداد وإقليم كردستان العراق ستكون جزءا من المهام المقبلة الملقاة على ظهر الحكومة غير مكتملة التشكيل حتى اللحظة في بغداد، تتجه الأنظار إلى اللوحة السياسية المستقبلية في إقليم كردستان العراق، مع ظهور الملامح شبه النهائية لشكل البرلمان الجديد فيها، وذلك بعد الانتخابات التي جرت في الثلاثين من أيلول/سبتمبر الماضي. ومع الأيام تصبح الخريطة البرلمانية لإقليم كردستان العراق أكثر وضوحاً للمتابعين، وتصبح معها شكل العلاقة بين المركز والإقليم أكثر مفهومة للمهتمين بالوضع العراقي العام أقله من جهة الإقليم، لكون شكل الحكومة في بغداد ما زال قيد التفاوض رغم كون ملامحها هي الثانية لم تعد صعبة التوقع مع ميل الأطراف الدولية لتشكيل كتلة سياسية حاكمة في بغداد وسطية التوجه لا تميل لطهران بالكامل، ولا تنكب للحضن الأمريكي بشكل شبه تام. علاقة المركز القلقة بالإقليم ستحتاج لشجاعة عالية من أصحاب القرار في بغداد لتجاوز مطباتها التي خلفت سنوات من عدم اليقين، ومن عدم التوازن، ومن التنافرات الساخنة أحياناً، وهو ما جعل الجميع في بغداد يتابع المستجدات في الخريطة السياسية في إقليم كردستان العراق لمعرفة حجم المهمة الملقاة على ظهره، ولمعرفة أي جهة ستكون ذات تأثير في المفاوضات الآتية بين الطرفين.

خريطة شبه نهائية

في يوم الخميس، الرابع من شهر تشرين الأول/اكتوبر الحالي أعلنت المفوضية العليا للانتخابات والاستفتاء في إقليم كردستان، النتائج الأولية لانتخابات البرلمان والتي جرت في الثلاثين من أيلول/سبتمبر الماضي، وكانت النتائج أقرب من التوقع منه إلى المفاجآت، رغم أن كتل المعارضة صمدت نوعاً ما من الانهيار التام رغم خسارة الكتلة المعارضة الرئيسية أي حركة التغيير «كوران» لحوالي نصف عدد أصواتها السابقة، وكانت النتائج هي حسب بيان المفوضية على الشكل التالي:
1- الحزب الديمقراطي الكردستاني 595992 صوتا ويعادل 44 مقعدا.
2- الاتحاد الوطني الكردستاني 287575 صوتا ويعادل 22 مقعدا.
3- حركة التغيير الكردستانية 164336 صوتا ويعادل 12 مقعدا.
4- حراك الجيل الجديد 113297 صوتا ويعادل 9 مقاعد.
5- الجماعة الإسلامية الكردستانية 94992 صوتا ويعادل 7 مقاعد.
6- نحو الإصلاح 69477 صوتا 5 مقاعد.
وكان رئيس المفوضية هندرين محمد، قد أكد خلال المؤتمر الصحافي، أنه تم تقديم 1045 شكوى وبالانتهاء من حسم الشكاوى ستعلن المفوضية عن النتائج النهائية للانتخابات. ومع كون الخريطة الأولية والقريبة من شبه النهائية هي على الشكل السابق الذكر، فعملية انتظار مفاجآت في ما تبقى من عملية الفرز لم تعد بذي أهمية للمتابعين، ولأصحاب القرار في بغداد، وحتى للكتل السياسية في الإقليم باستثناء الكتل المتذيلة لترتيب الأصوات على اعتبار أن هيكل البرلمان العام أصبح واضحا، وعلى اعتبار أن الخمسة عشرة في المئة المتبقية لن تؤثر في مواقع الكتلتين الأولى والثانية بقدر ما ستكون عملية تدعيم لهما في حال كانت تلك الأصوات لصالحهما. أي أن جوهر المواقع راسخة، ولكن الباقي من الفرز هي زيادة في تأطير الرسوخ أكثر منه تلاعبا في المراكز، وتقدم لطرف ضد طرف آخر لتباعد عدد الكراسي النيايبة بين تلك الكتل، أي أنه مهما حاولت الكتل الثلاث الأولى فإن خريطة الترتيب ستبقى ثابتة على الشكل الحالي لوجود ما يزيد عن عشرين كرسيا نيابيا كفارق بين الديمقراطي الكردستاني الأول وبين الاتحاد الوطني الثاني من أصل برلمان يبلغ تعداد نوابه 111 نائبا، وعشرة كراسي نيابية بين الاتحاد الوطني الثاني وحركة التغيير الثالثة. الفارق الوحيد هو قدرة الكتلة الرابعة أو الخامسة في التقدم حتى مستوى الكتلة الثالثة لكون الفوارق النيابية بينها وبين التي تتقدمها ليست بالكبيرة. وخاصة إن حركة «الجيل الجديد» الحديثة على الخريطة السياسية في الإقليم، تبتعد عن حركة التغيير بثلاثة مقاعد نيايبة فقط، وإن الجماعة الإسلامية تبتعد عن الجيل الجديد بمقعدين فقط، وعملية تقدمهم حتى لو لم يكن لها تأثير فعال في شكل الحكومة المقبلة، ولكنها تعتبر جزءا من التشكيل المعنوي السياسي للجهات السياسية التي تلي الحزبين الرئيسيين في الإقليم، وهو أيضاً جزء من التأمل السياسي لتلك الكتل التي تأتي بعد الكتل الثلاثة الأولى في الخريطة السياسية لبرلمان الإقليم.

