الرئيسية / ملفات و تقارير / ثورة نقص الخدمات في العراق بين مشروعية المطالب وألاعيب الساسة

ثورة نقص الخدمات في العراق بين مشروعية المطالب وألاعيب الساسة

بغداد ـ «القدس العربي» ـ مصطفى العبيدي: ما الذي يحدث في جنوب العراق؟ وهل تخفي غيوم حرائق الإطارات وقطع الطرق الرئيسية جراء نقص الخدمات، معالم سيناريو جديد يراد فرضه على المشهد العراقي المفعم بالأزمات والتعقيدات والخاضع لتفاعلات داخلية وإقليمية ودولية متواصلة؟
جاء اقتحام المتظاهرين لشركة نفط الجنوب وبعض الحقول النفطية كالرميلة ومنع العاملين من الوصول إليها، ونقل العمال الأجانب بطائرات الهليكوبتر من مواقع الحقول، وانتشار مكثف للقوات الأمنية، إضافة إلى قطع طريق البصرة بغداد، والبصرة إيران، الخميس الماضي، ليشكل تطورا خطيرا يستحق الوقوف عنده، في المحافظة التي يصدر منها العراق معظم نفطه وغازه، وتضم الموانئ الوحيدة للبلد، ولكنها تشكو منذ عشرات السنين إهمالا ونقصا كبيرا في الخدمات الأساسية وفرص العمل.
ويتحدث الناشطون عن ان المرحلة المقبلة من الاحتجاجات ستتصاعد لتصل إلى قطع الطرق عن آبار النفط وإغلاق المنافذ الحدودية وموانئ البصرة، حتى تلبي الحكومة مطالب المتظاهرين وأبرزها إعادة خدمات الماء والكهرباء وتشغيل العاطلين. ويأتي ذلك بالتزامن مع تسليم مجلس محافظة البصرة، حكومة بغداد، رسالة تتضمن 24 بندا للطلبات التي ينادي بها أهالي المحافظة.
ويتابع العراقيون بقلق، تصاعد الفعاليات الرافضة لنقص خدمات الكهرباء والماء في مدن جنوب العراق، من التظاهرات البسيطة والاعتصامات إلى قطع الشوارع والطرق الرئيسية، ثم التهديد بإغلاق حقول النفط، إضافة إلى وقوع مصادمات بين المتظاهرين ورجال حماية الحقول النفطية أسفرت حتى الآن عن سقوط قتيل وجرحى بإطلاق نار.
وتواصلت الاحتجاجات والتظاهرات في جنوب العراق السبت وامتدت لتشمل محافظات ذي قار وبابل وكربلاء وميسان والديوانية والنجف، فيما واصل المتظاهرون احتجاجاتهم أمس في محافظتي بابل والبصرة.
وارتفع عدد قتلى التظاهرات إلى ثلاثة السبت، بعدما توفي متظاهران متأثرين بجروحهما «جراء إطلاق نار عشوائي في مدينة العمارة» وسط محافظة ميسان الجنوبية، حسب ما أفاد المتحدث باسم دائرة صحة المحافظة أحمد الكناني. ورغم ان التظاهرات ما زالت حتى الآن سلمية، إلا ان السلاح بكل أنواعه ينتشر في مدن الجنوب، بالتالي فان الخوف هو من لجوء بعض المتظاهرين إليه ردا على استخدام الشرطة السلاح ضدهم لحماية حقول النفط والمؤسسات الحكومية، وعندها تخرج الأمور عن السيطرة. ودخلت العشائر على خط الأزمة من خلال دعمها لمطالب المتظاهرين، حيث طالبت الشركات النفطية بتحسين البنية التحتية للأقضية والنواحي، عبر دعم مشاريع الماء والكهرباء والواقع الصحي واكساء الشوارع، وتوفير فرص العمل لسكان تلك المناطق، مشيرين إلى ان «هذه المناطق لا تجني من الشركات النفطية غير التلوث البيئي وتدمير الأراضي الزراعية».
وأقر رئيس الحكومة حيدر العبادي، بان «المواطن بعد مرحلة الحرب الذي صبر وضحى ينتظر من الحكومة أفضل الخدمات وبالأخص توفير الخدمات الأساسية ومنها الكهرباء والماء، إلا ان تزامن ارتفاع درجات الحرارة في العراق وتوقف الجانب الإيراني عن تزويدنا بالكهرباء أثر على إنتاج الطاقة الكهربائية في بعض المناطق». كما أمر بتشكيل لجنة وزارية للبحث في حلول لأزمة البصرة قامت بتعيين بعض أبناء المحافظة.
وما زاد الطين بلة، هو غياب التنسيق بين سلطات المحافظات لمواجهة أزمة نقص الكهرباء والماء، حيث تتخذ كل منها إجراءات فردية تضمن مصلحتها فقط، وهو ما رأيناه في قيام بعض المحافظات بقطع الكهرباء والأنهار المارة فيها لأخذ حصتها كاملة ولو أدى إلى حرمان الآخرين منها.
ولا يقتصر التوتر والتجاوزات على إدارات المحافظات بل تعداه إلى اندلاع نزاعات مسلحة بين العشائر على حصص محافظاتهم من الماء والكهرباء، بما ينذر بوقوع كارثة.
كما تعرضت بعض المرافق للاعتداءات ومنها حادث إطلاق نار على منظومة الكهرباء في بابل الذي أدى إلى قطع التيار عن العاصمة، بما يؤشر لوجود جهات تسعى لتأجيج الأزمة.
وفي خضم هذه التطورات الخطيرة، أمر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، القوات الأمنية برفع حالة التأهب إلى الدرجة القصوى، بالتزامن مع اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية الرافضة لسوء الخدمات العامة وقلة فرص العمل.
جاء ذلك في وثيقة رسمية صادرة أمس السبت، عن رئاسة الوزراء، تضمنت أمرا من العبادي بدخول القوات الأمنية بمختلف صنوفها، في حالة الإنذار «ج» وهي أقصى درجات التأهب.كما أمر «بالتحاق القادة والآمرين بشكل فوري، وتواجدهم على رأس قطعاتهم العسكرية، إضافة إلى التحاق جميع الضباط بوحداتهم».
وأطلت الأحزاب برأسها لتستغل أزمة نقص الخدمات، لتحقيق أهدافها السياسية في وقت تجري مشاورات لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر والحكومة الجديدة، بما وفر ورقة ضغط على حكومة العبادي.
فقد حذر زعيم حزب الدعوة نوري المالكي من وقوف «البعثيين» وراء تظاهرات الجنوب بهدف إسقاط العملية السياسية، بينما دعا القيادي في حزب الدعوة سعد المطلبي، إلى العمل على توفير الخدمات للمواطنين في الحكومة المقبلة، مستدركا «لا يمكن تهديم الدولة بالكامل لبناء نظام جديد، هذا أمر خطير جداً».
وكتب الزعيم السني المعروف خميس الخنجر في صفحته الشخصية على «تويتر» ان «أزمة الخدمات تتفاقم باستمرار في العراق، والغليان الشعبي في تصاعدٍ رفضا وغضبا من مأساة لا تنتهي، فمتى نترك كل الخلافات والحوارات ونقف صفا واحدا من أجل إنقاذ شعبنا من أزمات الكهرباء والماء وغيرها؟ ومتى تتحمل الحكومة مسؤولياتها بشكل جاد للخروج من هذا الوضع المتدهور؟».
ولا يختلف أحد على ان نقص خدمات الكهرباء والماء وتفشي البطالة والفقر والمخدرات وانتشار السلاح في مدن جنوب العراق، هي أزمة معقدة مزمنة منذ 2003 عجزت كل الحكومات عن حلها بسبب سوء الإدارة والفساد وصراع الأحزاب والمافيات وتدخل دول الجوار، إلا ان تأجيجها الآن بعد انتهاء عمر البرلمان الشهر الماضي وفي ظل أزمة تزوير الانتخابات ومشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، أثار تساؤلات عن توقيتها وتصعيدها، وسط القلق من استعداد بعض القوى لجر البلد إلى أزمات خطيرة لتحقيق أهدافها السياسية.

شاهد أيضاً

قوّة أميركيّة تستقرّ غرب القائم بعد سيطرة داعش على هجين السوريّة

بغداد/ وائل نعمة بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من منطقة هجين السورية القريبة من …

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: