الرئيسية / صحف / نيويورك تايمز: بغداد تنجح في زرع مخبر داخل داعش يمنع 48 هجوماً انتحارياً

نيويورك تايمز: بغداد تنجح في زرع مخبر داخل داعش يمنع 48 هجوماً انتحارياً

ترجمة: حامد أحمد

السائق كان يتصبب عرقاً بينما كانت شاحنته البيضاء نوع كيا بيك آب تشق طريقها مسرعة عبر طريق بغداد السريع باتجاه حي يعج بالاسواق الشعبية المفتوحة. كانت نبضاته تسرع مع كل توقف واستدارة طريق. داخل الهيكل المعدني للشاحنة، كانت هناك متفجرات مخبأة يتجاوز وزنها النصف طن وضعها تنظيم داعش لتنفيذ هجوم وحشي على المتسوقين في بغداد عشية الاحتفال برأس السنة الجديدة .

أي سائق متهور آخر في شوارع العراق الفوضوية كان من الممكن أن يفجرها بشكل عرضي، أو عند حصول مشاجرة في إحدى نقاط تفتيش بغداد المتكررة التي قد تتطور لإطلاق نار تتحول بالنهاية الى جحيم.ولكن كان هناك سبب آخر يجعله خائفاً هو أن السائق النقيب حارث السوداني، كان مخبراً للقوات العراقية استطاع اختراق تنظيم داعش.
وقضى النقيب حارث السوداني، ستة عشر شهراً وهو يعمل كمخبر متقمص شخصية جهادي في صفوف تنظيم داعش في وقت كان ينقل فيها معلومات خطرة إلى الجناح السري لجهاز الامن الوطني العراقي .
واستناداً لمدير جهاز الأمن الوطني الذي يكنّى أبو علي البصري، فإن سجل السوداني كان حافلاً بالإنجازات. فقد تمكن من إحباط 30 هجوماً مخططاً بالسيارات المفخخة و18 تفجيراً انتحارياً، وتمكن أيضا من تزويد الجهاز بخط مباشر لبعض قياديي التنظيم الكبار في الموصل .
وقال مسؤولون في الجهاز إن السوداني وهو مهندس الكومبيوتر السابق البالغ من العمر 37 عاما كان من الممكن أن يكون الآن من أكبر مخبري العراق ومن الاشخاص القلة في العالم الذين تمكنوا من اختراق أعلى قيادات تنظيم داعش.
واستندت نيويورك تايمز، في إعدادها هذا التقرير إلى مقابلات مع مدير جهاز الأمن الوطني وأعضاء في وحدة النقيب السوداني، وقائدها وكذلك أصدقائه وأفراد عائلته، ومراجعة لنصوص وأشرطة فيديو للعمليات مع رسائل نصية من وإلى النقيب السوداني .
كانت خلية الصقور (التابعة للجهاز) قد زرعت حفنة من المخبرين داخل صفوف قيادات تنظيم داعش. وساعدت معلوماتها الاستخبارية في إخراج مسلحي داعش من آخر معقل لهم العام الماضي وهي تقدم مساعداتها الآن في مطاردة قيادات التنظيم وعلى رأسهم أبو بكر البغدادي.
وقال مسؤولون إن خلية الصقور تمكنت من إحباط مئات الهجمات على بغداد طوال 15 عاما .مسؤولون عسكريون أميركان اعتبروا جهاز مكافحة الإرهاب العراقي أنه أفضل جهاز من بين أجهزة التجسس غير الغربية .
وقال الكولونيل سين رايان، المتحدث باسم التحالف الدولي في بغداد: “لقد أثبتت خلية الصقور الاستخبارية بأنها وحدة ذات أهمية كبيرة جداً، فقد تمكنت من إخماد خطر تنظيم داعش من خلال اختراق خلاياه وقتل قادته وإرهابييه وتدمير أسلحته .”
