ظاهرات جنوب العراق وطموحات التغيير …د. محمد السعيد إدريس

إذا كان الشعب العراقي قد استطاع أن يعبر عن موقفه من النظام الذي يحكم العراق منذ عام 2003، ولكن بشكل جزئي، من خلال امتناعه عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية التي جرت في مايو/أيار الماضي، حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة الشعبية 44%، ومن خلال التصويت لنخب جديدة وكتل جديدة بديلة عن الكتل والنخب القديمة، حيث فاز تكتل «سائرون» الذي يتزعمه مقتدى الصدر بتحالف مع قوى مدنية وديمقراطية بعيدة عن النخب الطائفية بالمرتبة الأولى في هذه الانتخابات بحصوله على 54 مقعداً من مقاعد البرلمان، فإنه، أي الشعب العراقي، اختار أن يصوت مرة ثانية ومن خارج صناديق الاقتراع وبعد أقل من شهرين على تصويته الانتخابي الأول ليعلن رفضه للجميع لمن صوت ضدهم ولمن صوت لهم، وليؤكد أن ما يحدث في العراق أضحى مرفوضاً وأن التغيير بات حتمياً، بعد أن تأكد من كارثية ما يحدث.
فالتظاهرات التي تفجرت في محافظات جنوب العراق بدءاً من البصرة ومنها إلى الناصرية والمثنى والنجف ، لم تكن «ثورة جياع» كما زعمت أطراف كثيرة في توصيفها اعتماداً على بعض شعارات المطالب الحياتية المعلنة الخاصة بالمياه والكهرباء وطلبات التوظيف وغيرها، ولكنها في الحقيقة تظاهرات تنذر بثورة سياسية اجتماعية تهدد النظام كله، ورموزه وخاصة الأحزاب الدينية. فقد استهدفت التظاهرات الغاضبة مقار أحزاب الدعوة والفضيلة والحكمة وعصائب الحق باعتبارها رموزاً للمتسببين بأحوال الجوع والبطالة ونقص الخدمات والفقر، وباعتبارها بؤراً للفساد السياسي والمالي، ومنابع الصراع على السلطة والمحاصصة، كما استهدفت هذه التظاهرات أيضاً خرائط جديدة للمواقع المستهدفة، إلى جانب مقار الأحزاب والميليشيات، فقد استهدفت الموانئ (ميناء البصرة) والمطارات «مطار النجف» والمنافذ الحدودية وشركات النفط والغاز ومنازل ومقار كبار المسؤولين المحليين والمحافظين، باعتبارها تجسد النهب المزدوج للثروة وللسلطة معاً.
الكارثة الكبرى أن كبار المسؤولين لم يفهموا مغزى تلك التظاهرات ولا انتشارها، ولم يقدروا احتمالاتها، حصروها في مطالب اقتصادية واجتماعية فقط، وجردوها من معناها الأهم، وهي أنها الإفراز الطبيعي لسقوط كل التوقعات والرهانات، وسقوط كل الفرص التي أعطاها الشعب للنخبة السياسية من أجل أن تفي بوعود الإصلاح، وبعد أن تأكد الشعب أن هذه النخب غير قادرة على إدراك أن التغيير السياسي هو المطلب الأساسي، أي النظام هو المستهدف الحتمي، إن لم يكن الآن فغداً أو بعد غد.
عبدالمهدي الكربلائي ممثل المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني أعلن في خطبته يوم الجمعة الماضي (13 يوليو/تموز الجاري) تضامن السيستاني «مع المواطنين في مطالبهم الحقة، وعن استشعاره لمعاناتهم الكبيرة، وتقديره لأوضاعهم المعيشية الصعبة وما حصل من تقصير واضح من المسؤولين سابقاً ولاحقاً في تحسين الأوضاع وتقديم الخدمات لهم، رغم وفرة الإمكانات المالية، لو أحسنوا توظيفها، واستعانوا بأهل الخبرة والاختصاص». أما حيدر العبادي رئيس الحكومة الذي انتقل إلى البصرة بعد تفجر الأحداث الدامية فإنه، وبعد أن عقد سلسلة اجتماعات في المدينة، أصدر قرارات تخص إطلاق مشاريع تحلية المياه، وأعلن تعيين 10 آلاف من العاطلين عن العمل في المؤسسات الرسمية، أي أنه لم يفهم غير ظاهر المطالب ولم يدرك جوهرها، لكنه فوق ذلك أعطى توجيهاته لقوات الأمن للقيام بواجبها في مواجهة المتظاهرين، ولم يفوت الفرصة للحديث عن «المؤامرة الخارجية»، ويندد ب «المندسين» الذين حملهم مسؤولية تردي التظاهرات وتحويلها من سلمية إلى «دامية».
هذا يعني أن التشخيص مازال خاطئاً، وأن ما حدث في البصرة ومحافظات الجنوب قد يمتد إلى بغداد، وقد يصل إلى الشمال، ويعم العراق، في وقت عاد فيه تنظيم «داعش» الإرهابي ليجدد ضرباته وتفجيراته، في الوقت الذي مازال فيه «الشلل السياسي» يعم البلاد التي أضحت بدون برلمان، وتدار بحكومة تجاوزت شرعيتها، والأدهى أنه في انتظار برلمان مشكوك في نزاهته وشرعيته بعد كل اتهامات التزوير.
واقع سياسي مأزوم يعيد إنتاج نفسه، وهو ما حاول السيستاني إبداء التبرؤ منه بإعلان تعاطفه مع مطالب المتظاهرين عندما دان على لسان المتحدث باسمه عبدالمهدي الكربلائي «المسؤولين سابقاً ولاحقاً» بأنهم لم يحسنوا إدارة الموارد «ولم يحسنوا إدارة مؤسسات الدولة بصورة مهنية بعيداً عن المحاصصات والمحسوبيات، ولم يقفوا بوجه الفساد من أي جهة أو حزب أو كتلة».

msiidries@gmail.com

42total visits,1visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: