سامحتها بلادها في النهاية.. قصة المرأة الشيشانية التي عادت للوطن بعدما عاشت في كنف داعش

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 7 يوليو 2018 - 10:17 صباحًا
سامحتها بلادها في النهاية.. قصة المرأة الشيشانية التي عادت للوطن بعدما عاشت في كنف داعش

هي أم لـ7 أطفال وتُدعى مدينا، تزوجت مقاتلاً تابعاً لتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) وأُسرت في سوريا، لكنَّها كانت محظوظة مقارنة بغيرها. فلأنَّها شيشانية، فهذا يعني العودة أخيراً إلى الوطن، بعد تغربية طويلة خاضتها هذه المرأة بعيداً عن بلادها، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Washington Post الأميركية.
إعادة النساء والأطفال.. طريقة الشيشان لمحاربة الإرهاب
في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، شعرت مدينا عندما كانت حاملاً، وتبلغ من العمر 36 عاماً، بالتوتر الشديد عندما حُمِلت على متن طائرة مع أطفالها الصغار دون كثيرٍ من الضجيج. فقد تم إرسالها هي وأطفالها من سوريا إلى مدينة غروزني، عاصمة جمهورية الشيشان ذات الأغلبية المسلمة في روسيا. كان إخراج هذه الأسرة من سوريا عملاً رحيماً من جانب السلطات الشيشانية، التي تقول إنَّه من واجبها إعادة النساء والأطفال الذين تقطعت بهم السبل في أراضي تنظيم داعش، بعد أن سُجن أو قُتل أزواجهن أو آباؤهن المتمردون. وقالت مدينا، التي وافقت على التحدث بشرط عدم الكشف عن اسم عائلتها: «تقول الحكومة الشيشانية إنَّه إذا أعدنا النساء والأطفال، وأعطيناهم أفضل الأشياء، وعاملناهم بأفضل طريقة ممكنة، فسنحاول بهذا جعلهم ينسون ما اعتادوه في سوريا. هذه هي أفضل طريقة من وجهة نظري». كانت مدينا، المرأة القصيرة الممتلئة، ترتدي خماراً أسود طويلاً يغطي شعرها تماماً وينسدل من فوق مرفقيها حتى أسفل الخصر. تحدثت بجدية دون إحساسٍ بالندم، وسردت قصة حياتها كسلسلة من الأحداث المُفاجئة ارتبط بعضها ببعض من خلال ظروف عادية محضة.
ذهبتْ إلى «داعش» عبر هذه الدولة الأوروبية

مسار حياة مدينا يعكس مدى قدرة «داعش» على الوصول والجذب. غادرت مدينا غروزني، التي دمرتها الحرب في أواخر تسعينيات القرن الماضي، واستقرت بهولندا، حيثُ تزوجت وطُلِّقت من رجلين.

وكان زوجها الثالث، الذي سافرت معه إلى سوريا، من تونس، التي أرسلت مقاتلين متطرفين إلى الخارج أكثر من أي بلدٍ آخر. جاءت روسيا في المرتبة الثانية بنحو 5 آلاف مقاتل روسي انضموا إلى «داعش»، وفقاً للرئيس فلاديمير بوتين.

اصطحب هؤلاء الرجال زوجاتهم من جميع أنحاء العالم. وتشير التقديرات إلى أنَّ مئات -إن لم يكن الآلاف- من النساء الناطقات بالروسية رافقن أزواجهن إلى دولة الخلافة.

ثم وقعت في أيدي أكراد سوريا الذين هددوا ببيعها لشيعة العراق لتواجه مصيراً مظلماً
قبل شهر من إعادتها إلى الشيشان، أُلقي القبض على مدينا وعائلتها في غارةٍ شنتها قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية. سُجن زوجها في سوريا، ولا يوجد حالياً تواصل بينهما. ولا يعرف أنَّها أنجبت في الشيشان طفله الثالث، وطفلها السابع. احتُجزت العائلة في مخيم بمدينة القامشلي السورية، بالقرب من الحدود مع تركيا، مع نساء من روسيا وآسيا الوسطى وأماكن أخرى. وقالت مدينا إنَّها تعرضت هناك للضرب بانتظام، وحُرِمَت من دخول المرحاض، وكان أطفالها يتضورون جوعاً. كانت النساء الكرديات اللاتي تولَّين حراستهنَّ يتهكَّمن على السجينات، ويخبرونهنَّ بانَّه سيُجرى بيعهن إلى الشيعة العراقيين. تتذكر مدينا قولهم: «سوف يغتصبونكن ويأخذون منكن أطفالكن». لذلك عندما اقتيدت مدينا معصوبة العينين إلى سيارة، كانت متأكدة من أنَّهم في طريقهم للاستعباد. لكنَّهم التقوا بدلاً من ذلك المسؤولين الشيشانيين في المطار. وأكدت خيدا ساراتوفا، وهي واحدة من المشرفين على برنامج إعادة التوطين، صحة رواية مدينا، قائلة إنَّ مدينا وأطفالها نُقلوا جواً من قاعدة حميميم الجوية الروسية في سوريا.
والآن قديروف يستخدم الإسلام لخدمة مصالحه الخاصة.. هكذا يتملق الكرملين

تعيش مدينا وأطفالها في غروزني بملاذٍ مؤقت منحته لها الحكومة، عبارة عن شقة تعود إلى الحقبة السوفييتية في ضواحي العاصمة، وهي واحدة من المباني القليلة التي نجت من تدمير المدينة وتسوية مبانيها بالأرض خلال حربين منكوبتين من أجل الاستقلال عن روسيا. وذكرت ساراتوفا أنَّه في العام الماضي، أُعيدَت إلى الشيشان 13 امرأة من أصلٍ شيشاني وأطفالهن الذين بلغ عددهم 35 طفلاً، من بينهم مدينا وأطفالها. وقالت ساراتوفا: «يذهب الرجال للقتال مع داعش، لكنَّ النساء والأطفال غير متورطين في ذلك. لقد ارتكبوا خطأ باتباع هؤلاء الرجال إلى سوريا، وهم يعرفون ذلك». رمضان قديروف، الزعيم القوي للجمهورية الصغيرة الواقعة في شمال منطقة القوقاز الفيدرالية الروسية، يستخدم الإسلام لخدمة مصالحه الخاصة، من خلال إعادة بناء المساجد بسوريا؛ للقضاء تماماً على التشدد الإسلامي في الداخل. هذا هو مفتاح تَملُّق الكرملين، الذي يعتمد عليه في الحصول على الأموال وعلى درجةٍ كبيرة من الحكم الذاتي.
الغريب أن الشيشان تبدو أكثر رفقاً بالنساء من الدول الغربية
ويقول محللون إنَّ إعادة تأهيل الزوجات الشيشانيات اللاتي ضللن الطريق ووقعن في مخالب تنظيم داعش ترسل إشارةً على وجود بدائل للتطرف. مدينا من جانبها، أكدت أنَّها ممتنة لهذه المعاملة من قبل السلطات الشيشانية. وبالمقارنة مع برامج إعادة التوطين المماثلة بفرنسا أو المملكة المتحدة، فإنَّ الشيشان هي الأكثر رفقاً، لدرجة أنَّ مناطق أخرى في روسيا ترفض أن تحذو حذوها، وبدلاً من ذلك تقدِّم النساء للمحاكمة وتضع الأطفال في دور رعاية.
وهي لا تريد الذهاب لهولندا رغم أن أبناءها هناك
عندما فرت مدينا من الشيشان في عام 1999 إبان اجتياح القوات الروسية للجمهورية الانفصالية، توجهت مع أخواتها وأمها إلى مدينة ماستريخت في الطرف الجنوبي من هولندا. درست مدينا في ماستريخت علم النفس، وتزوجت هولندياً غير مسلم. وعندما توترت العلاقة بينهما، عادت للعيش مع والدتها، وبدأت تعمل في وظائف غير ثابتة ببعض المطاعم.
وللحظةٍ وجيزة، بدا في عينيها الحزن مع استرجاع ذكريات مزاحها بشأن بواخر ماستريخت على ضفاف النهر والتي كانت تبيع الحشيش، قبل أن تتحول نظرة عينيها لتصبح حادةً مرة أخرى.

وفجأة قالت: «لا أُريد رؤية هذا البلد مرةً أخرى».

وتُعامل
الحكومة
الهولندية مدينا كإرهابية مشتبه فيها. واتُّهمت في الصحافة الهولندية باختطاف الطفلين المولودين في هولندا الموجودين معها.

ولقد تركت أطفالها الأوسط في هولندا مع أمها، وقالت: «لا يمكنني أبداً أن أدخل هولندا مرةً أخرى، فأنا غير مُرحَّبٌ بي هناك».

تزوجت مدينا مرتين أخريَين، ولديها 7 أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و12 عاماً. وبينما تسرد أعمارهم، دخل الأطفال الذين كانوا معها، وضمنهم طفلان من زواجها الأول، مذعورين إلى غرفة المعيشة، حيثُ تجمعوا عند قدميها مختبئين تحت طيّات تنورتها الرمادية الطويلة للغاية. تنتقل مدينا في الحديث معهم من دون أي جهد بين 4 لغات: الهولندية والعربية والروسية والشيشانية.

«انظر إلى أطفالي.. إنهم يبدون عرباً، والصغير يبكي كلما سمع أصواتاً عالية»
كان زوجها الثاني مسلماً روسيّاً، والثالث تونسياً. وأشارت إلى أولادها الثلاثة الأصغر، وقالت بفظاظة: «هؤلاء أطفاله. انظر، هم يبدون عرباً، أليس كذلك؟». التقته في تركيا عام 2014، وغادروا معاً إلى سوريا بعد عام. عاشوا معاً في جميع أنحاء الأراضي الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش، من الرقة بالشمال إلى دير الزور في الجنوب. وأمضت العائلة معظم وقتها بمدينة «الطبقة» الواقعة على نهر الفرات. وتسبب أحد الانفجارات في تدمير جزء من منزلهم بمدينة «الطبقة»، خلال معركةٍ شديدة بين تنظيم داعش والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في النصف الثاني من عام 2016. وقالت مدينا: «كان أولادي ينامون على المرتبة؛ لذا كانوا بخير». لكنَّ عبد الله وإسحاق، طفليها الصغيرين المولودين في سوريا، كانا في الغالب بالقرب من تلك الجهة التي دُمِّرَت. وقالت عن طفلها عبد الله البالغ من العمر سنتين، والذي كان جالساً على الأرض يحاول لف لعبته الدوارة، إنه «عندما يسمع أصواتاً عالية، يبحث وينظر في كل مكانٍ حوله. وعندما يسمع الألعاب النارية، يبدأ في البكاء، ولا أستطيع إيقافه». عبد الله فتى نحيل بعيون تشبه الكستناء، ولا يزال سقيماً منذ فترة الاحتجاز التي قضوها في مخيم القامشلي بشمال سوريا. عندما وصل إلى الشيشان، كان وزنه نحو 5 كيلوغرامات تقريباً.
وهذا ما تفتقده فقط في سوريا
لا تقل مدينا إنَّها تفتقد سوريا، حيث لم يكن هناك الكثير الذي يمكن أن تراه. وقالت: «نحن نساء، كنا فقط نجلس في المنزل، ننجب الأطفال ونعتني بالمنزل والزوج». لكنَّها غالباً ما تتساءل عن مصير صديقاتها هناك، إذ كنَّ مجموعةً من النساء من ترينيداد وتوباغو، تشاركت معهن الكثير من الأحاديث المُضحكة والمواقف الطريفة. تمر ذكريات تلك الفترة التي قضتها معهن في داعش بذهنها كل صباح؛ إذ تتذكر تجربتها الممتعة المميزة عندما وصل برطمان حلاوة طحينية كتذكار عائلي لإحداهن من سوريا، وتناوبن عليه جميعاً، لتأخذ كل واحدة طبقة رقيقة منه للتذوق.
«لقد خدعونا ولكن أقر بأنها غلطتي»
عندما تحدثت مدينا عن كيفية وصولها إلى تركيا، ولماذا أخذت معها ابنيها الاثنين الأكبر سناً، في حين تركت أطفالها الأوسط بهولندا مع أمها، رفضت الخوض في التفاصيل. وأوضحت مدينا أنَّها ذهبت إلى تركيا لإجراء جراحةٍ عيون. وأصرّت على أنَّ زوجها التونسي لم يكن مقاتلاً، وأنَّ كليهما خُدع من مجنِّدي «داعش» الذين وعدوهما بحياةٍ أفضل. وقالت: «كان هذا خطأي. أخذتُ أولادي إلى سوريا».
ورغم أنها لا تكاد تعرف شيئاً في غروزني حالياً فإن هناك أمراً واحداً يسعدها
قد تكون العودة إلى المدينة التي نشأت بها أمراً مربكًا لمدينا، حيثُ كانت غروزني من قبلُ مجرد حجارة فقط، والآن تمتلئ بالحدائق المُنظَّمة بعناية شديدة والطرق المصقولة. وقالت مدينا إنَّها لا تستطيع التعرف على أي شيء في غروزني المُعاد بناؤها، والتي أصبحت تتخلل آفاق سمائها ناطحات السحاب المتلألئة. لكنَّ هناك شيئاً واحداً لم يتغير: «كنتُ أرغب دائماً في العيش ببلدٍ مسلم. وأريد أن يعيش أطفالي في بلدٍ مسلم».

كلمات دليلية
رابط مختصر