مدير الجهاز البصري، يثق بعمل فريقه السري، مشيراً بقوله “بإمكان طائرة تجسس مسيرة أن تخبرك من دخل البناية ولكن لا يمكنها أن تخبرك ما دار من حديث داخل الغرفة حيث يجتمع أعضاء التنظيم. ولكننا نستطيع أن نعرف من خلال رجالنا الموجودين داخل هذه الغرف .”
بعد الغزو الاميركي للعراق وفي مسعىً لكبح الهجمات الإرهابية، قام البصري الذي كان في حينها المدير الأمني لمكتب رئيس الوزراء بتشكيل وحدة خاصة ذات مهام محددة وهي استهداف المراتب القيادية للإرهاب. وفي العام 2006 جنّد 16 رجلاً من عناصر النخبة في أكاديميات الجيش والشرطة، وأطلق على وحدته الجديدة اسم الصقور .وقال البصري “كنت أبحث عنهم كما يبحث رجل عن زوجة. كنا مستعدين لخوض غمار أي تحدٍّ.”وبتشجيع من أخيه الأكبر، مناف، الذي كان أصلاً منتمياً لجهاز المخابرات ولكونه يعرف لغات ومهارات في الكومبيوتر، قدم النقيب حارث السوداني طلباً للانضمام إلى هذه الوحدة ، وفي العام 2013 حصل على وظيفة مراقبة شبكة اتصالات ومكالمات المشتبه بهم التليفونية .
وبعد اقتحام داعش مدينة الموصل في صيف عام 2014 وإعلان الخلافة هناك، توجهت خلية الصقور للاضطلاع بمهمة جديدة تتمثل باختراق صفوف التنظيم عبر وكلاء سريين .
السوداني كان أحد المتطوعين لهذه المهمة، وقال قائده الميداني العميد سعد فالح، إن صور الاطفال وهم يقتلون بهجمات داعش عملت على تحفيزه لتولي هذه المهمة .
بدأ النقيب السوداني تدريباته ليتقمص شخصية مسلحي داعش بدءاً من تعلم لكنة سكان المناطق الغربية وطريقة صلاة أهل السنّة ،لأنه من عائلة شيعية وتعلم ترديد شعارات التنظيم وطقوسهم الاخرى، ثم دخل صفوف التنظيم ليصبح شخصاً آخر تحت اسم، أبو صهيب، وهو اسم مستعار تحت غطاء شخص عاطل عن العمل من منطقة ذات غالبية سنية في بغداد. كانت مهمته تتمثل باختراق وكر لتنظيم داعش في الطارمية وهي مصدر توريد الانتحاريين لمدينة بغداد .في إحدى ليالي شهر أيلول 2014 كان موعد بدء المهمة، وفي صباح اليوم التالي سار النقيب السوداني باتجاه جامع في الطارمية الذي كان يعتبر مقر اجتماعات خلية تنظيم داعش هناك، بقي داخل الجامع طوال النهار مستغرقاً وقتاً أكثر مما خطط له ضباطه، ولكنه حقق نجاحاً ورحبت خلية داعش بالمجنّد أبو صهيب وبقي هناك يعيش معهم في الطارمية .
بعد أسابيع قليلة جاءت أوامر من أحد قياديي داعش في الموصل يكلف فيها النقيب السوداني بسلسلة مهام لوجستية رئيسة من هجمات انتحارية تنفذ في بغداد، وذلك لكونه من سكنة بغداد وباستطاعته توجيه الانتحاريين لتلافي نقاط التفتيش عند ضواحي العاصمة وداخل المدينة .
في كل أسبوع كان يتلقى السوداني مكالمة من الموصل تأمره للالتقاء بانتحاريين قادمين إلى الطارمية لأخذ سيارة مفخخة والانطلاق بها ،وفي كل مرة كان السوداني يرسل إخطاراً لخلية الصقور، وكانت مهمتهم تتمثل باعتراضه مع حمولته المميتة قبل وصولها بغداد .
كانت سيارة ملاحقة تتبع السوداني وهو يقود سيارته، تستخدم جهار تشويش لحجب إشارة التفجير حيث غالباً ما يستخدم جهاز خلوي لتفجيرها عن بعد، وعبر إشارات يدوية أو اتصالات. كان زملاؤه يوجهونه لمكان حيث يمكن إبطال مفعول المتفجرات. وإذا كان يقوم بنقل انتحاري فإنهم يغرونه (الانتحاري) للخروج من السيارة ثم يلقون القبض عليه أو يقتلونه .
