الرئيسية / أهم الأخبار / مدن عراقية تتمرّد على نمط الحياة الذي يفرضه المتشددون الشيعة والسنة

مدن عراقية تتمرّد على نمط الحياة الذي يفرضه المتشددون الشيعة والسنة

بغداد – تصرّ بعض الحواضر العراقية على التمسك بـ”فطرتها الدينية”، أو الاندفاع نحو رفض الهيمنة الدينية التي سادت بعد احتلال العراق عام 2003، بانتهاج أشكال مختلفة من “الإلحاد”، في تحدّ لتغوّل الإسلام السياسي داخل المجتمع.

ومنذ 2004، هيمنت تنظيمات الجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين والقاعدة وداعش، وجميعها تنقاد لنزعة دينية متطرفة، على معظم مراكز المدن السنية في وسط العراق وشماله وغربه، فيما أثرت منظمات على غرار جيش المهدي وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله، وسرايا الخرساني، تأثيرا كبيرا في المجتمعات الشيعية التي تقطن وسط العراق وجنوبه.

وتبدو مناطق كالمنصور وزيونة في العاصمة بغداد، وشارع الجزائر في البصرة جنوبا، معزولة عن سياق الاستقطاب الديني في العراق، إذ تشهد حياة من نوع مختلف، حيث تهيمن عليها الملامح المدنية وتشيع فيها مواكبة تطورات الموضة والتكنولوجيا والعمران.

ومنذ 2003، حاولت التنظيمات والمجموعات المتطرفة السنية والشيعية إضفاء صبغتها الدينية على المناطق التي تخضع لنفوذها، عبر استقطاب الشبان للالتحاق بصفوفها، وإرغام المعارضين عبر أساليب مروّعة.

ونجحت هذه الخطة في الكثير من المناطق، التي تحولت هويتها من الانفتاح المنسجم مع أعراف وتقاليد البلاد الشرقية إلى الانغلاق والانزواء، على غرار بعقوبة مركز محافظة ديالى، والموصل مركز محافظة نينوى، والحلة مركز محافظة بابل، فضلا عن أجزاء واسعة من العاصمة العراقية.

وبدا أن هذا النهج يهيمن في جميع محافظات وسط وجنوب وغرب العراق التي تتأثر بهذه المجموعات، لكن نهاية الحرب المركزية على تنظيم داعش كشفت عن وجه آخر لعدد من مناطق العراق، التي استعادت تقاليد الانفتاح، وفي بعض الأحيان بالغت في ذلك.

وتقاسم الشيعة والسنة في بغداد منطقتين هما؛ زيونة ومحيطها في جانب الرصافة، والمنصور ومحيطها في جانب الكرخ، لتكونا قبلة طلاب الموضة والصرعات الحديثة في الحلاقة النسائية والرجالية، وأحدث ماركات اللباس والعطور والسيارات.

وتظهر الكثير من النساء في المنطقتين وهن سافرات يرتدين اللباس الضيق والقصير، أو يقدن سيارات حديثة بعضها مكشوف، فيما يحرص الشبان هناك على استلهام أحدث قصات الشعر التي يضعها مصممون عالميون، ويرددون أغنيات غربية حديثة.

وبدا رواد هاتين المنطقتين غير عابئين بتحذيرات رجل الدين الشيعي، عامر الكفيشي، الذي يشغل موقعا قياديا في حزب الدعوة الحاكم، ويحرص على “التذكير” بمخاطر “العلمانية والمدنية” على المجتمع العراقي.
ويظهر الكفيشي كل يوم جمعة، من على قناة يملكها زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، للتحذير من خطر “تفشي العلمانية والمدنية في المجتمع العراقي”، مستشهدا بـ”الانحلال الذي يجتاح الجامعات في بغداد”.

ويتحدث الكثير من أفراد هذا الجيل الشاب لغة أجنبية أو أكثر، بسبب انتسابهم إلى مدارس أهلية تقدم تعليما حديثا وفق أنظمة دولية.

ويرتاد هؤلاء معارض فخمة تقدم أحدث مخرجات التكنولوجيا والملابس والتجميل وغيرها، فيما تسجل دور السينما الحديثة التي تعرض أحدث أفلام هوليود حضورا لافتا للعوائل البغدادية، التي باتت تقضي الكثير من وقتها خارج المنزل بعد تراجع التهديدات الأمنية إلى مستوى غير مسبوق.

وإلى أقصى الجنوب، حافظ شارع الجزائر في قلب مدينة البصرة على شكله التقليدي، حيث تظهر فيه نساء حاسرات وشبان يستقلون أحدث الطرز من السيارات، فيما تمتد على جانبيه متاجر تقدم خليطا من البضائع الأجنبية القادمة من مختلف الدول.

وبذلت أحزاب عراقية موالية لإيران جهودا كبيرة لفرض نموذجها الديني على البصرة، ومع أنها نجحت في الكثير من مناطق هذه المحافظة الغنية بالنفط إلا قلب البصرة، الذي حافظ على الكثير من عادات سكانه، التي يبدو أنها تتلقى دفعة كبيرة في عهد رئيس الوزراء حيدر العبادي.

وفي أحدث صور صعود النزعة المدنية في هذه المحافظة ذات الغالبية الشيعية، وصول شخصية تنتمي إلى المجتمع الليبرالي السياسي في العراق إلى منصب المحافظ، وهو أعلى سلطة تنفيذية محلية.

وبعدما كان محافظ البصرة السابق، ماجد النصراوي، ينتمي إلى المجلس الإسلامي الأعلى الموالي لإيران، تسلم هذا المنصب أسعد العيداني وهو قيادي في المؤتمر الوطني العراقي، الذي أسسه وتزعمه لسنوات السياسي العراقي الراحل أحمد الجلبي.
ويعتقد مراقبون أن الجزء المتحرر من المجتمع العراقي تلقى دفعة كبيرة في عهد العبادي، حيث سعت الدولة إلى ترسيخ حكم القانون، وسط ممانعة قوية من قبل الجماعات الدينية الشيعية والسنية، لكنهم لا يتوقعون اتساع نطاق التحرر في المجتمع العراقي بسبب النفوذ القوي الذي ما زالت تملكه أحزاب الإسلام السياسي.

واتسم المزاج العراقي عبر العصور بالتطرف، ما يجعل المبالغة سمة أساسية لحياة لم تعرف الاستقرار. لذلك يمكن أن تحدث، في الظروف العادية، المبالغة في المظاهر والاستعراضات الدينية كما يمكن أن تحدث في الدعوة لنبذ رجال الدين والسخرية من مروياتهم.

وقال مراقب سياسي عراقي لـ”العرب” إن الصورة الحالية مغايرة في ظرف استولت فيه أحزاب دينية متشددة على السلطة بكل ما تعنيه من قوة قمعية وأموال يمكن استعمالها لتسييس المجتمع دينيا.

وأشار إلى أن إقامة مجتمع يتبنى معادلة الحلال والحرام بدلا من القانون كانت تمهيدا مبرمجا لإقامة دولة الطوائف الدينية وهي جزء من مشروع إيراني يحظى بقبول وحماسة الأحزاب التي قامت بإضفاء طابع ريفي مبالغ فيه على الحواضر العراقية وفي مقدمتها كبرى مدنه “بغداد والبصرة والموصل التي تم تدميرها عن طريق صراع كانت واجهته دينية خالصة”.

ويضيف المراقب أن لا أحد في إمكانه أن ينكر نجاح الأحزاب الدينية في تطبيع الكثير من الظواهر الشاذة التي كانت ولا تزال غطاء مزدوجا للفساد وللاستقطاب الطائفي، وأن العراق بسبب كثرة المناسبات والعطل الدينية يكاد يكون بلدا متفرغا لإحياء ذكرى الأئمة والأولياء الصالحين.

ومن المعروف أن أموالا طائلة تهدر من أجل تلك الظواهر الشاذة بدلا من أن تنفق على قطاعي التعليم والصحة اللذين يشهدان انهيارا شاملا.

وإذا ما كان العراق في حاجة إلى بناء الملايين من الوحدات السكنية من أجل حل مشكلة السكن المتفاقمة فإن أموالا كان من الممكن أن تفي بالغرض ذهبت لبناء المزيد من الأضرحة الدينية والحسينيات التي تستعمل لبث السموم الطائفية.

ويقف العراق في مقدمة دول العالم من حيث عدد فضائياته الدينية. وفي عدد من رحلاتها تبث طائرات الخطوط الجوية العراقية قصة مقتل الإمام الحسين بدلا من الموسيقى الهادئة.

ويشدد المراقب على أنه بالتأكيد هناك مقاومة يدافع من خلالها المجتمع المدني عما تبقى من صفاته، غير أن تلك المقاومة لا ترقى إلى مستوى يمكن من خلاله توقع حدوث تغير إيجابي يعيد المجتمع العراقي إلى بعده المدني، في ظل إقبال التيارات السياسية المدنية على التحالف مع الأحزاب الدينية الذي يعني خضوعا نفعيا لمشروع تلك الأحزاب.

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مخلفات الحروب في العراق.. قاتل متخفٍّ فضحته السيول

بغداد- الخليج أونلاين (خاص) متكئاً على عكاز خشبي، يتحدث طه أبو علي (49 عاماً) بحسرة ...

%d مدونون معجبون بهذه: