لماذا ينشط تنظيم «الدولة» غرب الموصل؟ شعار «باقية» يعود للظهور على جدران الموصل … خالد الخليل

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 5 أغسطس 2018 - 11:45 صباحًا
لماذا ينشط تنظيم «الدولة» غرب الموصل؟ شعار «باقية» يعود للظهور على جدران الموصل … خالد الخليل

الموصل ـ «القدس العربي»: لم تزل الحملة التي أطلقتها القوات العراقية قبل أربعة أسابيع غرب الموصل مستمرة عقب نشاط ملحوظ لعناصر تنظيم «الدولة» في تلك المناطق وخصوصا «تلال العطشانة» الواقعة غرب المدينة، التي يعتقد مسؤولون أمنيون أنه تختبئ فيها خلايا نشطة تابعة للتنظيم، وذلك لطبيعتها الوعرة وغير المأهولة وكذلك موقعها الجغرافي القريب جدا من مركز مدينة الموصل ومن عشرات القرى المحيطة بها.
ويروي لـ»القدس العربي» المواطن العراقي (ف ش) (49 عاما) من قرية البغلة، التابعة لناحية بادوش غرب الموصل، أنه استيقظ فجرا على أصوات طرق الباب الداخلي بشدة، فإذا بجنود عراقيين يصيحون [افتح الباب تفتيش]. ويضيف «شعرت بالخوف الشديد وانتابتني مشاعر متضاربة بين فتح الباب من عدمه، كون المسلحين الذين قتلوا المختار في قرية مجاورة لنا قبل أيام جاءوا بزي قوات أمنية، وكنت أسأل نفسي هل هؤلاء حقيقيون أم مزيفون؟ ثم قطعت تفكيري طرقات الباب التي كادت تخلعه من مكانه وكانت مصحوبة بصرخات [افتح الباب] فقررت فتحه مستسلماً لخوفي من العواقب». ويقول «فلما فتحته تعرضت لعدة لكمات وتوبيخ على تأخري في فتح الباب، حاولت أن أشرح لكن الكلام ضاع وسط ضجيج الجنود وهم يطالبوني أن أعزل النساء عن الرجال ويسألوني عن الدواعش الذين يراجعون القرية». يضيف «أخذوا هوياتنا [بطاقاتنا الشخصية] وتأكدوا من أسمائنا في سجلات المطلوبين، ويدي على قلبي خوفا من أن يكون اسمي متشابها مع أحد المطلوبين، فلما تبيَّن سلامة موقفنا الأمني خرجوا وتركونا». وقد «سألت أهل القرية في الصباح بعد انتهاء عمليات التفتيش فتبين أنهم اعتقلوا اثنين بحجة تشابه أسمائهم مع مطلوبين أمنيين».

حملة عسكرية

وبدأت الحملة العسكرية بعد اقتحام مسلحين الشهر الماضي قرية تل خيمة التابعة لناحية بادوش، غرب الموصل وقتل مختار القرية مع ثلاثة من أبنائه ثم وضع عبوات ناسفة في سيارتين تابعتين لمختار القرية وتفجيرهما. وقال مصدر أمني في حديث صحافي لبعض الوسائل الإعلامية «أن مسلحين ينتمون لتنظيم «داعش» يرتدون زيّا عسكريا اقتحموا منزلا في قرية تل خيمة التابعة لبلدة بادوش غرب الموصل وقتلوا رب العائلة وثلاثة من أبنائه داخل المنزل بعد أن جرى عزلهم عن بقية أفراد الأسرة». وقد كتب المسلحون بدماء القتلى على حائط منزلهم «باقية بإذن الله» في إشارة إلى الشعار الذي يستخدمه دائما أفراد تنظيم «الدولة».
وقال قائد عمليات نينوى اللواء نجم الجبوري في تصريح لوكالات محلية أن «القوات العراقية من الجيش والشرطة والحشد أطلقت حملة عسكرية لتطهير قرى غرب الموصل وتلال العطشانة من فلول التنظيم الإرهابي». وأضاف «أن الحملة المستمرة أسفرت عن اعتقال 22 إرهابيا كانوا يقومون بزيارة لأهاليهم في بلدة بادوش ومحيطها لغرض رؤيتهم وتموين أنفسهم». وقال «أن معلومات من أهالي المنطقة أوصلتنا للقبض عليهم» مشيراً إلى أن «التحقيقات الأولية أظهرت أن العناصر المقبوض عليهم كانوا ينوون تعكير الأمن في بعض المناطق، لكن يقظة القوات الأمنية (حسب قوله) حالت دون تنفيذ أي عمليات تستهدف القوات الأمنية والأهالي».

رتل يتعرض لإطلاق نار

اللافت أن رتلاً للقوات العراقية وأثناء الحملة العسكرية الحالية تعرض لإطلاق نار كثيف بالقرب من قرية الشيخ يونس، غرب الموصل حسب شهود عيان من القرية، ثم تبنى تنظيم «الدولة» العملية قائلا عبر وكالة أعماق: «الاشتباك مع رتل للجيش الرافضي في قرية الشيخ يونس جنوبي الموصل يوم أمس، أدى إلى هلاك أحدهم وإصابة 4 آخرين، ولله الحمد» ورفضت القوات العراقية التعليق على الحادثة مكتفية بالقول أن قواتها ما زالت تقوم «بعمليات تطهير لملاحقة عناصر داعش الفارين». وكنا سألنا أحد السكان المحليين (س ك) في قرية تل كيصوم، غرب الموصل والمجاورة للقرية التي وقع فيها حادث استهداف رتل للقوات العراقية بإطلاق نار من أسلحة خفيفة فقال لنا: «سمعنا عصرا أصوات إطلاقات نارية بينما كانت القوات العراقية تقوم بتفتيش التلال والوديان القريبة من قرانا، وحسب خبرتنا العسكرية فإن أصوات إطلاق النار التي صدرت أولا كانت من أسلحة (بي كي سي) و(كلاشنيكوف) في اتجاه عدد من آليات القوات العراقية المتمركزة فوق إحدى التلال»، ويضيف «ثم ردت القوات العراقية على الفور بإطلاق نار جنوني في جميع الاتجاهات لأنها على ما يبدو لم تحدد مصدر الإطلاقات، وقد اصطدم الكثير من الرصاص بحيطان منازلنا مما أحدث حالة ذعر شديد داخل القرية».
وكشف عضو مجلس نينوى حسام العبار في حديث لوكالة محلية أن «قيادات عدة في داعش ما زالوا في مدينة الموصل مختبئين في أنفاق تحت الأرض في المناطق الغربية»، لافتاً إلى أن «هذه المناطق تمتاز بالوعورة ويصعب العثور على أنفاقها» وهو الأمر الذي تحدث عنه مسؤولون عراقيون بالقول أن تلال العطشانة، الواقعة غرب الموصل تمثل ملاذا آمنا لمسلحي تنظيم «الدولة» مشيرين إلى غياب أي نقاط عسكرية للقوات العراقية في تلك المنطقة وهو ما يسهل تحركات المسلحين لاستهداف المناطق المرتبطة أو القريبة من تلك التلال.

عمليات أمنية غرب الموصل

وكانت مناطق غرب الموصل شهدت العديد من الأحداث الأمنية بعد إعلان القوات العراقية بدعم التحالف الدولي تمكنها من هزيمة تنظيم «الدولة» في 10/7/2017 داخل مدينة الموصل، ففي شهر كانون الثاني/يناير من هذا العام هاجم مسلحون نقطة تفتيش تابعة للحشد الشعبي قرب ناحية بادوش غرب الموصل وقتلوا ستة عناصر من أفراد النقطة، وفي السياق نفسه هاجم مسلحون منزل أفراد في الحشد العشائري في حي التنك، غرب الموصل في شهر آذار/مارس وقتلوا عنصرين من الحشد، ثم نشر تنظيم «الدولة» تقريرا مصورا يتبنى فيه تنفيذ العملية ويظهر الأوراق الثبوتية وبعض مقتنيات وأسلحة القتيلين. وفي منطقة مجاورة بعد فترة من هذه الحادثة هاجم مسلحون مجهولون منزل قيادي في الحشد في منطقة رجم حديد، فأردوه قتيلا وسط عائلته.
وقال سكان محليون من تلك المناطق أن عمليات أمنية تقع بين الفينة والأخرى في مناطقهم تستهدف القوات العراقية التي بدورها تشن حملة اعتقالات عشوائية للبحث عن منفذي تلك العمليات، وطالب السكان القوات الأمنية أن تتحرى الدقة في حملات الاعتقال وأن لا تصب جام غضبها على من لا ناقة له ولا جمل في الأمر، وان لا تحاول تسجيل مواقف مزيفة على حساب الأبرياء، معبرين عن قلقهم من تكرار سيناريو ما قبل 2014 الذي سبب شرخا كبيرا بين القوات الأمنية والسكان نتيجة للاعتقالات العشوائية والمداهمات والسيطرات وغيرها.

لماذا غرب الموصل؟

يشار إلى أن الطبيعة الوعرة لتلك المنطقة المتمثلة في التلال الممتدة على طول الجانب الغربي الملاصق لمركز مدينة الموصل وارتباطه بقرى كانت معاقل لتنظيم «الدولة» قبل 2014 وكذلك امتدادها إلى عمق الجزيرة في اتجاه الحدود العراقية السورية حيث يتحرك التنظيم هناك بنوع من الأريحية، وأسباب أخرى تجعل مناطق غرب الموصل تشكل بيئة حاضنة لأفراد التنظيم ومخابئ توفر حماية طبيعية لهم للتخفي ومهاجمة أهدافهم داخل مركز الموصل الغربي أو القرى القريبة من تلك المناطق لاستهداف المتعاونين مع القوات العراقية لأجل خلق حالة من الخوف والذعر بين الأهالي وبالتالي سكوتهم عن أي نشاطات قد يشاهدونها هناك للتنظيم وهو عين ما حصل قبل سيطرة التنظيم على مساحات شاسعة من العراق في العام 2014.
ويقول مراقبون أن سبب تركيز التنظيم على تلك المناطق هو تعويله على الحاضنة الشعبية التي كانت موجودة قبل 2014 في قرى غرب الموصل وجنوب غربها، وكذلك في الأحياء الغربية من جانب الموصل الأيمن كأحياء مشيرفة وتموز والهرمات والتنك ورجم حديد وغيرها، إذ أن أرتال التنظيم أثناء هجومه في حزيران/يونيو 2014 مرت عبر هذه القرى ثم دخلت حصرا من تلك الأحياء التي كان يرى فيها التنظيم حواضن شعبية له، لكن آخرون قالوا أن ما يعول عليه التنظيم لم يعد موجودا، لاختلاف الحال بعد حكم التنظيم مدينة الموصل لثلاث سنوات، تعرض فيها الأهالي لضغوطات أمنية وحصار اقتصادي وممارسات متشددة وما صاحب معركة الموصل من أحداث قتل للهاربين جعلت تلك الحواضن تتلاشى، كما أن تجربة الحرب القاسية في الجانب الأيمن جعلت لا أحد مستعدا لخوض غمار تلك التجربة مرة ثانية، فضلا عن العقوبات الشديدة التي قد يتعرض لها كل من يثبت تعاونه ولو بشعرة مع التنظيم من قبل الأجهزة الأمنية العراقية.

الحشد يطلق عملية أخرى

وفي سياق متصل قالت قوات الحشد الشعبي الحشد أنها أنهت تطهير 40 كم من «عمق صحراء الحضر غرب الموصل» مبينة «أن القوات باشرت بمسك عدة نقاط في صحراء الحضر فضلا عن انتشار القطعات فيها» وأضافت أن «عمليات التفتيش مستمرة للقضاء على الخلايا النائمة لداعش في الصحراء».
يذكر أن مناطق جنوب غرب الموصل شهدت خلال الفترة الماضية هجمات ضد نقاط عسكرية تابعة للحشد وعمليات خطف متكررة لأفراد من عشيرة شمر في منطقة تلول الباج والمناطق المحيطة بها، وكانت أحدث عمليات الخطف حدثت في 20 من الشهر الماضي، حيث صرح مصدر أمني أن تنظيم «الدولة» اختطف خمسة أشخاص من حشد قبيلة شمر في منطقة تلول الباج وأنه لم يُعرَف مكان اختطافهم أو الجهة التي تم اقتيادهم إليها» مشيرا أن «القوات الأمنية باشرت عمليات عسكرية للبحث عن المختطفين». علما أن هذه العملية هي الثالثة من نوعها خلال أقل من شهرين، فقد عثر على ثمان جثث لأفراد من العشيرة نفسها معصوبة الأعين ومقيدة الأيدي ومصابة بإطلاقات نارية في الرأس في الثامن عشر من الشهر الماضي حزيران/يونيو.
وبعد ثلاث سنوات من تمكن التنظيم من السيطرة على مساحات شاسعة من العراق، أعلنت القوات العراقية وبدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في كانون الأول/ديسمبر الماضي استعادة كامل الأراضي العراقية من قبضة تنظيم «الدولة» الذي كان يسيطر على ثلث مساحة البلاد.

رابط مختصر