الرئيسية / أهم الأخبار / احتجاجات البصرة.. كسر “تابوهات” السياسة في العراق

احتجاجات البصرة.. كسر “تابوهات” السياسة في العراق

إسطنبول – رائد الحامد: منذ غزو العراق عام 2003، ظل العقد الاجتماعي بين النخب الشيعية بشقيها الديني والسياسي أشبه بالمقدس، أو من “التابوهات”، في حالة تكاملية لفرض الهيمنة المطلقة على السلطة والثروات في البلاد.

ورغم الخلافات السياسية الدائمة بين الأحزاب الشيعية، وغالبا ما يكون عنوانها التنافس على السلطة، إلا أن تلك الخلافات ظلت في إطار البيت الشيعي.

ولمْ تظهر بوادر انقسام سياسي ينعكس على الوسط الاجتماعي إلا خلال الأسابيع الأخيرة بحدود ضيقة بعد تصاعد حدة الصراع على تشكيل الحكومة الجديدة.

ويعكس التنافس والصراع بين الائتلافين الشيعيين (الإصلاح والبناء) على تشكيل الحكومة الجديدة الانقسامات العميقة، إلى حد ما، داخل البيت الشيعي، وتأثير التدخلات الأمريكية والإيرانية.

توفر الكثافة السكانية والصلات الاجتماعية في وسط وجنوب العراق، إمكانيات هائلة لنمو وتصاعد أي حركة احتجاجية عادلة تهدف إلى تحقيق مطالب مشروعة.

وإذا كان المحتجون في عامي 1991 و1999 قد تعرضوا لحملات اعتقال وإعدامات واسعة، طالت المئات منهم على يد الأجهزة الأمنية لنظام الرئيس الراحل صدام حسين، فإن مستويات القمع التي يمكن أن تواجه المحتجين في هذه المرحلة ستكون متدنية للغاية قياسا إلى فترة حكم صدام حسين.

ومع الإقرار بتعرض مئات المحتجين للاعتقال ومقتل العشرات منهم وإصابة المئات، إلا أنهم واصلوا الخروج بتظاهرات احتجاجية بعيدا عن محاولات تقويض العملية السياسية، أو إسقاط نظام الحكم القائم.

وهي في عمومها احتجاجات يغلب عليها طابع المطالبة بالخدمات ومعالجة سوء الأداء الحكومي ومحاربة الفساد في مفاصل الدولة العراقية.

وأفرزت احتجاجات البصرة تغيرا في تشكيل القوى الفاعلة والمحركة للأوساط الاجتماعية بعيدا، إلى حد ما، عن تأثير القيادات الدينية الشيعية وفق ما ظل سائدا في مرحلة ما بعد غزو العراق.

وأدت المتغيرات الأخيرة في البصرة إلى حالة تراجع في مكانة القيادات الدينية لدى قطاعات واسعة من المتضررين الذين يرون أنها ظلت دعامة أساسية لبقاء القيادات السياسية في أعلى قمة السلطة التنفيذية، وساهمت في تثبيتها على الرغم من تفشي الفساد الظاهر في أوساطها.

لا شك أن الاحتجاجات الأخيرة أحدثت شرخا غير مألوف بين السياسيين عموما والقيادات الدينية الشيعية.

قلما يتدخل المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في الشؤون السياسية؛ لكن دور القيادات الدينية الأخرى ظل داعما للمنظومة السياسية منذ غزو العراق وتقلدت الكثير منها مناصب سيادية.

إلا أن دورها المتواطئ مع الحكومة المركزية في الاحتجاجات، أو مكافحة الفساد، قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انتهاء، أو على الأقل، تراجع نفوذ تلك القيادات الدينية.

وباعتبارها السلطة الاعتبارية الأعلى في العراق، ظلت المرجعية الدينية الشيعية منذ الغزو تشدد على العراقيين، من منطلق الواجب الشرعي، الذهاب إلى صناديق الاقتراع لاختيار من يمثلهم في مجلس النواب (البرلمان).

كما أن المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، المعروف بندرة تدخلاته في الشأن السياسي، لم يكن بعيدا عنها، وظل يلعب الدور الأكبر في إدامة الهيمنة الشيعية على القرار العراقي.

إلا أنه في الانتخابات الأخيرة، خلافا لكل دعواته السابقة، طالب العراقيين بعدم إعادة انتخاب السياسيين الفاسدين ثانية.

قد تكون المرة الأولى، التي تبدي فيها فصائل الحشد الشعبي (مسلحون شيعة موالون للحكومة) أو قوات الأمن، لا مبالاة بنداء المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في 4 سبتمبر/أيلول الجاري، الذي طالب بعدم إطلاق النار على المحتجين.

كما أن المحتجين أنفسهم أبدوا نوعا من اللامبالاة وعدم الالتزام بنداء السيستاني الذي طالبهم بعدم التعرض للممتلكات الخاصة والعامة والتعبير عن مطالبهم بالطرق السلمية.

بعد نداء السيستاني تعرض عشرات المحتجين للقتل أو الإصابة برصاص القوات الأمنية ومسلحي فصائل الحشد الشعبي؛ وأحرق المحتجون عشرات المباني والمكاتب التابعة للحكومة أو للأحزاب السياسية ومنازل لمسؤولين سياسيين وحكوميين محليين.

وساهمت احتجاجات البصرة في كسر حاجز الخوف في مواجهة سلطة المجموعات الشيعية المسلحة الحليفة لإيران، التي فرضت إرادتها طيلة سنوات، باستخدام القوة والخطف والقتل والاغتيالات والاعتقالات التي تطال الذين يتجرؤون على المساس بها، أو انتقاد سلوكها.

وظلت المجموعات المسلحة تفرض سيطرتها على الشارع في معظم مناطق وأحياء العاصمة العراقية وفي المحافظات الوسطى والجنوبية في السنوات التي سبقت الاحتجاجات الراهنة.

غير أن المحتجين نجحوا خلال المظاهرات الأخيرة، لأول مرة، في فرض سيطرتهم على الشارع بمدينة البصرة في الوقت الذي اتخذت تلك المجموعات موقع المدافع عن مكاتبها لحمايتها من المحتجين.

وعادت المجموعات للسيطرة على الشارع في البصرة ثانية، خلال الأيام التي أعقبت موجة العنف غير المسبوقة بين 4 و9 سبتمبر/أيلول، التي كانت ذروتها إحراق القنصلية الإيرانية.

لم يكن متوقعا أنْ تتعرض القنصلية الإيرانية في البصرة لهجمات المحتجين لتخريبها وإحراقها.

كما لم يكن من اليسير على أي مواطن في العراق توجيه انتقاد لإيران، أو رفع شعارات مناهضة لها، أو تمزيق صور قائد الثورة الإيرانية الخميني والمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي.

في مرات عدة خلال الاحتجاجات في البصرة أحرق محتجون صورا للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، ما خلف ردود فعل غاضبة من عناصر تابعة لفصائل الحشد الشعبي وقيادات اجتماعية وأحزاب شيعية.

كل ذلك أظهر حجم الانقسام في أوساط المجتمع وغياب التجانس في وحدة الموقف من التدخلات الإيرانية.

وتحتفظ القيادات الدينية الإيرانية بمكانة خاصة لدى قطاعات واسعة من المجتمع العراقي في وسط وجنوب البلاد.

كما أن هذه القطاعات ظلت في معظمها راضية عن تغلغل النفوذ الإيراني أو غير مكترثة به، لكن ليس ثمة إشارات على حالة رفض للنفوذ الإيراني.

وانتشرت صور الزعيم الإيراني الراحل آية الله الخميني في عموم المدن جنوبي العراق في أعقاب الغزو في دلالة عكست عمق النفوذ الإيراني في تلك الأوساط الاجتماعية التي لم تبد ما يكفي من الرفض لمثل تلك الظاهرة.

وينظر إلى النظام الإيراني بأنه حامي الشيعة حول العالم.

يعتقد شيعة العراق والقيادات السياسية والدينية الشيعية أن إيران ساهمت بشكل ما في الانتصار العسكري الذي تحقق على تنظيم داعش وإنقاذ السلطة الشيعية من السقوط عام 2014.

وعلى نطاق واسع هناك حالة من الرضا لدى شيعة العراق عن المواقف الإيرانية السابقة في التنسيق مع الولايات المتحدة والتمهيد لسقوط نظام الحكم السني وسيطرة الشيعة على السلطة.

وفي مراحل لاحقة بعد غزو العراق انتعشت العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بين الشيعة العراقيين والشعب الإيراني عموما، ونظام الحكم القائم بشكل خاص.

ودعمت إيران الأحزاب والمجموعات الشيعية المسلحة بشكل مستمر لضمان نفوذ واسع في القرارين الأمني والسياسي.

ولا تزال إيران تلعب الدور الأهم في رسم المشهد السياسي على الرغم من تراجع بعض السياسيين الشيعة عن ولائهم لإيران وتبني سياسات أكثر استقلالية.

غير أن الاحتجاجات أظهرت، بلا شك، تأكيدا واضحا على حالة رفض تتشكل في الأوساط الشيعية ضد تنامي النفوذ الإيراني والتدخل في الشؤون العراقية.

بينما لم يكن مسموحا طيلة سنوات توجيه أي انتقاد لإيران، أو اتهام الحكومة العراقية بالتبعية لها، وتنفيذ سياساتها في العراق والمنطقة لأنه من المحرمات. (الأناضول)

شاهد أيضاً

ترغيب وترهيب لأحزاب ومسؤولي البصرة لمنع عودة التظاهرات بغداد ــ أكثم سيف الدين

تخوض جهات سياسية وحزبية وفصائل مسلحة ضمن مليشيات “الحشد الشعبي” حراكا واسعا في البصرة لوأد …

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: