الرئيسية / ملفات و تقارير / نازحو العراق.. حين تسقط مغشيا عليك ويلتهمك الجرب

نازحو العراق.. حين تسقط مغشيا عليك ويلتهمك الجرب

مروان الجبوري-بغداد

لم يعد الحاج حاسم تحسين ذو الخمسة وستين عاما يقوى على احتمال حر الصيف القائظ في مخيم “الشهامة” بمحافظة صلاح الدين (وسط العراق)، فلطالما سقط مغشيا عليه من الإعياء مرات عدة بسبب تعرضه لأشعة الشمس الحارقة، وأصيب بالجفاف هو وأفراد أسرته.

لكن الجديد في حالته هو إصابته بمرض الجرب، بسبب قلة المياه المتوفرة للاستحمام في المخيم، وارتفاع درجات الحرارة، فبات يجلس في زوايا المخيم وحيدا حتى لا تنتقل العدوى إلى أفراد أسرته والآخرين.

غير أن العدوى انتشرت وزادت حتى ما عاد الأطباء يستطيعون توفير علاجها بسهولة للجميع، فضلا عن أمراض أخرى مثل الجفاف والكوليرا والطفح الجلدي وغيرها، بنسب متفاوتة.

وقد قدم الحاج جاسم مع أسرته إلى هذا المخيم منذ أكثر من ثلاث سنوات هربا من نيران الحرب في ناحية الصينية التابعة لقضاء بيجي (شمال بغداد)، لكنه لم يكن يتوقع أن المقام سيطول به إلى هذا الحد.

يقول الحاج جاسم إنه خسر كل شيء في بلدته الصغيرة، فبيته تعرض للحرق والنهب، وقتلت المواشي التي كان يعتاش عليها، وأضرم مسلحون النيران في بستانه الصغير، ولم يعد يملك شيئا غير الخيمة الصغيرة التي يسكنها هو وعائلته.

ويستغرب عدم السماح له بالعودة لبلدته رغم استعادتها من قبل القوات العراقية، ويضيف أنه مستعد للإقامة فيها حتى لو كان تحت حطام منزله، بدل أن يكون سجينا بهذا المخيم، الذي لا يستطيع مغادرته إلا بموافقة أمنية.

ويمثل الحاج جاسم نموذجا لعشرات آلاف النازحين العراقيين الذين ما زالوا يقطنون خياما على أسوار المدن، لعدم السماح لهم بالعودة إلى ديارهم، لأسباب يعتبرونها “واهية”.
معاناة مستمرة
وتمضي الحياة برتابة شديد داخل هذه المخيمات، فضمن رقعة جغرافية صغيرة ومحدودة ومحاطة بالجدران أو الأسلاك الشائكة، يقضي النازحون أيامهم بانتظار المجهول، في حين تفتك بهم الأمراض ويفتقدون للحد الأدنى من الخدمات.

ويقول نائب رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان المنتهية ولايته أرشد الصالحي إن هناك ضعفا في الأداء الصحي تعانيه هذه المخيمات، يتمثل في نقص الأدوية وقلة الخدمات الطبية.

ويؤكد للجزيرة نت أن هناك حملات لجمع تبرعات من أجل سد النقص في الأدوية والخدمات داخل هذه المخيمات يقوم بها ناشطون مدنيون ومنظمات إغاثية، مضيفا أن المدن نفسها تعاني من تدهور القطاع الصحي “فما بالك بالمخيمات؟”.

ولأن هؤلاء النازحين لا يمتلكون المال الكافي لتلقي العلاج خارج أسوار مخيماتهم، فإنهم مضطرون لانتظار ما تقدمه الدولة لهم، أو ما تجود به نفوس بعض المتبرعين والخيرين.

لكنه ينتقد أيضا أداء المنظمات الدولية التي يفترض أن تدعم هذا الملف بقوة، لعدم قدرة الحكومة العراقية على تغطية احتياجاته، “لكن الدعم الدولي كان ضعيفا وغير مثمر أبدا”.

ولا يقتصر الأمر على القطاع الصحي، فالمدارس غير متوفرة على الأغلب إلا بمبادرات أهلية أو دولية، والماء شحيح وخاصة في فصل الصيف، في حين تتراكم النفايات على أطراف هذه التجمعات السكانية وسط الصحراء.

ويطالب الصالحي المجتمع الدولي بالتحرك لإغاثة ودعم هذه الفئة التي خسرت مدنها وقراها، لأن العراق خسر مبالغ ضخمة جدا أثناء حربه على “الإرهاب”، وهو غير قادر على توفير الخدمات بشكل جيد للنازحين، مما يتطلب تدخل هذه المنظمات بشكل عاجل، كما يقول.
منع العودة
ولا تخفي الجهات الإنسانية حتى تلك التابعة للحكومة صعوبة الوضع هناك، فبحسب مفوضية حقوق الإنسان في العراق فإن الأمراض تنتشر بشكل كبير بين النساء والأطفال في مخيمات النزوح في محافظتي صلاح الدين ونينوى، داعية الجهات الحكومية إلى الاهتمام الصحي الكافي بالنازحين.

وفي أجواء صحراوية أو شبه صحراوية كهذه تكاد تنعدم المياه داخل هذه المخيمات وخاصة تلك المستخدمة في الاستحمام، مما ساهم في انتشار الكثير من الأمراض الجلدية وغيرها.

ومما فاقم الأوضاع في تلك المخيمات تكدس مجموعات كبيرة من الأشخاص داخل خيم لا تزيد مساحتها عن ثلاثة أمتار طولا ومثلها عرضا، ما سهل انتقال العدوى بين ساكنيها.

وحول الأسباب التي تمنع عودتهم يشير سعدون بحديثه للجزيرة نت إلى أن هذه الحالات تختلف من منطقة إلى أخرى، فبعضهم عاد بالفعل واستأنف حياته بشكل شبه طبيعي، أما الباقين فتحول أسباب سياسية أو خدمية دون عودتهم.

وتمنع سلطات بعض المخيمات النازحين من العودة على خلفية إرادة سياسية “حزبية” لأسباب غير معلنة، تعلل عادة بأنها من أجل اكتمال عمليات التدقيق الأمني.

كما أن هناك مناطق ما زالت مدمرة بشكل كامل أو شبه كامل وتخلو تماما من الخدمات، مما يجعل عودة الأهالي إليها حاليا أمرا صعبا للغاية، لكن هذا لا يعفي الحكومة من مسؤولية توفير متطلبات الحياة الكريمة لهم وتسهيل عودتهم في أقرب وقت.

المصدر : الجزيرة

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تقرير: إيرانيون يستهدفون علماء نوويين عربا

كشف تقرير لوكالة “أسوشيتد برس” عن محاولة مجموعة قرصنة يطلق عليها اسم “تشارمنغ كيتن” الشهر ...

%d مدونون معجبون بهذه: