الديكتاتور بطلا.. دراسة تسلط الضوء علی تفكير صدام حسين

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 20 أغسطس 2018 - 10:49 مساءً
الديكتاتور بطلا.. دراسة تسلط الضوء علی تفكير صدام حسين

نشر الباحت رياض رمزي دراسة جديدة ضمن كتاب “الديكتاتور بطلا” سلط فيها الضوء على تفكير الرئيس العراقي الاسبق صدام حسن والعوامل المؤثرة في شخصيته وخصوصا قراءاته المبكرة التي ساهمت في تشكيل وعي صدام المتطرف، وأوهامه الضبابية الخادعة التي ظل يصدقها حتى الرمق الأخير وخصوصا قراءات الديكتاتور المكثفة للسير، والمغازي، والمعلقات هي التي شكلت له سبيلا للهروب من عالم الفقر المدقع الذي عاشه في طفولته وصباه.

وبحسب تقرير لصحيفة الشرق الاوسط اليوم الاثنين (20 اب 2018) فان الباحث رياض رمزي يعتمد بشكل أساسي على اراء المفكر المالطي إدوارد دي بونو صاحب نظرية “التفكير الجانبي Lateral Thinking ” الذي انهمك منذ أواخر الستينات من القرن الماضي. وأبسط تعريف للتفكير الجانبي هو محاولة إيجاد الحلول للمشاكل التي تصادفنا بواسطة مقاربات إبداعية غير مباشرة تقتضي الخروج على المناهج المنطقية المألوفة التي نتبعها في “التفكير العمودي Vertical Thinking ” الذي يعتمد كليا في حل المشاكل على المنطق التقليدي المتزمت الذي لا يرضى بشطحات الخيال، والمصادفات، والأفكار والرؤى الجديدة التي لم نألفها من قبل.

واضاف التقرير، ان “الباحث يحلل في هذا الكتاب فكرة البطولة، وكيف ترسخت في ذهن صدام حسين الذي صعد صعودا (عجائبيا ومدوخا) وأصبح ديكتاتورا من الطراز (الرفيع) بحيث يمكن مقارنته بكبار الطغاة في العالم أمثال الإسكندر الكبير، نيرون، هتلر وسواهم من العتاة والمتجبرين”.

كما ويتساءل الباحث في مستهل كتابه إن كانت مصادر الديكتاتور تعود لملوك بابل أم أنه كان وريثا فكريا لأبطال آخرين حفرت أسماؤهم في ذاكرته الشخصية وظلت تمده بالأوهام والتخيلات الفنتازية التي يصعب أن تجد طريقها إلى أرض الواقع؟ وبما أن الباحث يحبذ نظرية التفكير الجانبي بغية توليد أفكار جديدة يستمدها من لحظة تبصر خاطفة، أو إعادة تقييم للأفكار القديمة، فلا غرابة أن يأتي بحلوله الإبداعية الجديدة لأنه يرى ما لا يراه الآخرون، وينظر إلى الأشياء المألوفة بطريقة غير مألوفة أو من زاوية نظر مغايرة تماماً للتفكير العمودي.

واوضح، ان “الكتاب يحتشد بأحد عشر مبحثا فرعيا تصب كلها في فكرة البطولة التي اقتنع بها الديكتاتور، لكنها في حقيقة الأمر بطولة زائفة ووهمية أفضت به إلى حبل المشنقة بينما كان يفضل، وقت محاكمته، الإعدام رميا بالرصاص بوصفه ميتة (رجولية) تقترن بالشجعان الصناديد لا المجرمين الأوباش.

يعتقد الباحث أن قراءات الديكتاتور المكثفة للسير، والمغازي، والمعلقات هي التي شكلت له سبيلا للهروب من عالم الفقر المدقع الذي عاشه في طفولته وصباه حيث انكب على قراءة السير العربية مثل سيرة عنترة بن شداد، وسيف بن ذي يزن، والزير سالم وما إلى ذلك وكان يتقمص شخصيات أبطالها إلى درجة التماهي بحيث شكلت حاجزا بينه وبين العالم الواقعي الذي يعيش فيه.

ونوه التقرير الى من أبرز النتائج التي توصل إليها الباحث تتمثل في “أن بطولة الديكتاتور كانت ذات مضمون وبعد جاهليين لأن مرجعياته الثقافية والفكرية تعود إلى الملك كليب بن ربيعة، والشاعر عمرو بن كلثوم، والفارس عنترة بن شداد، وربما تذهب أبعد من ذلك إلى حمورابي ونبوخذنصر الثاني وسواهما من القادة البابليين الذين رسخوا في الذاكرة الجمعية للمواطنين العراقيين”.

وتابع ان “الديكتاتور لم يكن مهموما بقضايا شعبه لأنه كان معنيا على الدوام بمجده الشخصي، وقوانين رفعته، وهو يشبه إلى حد كبير هتلر الذي سعى إلى بناء مجده الفردي ومسخ أمجاد الآخرين ضباطا وجنودا ومقاتلين لهذا اختفى نظامه بسرعة ولم يبقَ منه سوى خلايا نائمة قد تستفيق على شكل أفراد موتورين أو مجموعات صغيرة لا تؤخذ في الحسبان”

يعتقد الباحث أن صدام حسين وغيره من الطغاة ليسوا عظماء وإنما استثنائيون، ذلك لأن “العظمة فيها الكثير من الأستاذية والحرفية، أما الاستثنائية ففيها شيء أو الكثير من الرعونة والطيش والتهور”، فردريك الكبير كان مثالا للبطولة والعظمة بينما كان نابليون بونابرت أقل بطولة منه لأنه رجح دوي المدافع على لغة العقل، وبعد النظر.

واشار الى انه على الرغم من كثرة مستشاريه لم يستشر الديكتاتور أحدا لأنه لا يقيم وزنا لبطانته أو الحلقة الضيقة المحيطة به، وقد اعترف طارق عزيز وهو أحد الشخصيات المقربة منه بأنه لا يعرف كيف اتخذ صدام حسين قرار احتلال الكويت! ولعل قراءة ماركس دقيقة جدا في هذا المجال حينما قال: “إن تقاليد الأجيال الغابرة تجثم كالكابوس على أدمغة الأحياء”، وما من شخص في حزب البعث كان مأسورا بالماضي، ومتعلقا به مثل صدام حسين الذي ذهب ضحية المبالغات التراثية ويكفي أن نشير هنا إلى البيت الأخير من معلقة عمرو بن كلثوم التي تعد أنموذجا للغلو في المبالغة الشعرية حينما قال: “إذا بلغ الفطـام لنا صبِي – تخـر له الجبـابر ساجدينـا”.

وخلص التقرير الى ان الديكتاتور لم يكن واهما فقط، وإنما كان يؤمن أن فيه شيئا من شخصية الساحر الذي يعتقد أنه قادر على تغيير الواقع/ وقد ظل هذا الوهم ملازما له حتى في معاركه الخاسرة مع قوات التحالف فقبل أن يذهب الفريق أول الركن سلطان هاشم إلى “خيمة صفوان” أخبره الديكتاتور “أن عليه أن يتصرف كمنتصر فخور بنصره، وألا يمد يده لهم قبل أن يتأكد من مد أيديهم له، فالمنتصر لا يستعطف المهزوم لشد يده”، ترى أي مدى من الوهم كان الديكتاتور قد بلغه بحيث بات يرى الهزيمة الشنعاء نصرا مؤزرا؟ وكم كان أسيرا لاعتقاداته المغلقة التي تعود فعلا إلى الحقبة الجاهلية، ولو لم يكن الأمر كذلك لما اختار كلمة “المنازلة” التي تعني “نزل لقتال عدوه ومنازعته وجها لوجه”، مذكرا إيانا بمنازلات الفرسان بالسيوف أيام الجاهلية، فلا غرابة أن ينعت قوات التحالف بالجبن لأنهم لم ينازلوه وجها لوجه وإنما كانوا يقاتلونه عن بعد بطائراتهم الشبحية، وصواريخهم الذكية.

يتذكر الجميع زيارات الديكتاتور للمحافظات “البيضاء” التي لم تنتفض ضده وبدلا من أن يلوح للمواطنين بيديه سحب مسدسه الشخصي وبدأ بإطلاق النار فوق رؤوس المحتشدين لاستقباله وتحيته، وهي عادة أقل ما يقال عنها أنها ريفية أو بدوية مستقاة من القيم الصحراوية أو الجاهلية.

توقف الباحث عند أغنية للأطفال تنطوي على قصة معبرة تقول: “بسبب سقوط المسمار فقدت الحدوة، بسبب غياب الحدوة سقط الجواد، بسقوط الجواد سقط الفارس، اختطف الأعداء الفارس وذبحوه”، لم يكن الديكتاتور سوى مسمار منخور في حذوة قديمة متاكلة أفضت إلى قتل الفارس، وذبح الوطن من الوريد إلى الوريد.

واشار التقرير الى ان ثمة مصادر أجنبية رصينة أفاد منها الباحث أبرزها “26 يوما مع صدام حسين” لكريس فورد، و”استجواب الرئيس” لجون نيكسون، وفيهما معلومات مهمة عن شخصية الديكتاتور الذي بكى أول مرة على ابنتيه اللتين هربتا مع زوجيهما فقال: “أشتاق إليهما، أنا أحبهما كثيرا”، بينما لم يذرف دمعة واحدة على الاف الأسرى والمفقودين العراقيين الذين ذهبوا شبابا إلى جبهات القتال، وعادوا أشبه بالشيوخ الهرمين الذين طعنوا في السن، وغرقوا في اليأس المطلق.

كلمات دليلية
رابط مختصر