“درة الخليج” تغضب.. البصرة تكشف فقر المواطنين وفساد المسؤولين

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 18 يوليو 2018 - 3:35 مساءً
“درة الخليج” تغضب.. البصرة تكشف فقر المواطنين وفساد المسؤولين

ألقت أحداث محافظة البصرة جنوب العراق، التي اندلعت يوم 8 يوليو 2018، الضوء على المصادر الطبيعية والنفطية في المدينة، التي تعتبر واحدة من أغنى مدن العالم، وأغنى مدن العراق من حيث الموارد الطبيعية.

كل هذا بينما لم يحصل المواطن فيها على مياه صالحة للشرب أو أدنى مستوى من الخدمات الأساسية منذ الغزو الأمريكي عام 2003، الأمر الذي دعاهم للخروج ضد فساد الحكومات والاحزاب المتعاقبة على إدارة المحافظة.

وانتشرت خيام المحتجين على منافذ الطرق المؤدية إلى حقول “مجنون” و”الرميلة” و “القرنة 1″ و”القرنة 3” النفطية وعند بوابات الشركات وميناء أم قصر، كما اقتحم العشرات منهم مقر شركة “لوك أويل”، وكذلك اقتحام المئات بلدة شط العرب شرق البصرة منفذ الشلامجة الحدودي مع إيران وأوقفوا الحركة فيه، وقطعوا الطريق بين المنفذ ومدينة البصرة بالإطارات المشتعلة بالنيران ومنعوا حركة المرور على طريق البصرة – بغداد وفي اتجاه محافظتي ذي قار وميسان، فضلاً عن محافظات الجنوب الأخرى.

-البصرة “درة الخليج”
تعتبر محافظة البصرة المنبع الرئيسي للذهب الأسود في العراق، ثاني أكبر مصدر نفط في العالم بعد السعودية، وتُعد رئة البلاد الاقتصادية، بفضل موقعها الجغرافية ومنافذها الحدودية السبع، في وقت بلغت قيمة صادرات العراق النفطية عام 2017 نحو 70 مليار دولار.

وتمتلك المحافظة أكبر ثروة نفطية في العراق، إذ تشير الإحصائيات إلى أنها تملك 15 حقلاً من أصل 77 حقلاً معروفاً، منها 10 حقول منتجة، كما تحتوي هذه الحقول احتياطياً نفطياً يزيد على 65 مليار برميل مشكلاً نسبة 80% من أجمالي الاحتياطي النفطي العراقي المثبت، أما الإنتاج الشهري لحقول البصرة من الخام فقد بلغ 3.521 مليون برميل يومياً في شهر يونيو الماضي.

وزارة النفط العراقية أكدت في بيان (1 يوليو 2018)، أن صادرات البلاد من الخام من موانئ الجنوب المطلة على الخليج قد بلغت 3.521 مليون برميل يومياً في المتوسط، وحققت تلك الصادرات عائدات بقيمة 7.3 مليار دولار عند سعر 69.322 دولار للبرميل، متجاوزة بقليل متوسط مايو الماضي، التي بلغت 3.490 مليون برميل يومياً.

وارتفعت هذه الأرقام منذ بداية يوليو الجاري، لتصل إلى 3.566 مليون برميل يومياً في المتوسط، وهي مستويات تؤكد، بحسب وكالة “رويترز”، أن الاضطرابات لم تؤثر على شحنات النفط الخام من المنطقة، لا سيما أن العراق يُعد ثاني أكبر منتج للنفط داخل منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) بعد السعودية.

وتضم البصرة مجموعة من الحقول العملاقة منها: حقل مجنون، الذي يحتوي على احتياطي نفطي مؤكد يتراوح بين 23 ـ 25 مليار برميل وينتج الحقل نحو 100 ألف برميل مع أن طاقته الإنتاجية لو تم تطوير الحقل تصل إلى 600 ألف.