ثم بعد ذلك تقوم خلية الصقور بإحداث تفجير وهمي وتطلق بيانات كاذبة يدعون فيها حصول تفجير وأحياناً يدّعون سقوط عدد كبير من الضحايا، جزء من هذا الإجراء هو للحفاظ على سلامة النقيب السوداني وعدم كشفه .
قادة داعش في الموصل قاموا بمضاعفة مهام مجنّدهم السوداني طالبين منه إجراء كشف عن أحياء ومقاهي بغداد كأهداف محتملة، وفي إحدى المهام المكلف بها حاول السوداني التسلل في زيارة نادرة لبيته. وبينما كان هناك اتصل به أحد قياديي داعش طالباً منه تحديد مكانه وقال السوداني إنه في الحي الذي سيتم استهدافه. ورد عليه القيادي في داعش بأنه يكذب مستنداً في ذلك إلى إحداثيات جهاز، جي بي أس، الذي يحدد المكان. قد تكون تلك البطاقة الحمراء الأولى ضد السوداني .
نصحه أخوه مناف بأن تكون تلك نهاية مهمته وأن يرجع للبيت، ولكن النقيب السوداني رفض . وفي مهمة أخرى كُلّف بها السوداني باستهداف منطقة بغداد الجديدة وبالتحديد قرب سينما البيضاء كان قياديو داعش قد وضعوا جهاز تنصت في السيارة التي يقودها حيث استمعوا الى مكالماته مع ضباط خلية الصقور الذين أبطلوا مفعول المتفجرات ثم أصدروا بياناً عن انفجار شاحنة بيك أب عند سينما البيضاء دون حدوث خسائر.
وفي حزيران عام 2017 كلّف التنظيم النقيب السوداني بمهمة أخرى وكانت مهمته الاخيرة. حيث تم إرساله إلى بيت زراعي خارج الطارمية وكانت مهمة مراقبته صعبة لبعد المنطقة وليس لها طريق للفرار. وفي صبيحة 17 حزيران دخل السوداني البيت الزراعي، وبعد غروب الشمس ورد إخطار لخلية الصقور بأنّ شيئاً ما خطأ قد حصل .
بعد ذلك شنت خلية الصقور بالتعاون مع وحدات جيش وشرطة عملية إنقاذ في الطارمية لمداهمة البيت الزراعي. ولكن لم يكن هناك أي أثر للنقيب السوداني، وبعد البحث والمتابعة من خلال مخبرين تم التوصل الى أن السوداني قد تم اقتياده الى مدينة القائم التي يسيطر عليها داعش والبعيدة عن سيطرة الدولة .
في صبيحة شهر آب بث تنظيم داعش شريط فيديو دعائياً يظهر فيه مسلحون وهم يقومون بإعدام سجناء معصوبي الأعين. كانت خلية الصقور متيقنة بأن النقيب السوداني كان من بين هؤلاء .
وعندها أصدرت قيادة العمليات المشتركة بياناً تنعى فيه السوداني أوضحت فيه تضحية النقيب بحياته من أجل بلده .
وتم تحرير مدينة القائم في شهر تشرين الثاني الماضي، وأرسلت خلية الصقور فريقاً للبحث عن جثة النقيب السوداني ولكن لم يجدوا لها أيّ أثر .
 عن: نيويورك تايمز

تعليق واحد

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صحيفة أمريكية: العثور على مقابر جماعية لضحايا داعش قرب الحدود السورية العراقية تضم رفات عراقيين

ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، أن الجيش السوري اكتشف مقابر جماعية جديدة في شرق ...

%d مدونون معجبون بهذه: