ذكرى ميلاد: نازك الملائكة.. فخاخ التجديد … بغداد – سلوى السيّاب

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 23 أغسطس 2018 - 4:48 مساءً
ذكرى ميلاد: نازك الملائكة.. فخاخ التجديد … بغداد – سلوى السيّاب

احتّلت الشاعرة العراقية الراحلة نازك الملائكة (1923 – 2007)، التي تمرّ ذكرى ميلادها اليوم، موقعاً مركزياً في السجال حول القصيدة العربية الحديثة، سواءً في الخمسينيات مع الجدل حول شعر التفعيلة (الشعر الحرّ كما سمّي حينها)؛ حيث اعتُبرت رائدته الأولى بقصيدتها “الكوليرا” التي كتبتها عام 1947، أو في معارضتها الشديدة خلال العقد التالي لقصيدة النثر، والتي وصفتها بـ “البدعة الأوروبية”، وهو الموقف الذي لم تتراجع عنه مطلقاً.
في نهاية السبعينيات، قرّرت الدخول في “صمت” رأت أنه سيسبق انفجاراً شعرياً جديداً. لكنه كان مفتتحاً لعزلتها الطويلة في منفاها في القاهرة، والتي امتدّت ثلاثة عقود، لم تخرج خلالها بقصيدة واحدة وغابت عن المشهد نائية بنفسها عن ثرثرات الإعلام وشِلل الثقافة حتى رحلت.
لا يُمكن فصل ثورتها الشعرية ثم كمونها وذبولها عن تكوينها الاجتماعي؛ فابنة بغداد التي تنتمي إلى الطبقة الوسطى عاشت في الأربعينيات تمرّداً ارتبط بطموحات طبقتها التي تلّقت تعليماً أفضل من غيرها وآمنت بضرورة تحرّر مجتمعها من التخلّف والاستعمار. ونازك، في هذا السياق، درست الأدب العربي والموسيقى واللغات وعملت مدرّسة في جامعات البصرة وبغداد والكويت.
انعكست تلك الخلفية على رؤيتها للشعر في لحظة كان يمّر بأزمة كبرى من المحيط إلى الخليج، إذ لم يعد عمود الشعر قادراً على مواكبة التحوّلات الكبرى وغرَق في الرومانسية والزخرفة البلاغية. ورغم أن التغيير الذي أتت به صاحبة “عاشقة الليل” بدا ملتبساً، لاعتقادها أن الشكل والوزن والقافية هي أصل هذا التغيير، إلّا أنها بعد أقل من عقدَين وضعت تجريبها في خانة تطوير القصيدة العمودية لا الانقلاب عليها، وفي ذلك قدر كبير من المنطق والصحة.
انطلاقاً من هذا التنظير، لم تتقبّل الذهاب نحو تجريب يقلب مبنى الشعر وجوهره متمثّلاً في قصيدة النثر، فخاضت معاركها ضدّ أولئك الذين أخذوا القصيدة العربية إلى ما آفاق أبعد من تلك التي أرادتها، خصوصاً مع يوسف الخال الذي اتّهمها بالسلفية ورفْض التجديد.
أقرّت الملائكة، في كتابها “قضايا الشعر العربي المعاصر”، أنها لم تكن صاحبة السبق في كتابة قصيدة التفعيلة الأولى، مشيرةً إلى كتابات سبقتها تعود إلى بداية الثلاثينيات، لكنّها لم تنف أن الأزمة الحقيقية التي يعيشها الشعر العربي مرتبطة بشكله لا بمضامينه. بل إن تجربتها نفسها خبت من دون أن تطوّرها أو تضيف عليها.
ينسحب الأمر نفسه على آرائها ومواقفها في الحياة العامة، فانتصرت لثورة تمّوز 1958 التي أطاحت بالملكية في بلادها، ثمّ استنكرت أفعال قادتها واستبدادهم، وتتالت الخيبات انقلاباً تلو انقلاب إلى أن نأت بنفسها عن السياسة وأهلها. وربما هذا ما يُفسّر مجافاة الأنظمة المتعاقبة على حكم العراق لها، حتى حين ألمّ بها المرض في نهاية حياتها.
سارت صاحبة “قرارة الموجة” وراء حلمها ردحاً من الزمن، مؤمنة بتغيير يجلب التحديث والتحرّر لمجتمعها، وانتكست حين لم تستطع تحقيقه وفق المثال الذي رسمته ووضعت له حدوداً ومعايير، فاختارت العزلة والصمت والعيش في الهامش، تُعبّر عن ذلك قصيدتها “خرافات” التي يرد في مفتتحها:
“قالوا الحياة
هي لونُ عينَيْ ميّت
هي وقعُ خَطو القاتلِ المتلفّتِ
أيامُها المتجعداتْ
كالمعطفِ المسموم ينضَحُ بالممات”.

كلمات دليلية
رابط مختصر