كما تضم المحافظة الغنية بالنفط حقل نهران عمر، وهو من حقول البصرة العملاقة، تصل طاقته الإنتاجية نحو 500 ألف برميل، أما المكامن الرئيسية المنتجة في هذا الحقل فهي مكامن الزبير، نهر عمر، وله محطة إنتاج واحدة وعدد آبار النفط فيه 15 بئراً، أما احتياطيه المؤكد من النفط الخام بلغ 6 مليار برميل.

وتمتلك محافظة البصرة كذلك، حقل غرب القرنة، الذي يحتوي على احتياطي مؤكد يُقدر بـ 18 مليار برميل واحتياطي محتمل يُقدر بـ 40 مليار برميل، ويمكن أن تصل طاقته الإنتاجية إلى 1 مليون برميل، لكنه ينتج 120 ألف برميل حالياً، وهو من النفوط الخفيفة المرغوبة عالمياً، والمكامن المنتجة فيه هي، المشرف، السعدي، الزبير، وبلغ عدد آبار النفط فيه 247 بئراً، أما عدد آبار حقن الماء فهو 64 بئراً، وعدد محطات الإنتاج فهو 3 محطات.

وتضم محافظة البصرة، حقل الرميلة الشمالي، في سبعينيات القرن الماضي كان عدد آباره أقل من 20، أما الآن فقد أصبح 340 بئراً نفطياً، وهو تاسع أعظم حقل نفطي عالمي، وبطبقاته أجود أنواع النفط، والمكامن الرئيسية فيه، زبير (رئيسي)، المشرف، نهر عمر، سجيل.

ويحتوي هذا الحقل على 7 محطات لإنتاج النفط، و6 محطات لكبس الغاز، وكذلك 5 محطات لحقن الماء، أما آبار حقن الماء فقد بلغ عددها 129 بئراً، وهو ينتج بقسميه الشمالي والجنوبي 250 ألف ب/ي ويزيد احتياطيه النفطي عن 12 مليار برميل.

وتتميز عملية استخراج النفط الخام في البصرة بتدني كلف الإنتاج فهي الأوطأ على النطاق العالمي وذلك لأن حقول النفط والغاز تقع على اليابسة وفي أعماق قريبة جداً من سطح الأرض، ومعظمها ذو جدوى اقتصادية عالية بسبب حجم الاحتياطي الضخم فيها وكبر مساحتها، ولا تتضمن تركيبات جيولوجية معقدة بسبب ضعف الحركات الميكانيكية للصخور، خصوصاً في المنطقة الجنوبية بسبب انحدار الأراضي نحو الخليج العربي، إذ قُدرت تكلفة استكشاف البرميل الواحد من النفط الخام في محافظة البصرة بنحو 0.1 ـ 0.4 سنت / برميل، حسب طبيعة الحقل النفطي المكتشف، وقدرت في حقلي الزبير والرميلة والحقول القريبة منها بـ 1.570 دولار لكل برميل.

وبحسب تقارير عالمية، تضاهي حقول البصرة العملاقة “super giant” أكبر الحقول في العالم، واللافت للنظر حول حقول النفط في البصرة، أنها تمتاز بوفرة الموارد النفطية فيها، ويمكن بسهولة مضاعفة حجم الاحتياطي لو تم اعتماد تكنولوجياً متطورة يتم التنقيب بها عن النفط الخام واستخراجه وتصديره من موانئها.

لكن واقع القطاع النفطي في البصرة متخلف كثيراً عن التطورات العلمية والتكنولوجية التي جرت في الصناعة النفطية خلال العقود الماضية، إذ ما زالت تستخدم أساليب إنتاجية تعود إلى سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي، لعدة أسباب منها: تردي البنية التحتية للصناعة النفطية وتراجع عمليات الصيانة للخزانات النفطية وقدمها وتخلف تقنيات محطات الإنتاج والضخ نتيجة عدم كفاءتها وتدني نوعيتها وقدمها.

-احتجاج ومطالب
منذ الغزو الأمريكي عام 2003، يتجَّرع البصريون أبناء أغنى مدن العراق بالنفط والنخيل، المياه غير الصالحة للشرب الممزوجة بقاذورات الصرف الصحي، وسط قساوة الفقر والجوع وبالحرمان من الحياة الكريمة التي من المفترض ان توفرها الحكومات المحلية المتعاقبة على إدارة المحافظة، بالإضافة إلى الحكومة المركزية بدل الاعتماد على الأيادي العاملة الخارجية في المشاريع الاقتصادية المدرة للثروة.

مع اشتداد حرارة الصيف اللآهب ومسلسل انقطاع التيار الكهرباء، ثار أهالي البصرة ذات الصيف الحارق، غضباً من معاناتهم وفقرهم والبطالة، في تظاهرات عارمة، وسط دعوات لإقالة مسؤولين فاسدين في المحافظة منهم قادة أمنيين وحكوميين وراء تدني مستوى الخدمات في المدينة، بسبب فسادهم المالي والإداري.

وبحسب ناشطين، تركزت الاحتجاجات قرب منشآت الدولة الحيوية، إذ يحاول البصريون إثارة الرأي العام حول فساد الأحزاب والميليشيات الموالية لإيران التي أصبحت تمتلك أرصفة كاملة في موانئ أم قصر وأسهم في شركات النفط الجنوبية لا سيما البصرة، فضلاً عن تمسكها بمفاصل المحافظة إدارياً وأمنياً واقتصادياً وسياسياً.

وقال أحد المحتجين ويدعى عصام جبار (24 عاماً) وعاطل عن العمل لوكالة “رويترز”: “نحن أهل البصرة نسمع حول نفط العراق و موارده الهائلة لكننا لم نستفد أبداً من مميزاته”، مضيفاً أن “الغرباء يحصلون على وظائف محترمة في حقولنا النفطية ونحن لا نملك دفع ثمن سيكارة (سيجارة)”.

ويعاني جنوب العراق ذو الأغلبية الشيعية من الإهمال برغم الثروة النفطية منذ حكم الرئيس الراحل صدام حسين ثم خلال فترات الحكومات، التي يقودها الشيعة بما في ذلك حكومة العبادي.

وتنتشر أكوام النفايات في الكثير من شوارع البصرة، وتسببت المياه الراكدة ومياه الصرف الصحي في مشكلات صحية كما أن مياه الشرب تكون ملوثة أحياناً بالطمي والأتربة في حين تنقطع أكثر من الكهرباء سبع ساعات يومياً، وسط درجة حرارة تتجاوز الـ50 مئوية.

وقال مرتضى رحمن (22 عاماً) الذي كان يفر حافياً خشية أن تعتقله الشرطة أمام حقل الزبير : “أعيش في مكان غني بالنفط يدر مليارات الدولارات بينما أعمل أنا في جمع النفايات من الناس لأطعم طفلاي، أريد وظيفة بسيطة هذا طلبي الوحيد”.

وانتقد محتجون حزب الدعوة الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي هيمن على المشهد السياسي العراقي منذ غزو الولايات المتحدة في 2003 الذي أطاح بنظام صدام حسين.

وقال زياد فضيل (38 عاماً)، وهو عاطل عن العمل: “حزب الدعوة يحكم العراق منذ 15 عاماً، وقادته لم يتمكنوا من الوفاء حتى ولو بوعد واحد من الذي قطعوه”، بحسب وكالة “رويترز”.

في حين قال أسامة عباس (25 عاماً)، وهو خريج جامعي عاطل عن العمل: “منذ سقوط صدام في 2003 وحتى الآن الشيء الحقيقي الوحيد الذي يقوله الساسة الشيعة هو أكاذيبهم”. وتابع قائلاً: “ما زلنا نشرب مياهاً قذرة، ونسينا ما الذي يعنيه تكييف الهواء خلال الصيف”.

واتخذ المتظاهرون خطوة غير معتادة؛ وهي مهاجمة مبان تابعة لجماعات مسلحة شيعية نافذة، إضافة لمقار حكومية محلية وأحزاب مشاركة في السلطة، وكذلك إطلاق هتافات تندد بتدخل إيران بالشأن الداخلي للبلاد.

رابط مختصر