وسطي التوجه وهش البنية

مع وصول الحلبوسي، إلى رئاسة البرلمان، وتعيين برهم صالح، كرئيس للجمهورية، ومع تكليف الأخير عادل عبد المهدي لمهمة تشكيل الحكومة المقبلة في بغداد، بدعم واضح من طرفي الصراع السياسي في بغداد (واشنطن وطهران)، يميل الحديث في الأفق العام في العراق إلى ان الحكومة المقبلة ستكون وسطية بالمنحى الدولي في علاقاتها الخارجية وستكون أكثر تنوعاً من حيث شكلها الداخلي، ولكن ليس من الضرورة أن تكون أكثر نجاعة في التغيير. أي أنها خارجياً لن تستطيع الفكاك التام من إيران المنهكة من العقوبات الأمريكية المتجددة، والغاضبة من كل طرف يحاول تفادي دعمها في محنتها الحالية، والتي لا يبدو أنها ستشفى منها على المدى البعيد، ولن تكون في الوقت ذاته تحت طاعة واشنطن المصرة على دحض الوجود الإيراني في المنطقة، والمتيقنة بإن المنافسة الإيرانية معها أشد من أي وقت سابق رغم تداعي إيران الداخلي الحالي. في الوجه المقابل للمركز، يميل المشهد السياسي الكردي إلى الثبات في التوجه، والوضوح في المطلب، ويتجه الحديث إلى أنها ستكون حكومة أكثر متشددة لمصالحها، وأكثر ثباتا في هيكلها من حكومة بغداد الوسطية التوجه، والهشة التحالفات. التقدم الذي حققه الديمقراطي الكردستاني، وقدرته الحالية مع كتل صغيرة على تشكيل الحكومة، يغنيه عن الخوف من الشركاء التقليديين السابقين في الحكم، ويوجهه إلى أن يكون أكثر رسوخاً في مطالبه. الديمقراطي الكردستاني الذي من المتوقع أن يشكل الحكومة مع الاتحاد الوطني مجدداً سيكون أكثر نفوذاً على الاتحاد في القرارات الآتية، وسيكون أكثر قدرة على توجيه بوصلة الخيارات السياسية للإقليم في تعامله مع بغداد. والاتحاد الوطني الذي حصل على كرسي الرئاسة في بغداد عن طريق ترتيب إعادة القيادي الذي انشق عنه الدكتور برهم صالح، يعلم إن قدرته على المناورة في أربيل ليست بذات القوة في بغداد، لذا سيحاول تقديم العديد من العروض للديمقراطي الكردستاني المتقدم عليه بأشواط ككتلة نيابية لإقناعه بالتشارك معه في الحكم مجدداً.
الشكل المقبل للحكومة الكردية غير منتهي حتى اللحظة، ولكنه من حيث المبدأ واضح المعالم فهي ستكون بقيادة الديمقراطي الكردستاني، والمعروف عنه خصامه مع الحكومة العراقية السابقة التي كانت تعامل الإقليم بفوقية، والمعروف عنه أيضاً تشدده في المطالب. الحكومة العراقية السابقة، والتي كان لها دور كبير في ويلات العراق الأخيرة كانت تهرب من مطالب الإقليم المديدة في حل مشكلة المناطق المتنازعة، وفي حل قضية قانون النفط والغاز، وقطعت تلك الحكومة ووليدتها عن الإقليم الميزانية، وهمشت وزنها، ووصل بها الحال إلى معاقبتها دولياً وداخلياً، وهو ما سيكون موضوع المفاوضات الآتية بين الحكومة الوسطية التوجه في بغداد والهشة البنية، وبين حكومة أربيل الشديدة المراس. وهي (أي المفاوضات) ستكون مؤشرا على مدى قدرة بغداد بحلتها السياسية الجديدة على تجاوز مفاهيم المركزية في السلطة على الإقليم لصالح المشاركة الحقيقة في إدارة البلاد.

الوزن الكردي في حكومة بغداد

مع تقدم الديمقراطي الكردستاني في انتخابات برلمان الإقليم، ومع توقع الجميع من أن الديمقراطي الكردستاني سيشكل، ويقود الحكومة المقبلة في أربيل، من جديد بالتشارك مع الاتحاد الوطني، ومع كون الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني هما الحزبان الكرديان الفائزان في الانتخابات البرلمانية العراقية الحالية أيضاً، يدرك أصحاب القرار في بغداد ان تهميشهما سيكون له دور عكسي أكثر منه دور إيجابي في مهمة تشكيل الحكومة العراقية. التهميش للكتلتين سيكون بالتقرب من كلتة المعارضة الكردية الرباعية الشكل، ولكنها ستكون جزءا من توليد زيادة التوتر مع حكومة الإقليم المقبلة. يدرك قادة بغداد أن الهروب من مجابهة الوقائع، والقفز عن التعامل مع القوتين الرئيسيتين في الإقليم سيزيد من الشرخ مع الإقليم، وسيزيد من صعوبة مهمة عادل عبد المهدي المقبلة، والمتمثلة في حل مشاكل بغداد المزمنة مع أربيل. الرجل المكلف بتشكيل الحكومة سيكون أمام خيارين صعبين في الحالتين على المركز الهش الذي يقود، وهما إما بضم الحزبين الرئيسيين لحكومته وهو ما سيزيد من وزنهما السياسي في بغداد فوق وزنهما في أربيل، وسيزيد مخاوفه من المفاوضات المستقبلية معهما، وإما سيضم المعارضة الكردية إليه أو سيضم طرف كردي رئيسي واحد على حساب الطرف الآخر، وهو ما سيزيد الغضب عليه ومن هامشية دوره في أربيل، وسيزيد أيضاً من تشدد الإقليم الغاضب أصلاً من تصرفات بغداد الماضية معه في التعامل معه ومع حكومته. وفي الحالتين تكون حكومة بغداد قد زادت من هشاشتها إن كانت تبحث عن الهروب من حل مشاكل علاقتها مع الإقليم كما كانت تفعل الحكومات السابقة في بغداد.
من حيث المجمل يصعب تصور ان تستطيع بغداد تحاشي النظر إلى أربيل سياسياً دون النظر إلى النتائج البرلمانية هناك. وبالتالي، سيكون لعامل النتائج البرلمانية، وترتيب الكتل فيه، ومدى قدرة الإقليم على تشكيل حكومته بهدوء، الدور الكبير في تخطيط بغداد لشكل حكومته أيضاً. العلاقة المقبلة بين بغداد وأربيل، والمشاكل المزمنة سيحددها شكل المفاوضين، وقناعاتهم، وتحالفاتهم القائمة والآتية، والتي فيما يبدو من التطورات السياسية الحالية أن أربيل قد رسمتها، وبغداد تعمل على رسمها، وتنظر بريبة للوحة أربيل السياسية شبه مكتملة الألوان.

رابط مختصر