كيف ساهمت شخصية محرم إينجه بجعل خسارة أردوغان لانتخابات الأحد في تركيا ممكنة؟

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 23 يونيو 2018 - 1:49 مساءً
كيف ساهمت شخصية محرم إينجه بجعل خسارة أردوغان لانتخابات الأحد في تركيا ممكنة؟

سيخرج الأتراك، يوم غد الأحد، إلى مراكز الاقتراع لانتخاب برلمان ورئيس جديدين للبلاد، وللمرة الأولى منذ 16 عامًا تقف المعارضة السياسية بكل أطيافها في تحدٍ مباشر مع الحزب الحاكم والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

ويعني ذلك أنه للمرة الأولى سيكون لدى الأتراك القدرة على رفع سقف تخيلهم في إنهاء حكم أردوغان كما يقول هذا المقال الذي كتبه لويس فيشمان وهو أستاذ مساعد بكلية بروكلين وعاش في تركيا.

ولا بد أن يرجع الفضل في رفع ذلك الحاجز النفسي إلى حزبي المعارضة القويين، حزب الشعب الجمهوري، لا سيما مع مرشحه محرم إينجه، وحزب “الخير” أو “الحزب الصالح”، الذي تقوده السياسية اليمينية القومية، ميرال أكشينار.

هذا الأفق السياسي الجديد على الساحة التركية يحيّد العقبة الرئيسة التي لطالما عرقلت المعارضة في البلاد، خاصة حزب الشعب الجمهوري منذ صعود نجم أردوغان وحزب العدالة والتنمية عام 2002 وهي شعور المعارضة باستحالة التغلب على أردوغان وإصابتهم بمتلازمة “لا يمكننا الفوز أبدًا”.

وتتسم هذه المتلازمة بالاعتقاد بأنه مهما حدث ومهما كانت مميزات حزب الشعب الجمهوري وأدائه القوي، فمن الحتمي أن تظل هذه المعارضة تعارض إلى الأبد.

ويكمن الوجه الأسوأ الآخر لمتلازمة “لا يمكننا الفوز أبدًا” في الخيار المشترك (بين أحزاب المعارضة) في الافتراض بأن أردوغان قوي إلى درجة لا يمكن قهره عبر صناديق الاقتراع، وأنه مهما كان سوء حكمه أو فداحة المشاكل الاقتصادية فهو، بشكل عام، خيار “جيد” للبلاد.

وبات واضحًا أن متلازمة “لا يمكننا الفوز أبدًا” كانت نتيجة واضحة لانتخابات عام 2002، عندما عاقب الناخبون الائتلاف الحاكم الذي كان مشكلًا من ثلاثة أحزاب بسبب عدم كفاءتهم.
وقلبت هذه الانتخابات السياسة التركية رأسًا على عقب، إذ تمكن حزبان فقط من تجاوز سقف 10% من الأصوات، وبالتالي فإن نسبة الـ 45% التي اختارت الأحزاب الأخرى أصبحت بلا قيمة.

وكان الحزبان المتصدران، الحزب الإسلامي المحافظ الجديد، الذي حصل على 34% من الأصوات وكان يؤيد آنذاك الاتحاد الأوروبي وسياساته، وهو حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان، والذي حظي بدعم ليس فقط من الناخبين المتدينين، لكن أيضًا من الليبراليين والمعارضين للعسكر، وكان (أردوغان)، خلال تلك السنوات، الخيار المفضل لدى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

أما الحزب الآخر فقد كان حزب الشعب الجمهوري، الذي كان يقوده آنذاك دنيز بايكال والذي حصل على 19% من الأصوات، وهو ما عُدّ آنذاك إنجازًا كبيرًا، وذلك بعد الوضع في الاعتبار أنه أخفق في تجاوز سقف النسبة المئوية في الانتخابات السابقة.

ولكن بعد هذا الصعود، استقر وضع حزب الشعب الجمهوري وثبتت أركانه، ويعود الفضل في ذلك جزئيًا إلى دوائر الناخبين المحتملين الذين استبعدهم الحزب من حساباته.

وعلى الرغم من أن مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة هو الذي أسس الحزب، إلا أنه كان له تاريخ طويل في استبعاد الأكراد والمسلمين المتدينين إلى جانب تيارات أخرى.

وسيستغرق حزب الشعب الجمهوري نحو عقد كامل من أجل إصلاح هيكله وتطوير أدواته، وعندما جرى انتخاب كمال كيلجدار أوغلو زعيمًا للحزب عام 2010، تمكن الحزب من توسيع قاعدته من 20% إلى 25%، لكنه منذ ذلك الحين لم يتمكن من تفكيك دعم أردوغان القوي، الذي ترواح منذ ذلك الحين من 42 إلى 49%، وعجز عن الخروج من وضعه الحالي.

بالتأكيد حقق أوغلو في السنوات القليلة الماضية بعض النجاحات، لكن حتى هذه الانتخابات لم يكن هناك شيء في حقيبة حزب الشعب الجمهوري للخروج من متلازمة “لا يمكننا الفوز أبدًا”، والأسوأ، بدا أحيانًا كما لو كانوا يشجعون هذا الشعور الانهزامي.

وكان أحد الأمثلة الواضحة على ذلك عندما ساعد كيليجدار أوغلو نواب حزب العدالة والتنمية في رفع الحصانة البرلمانية (عن بعض نواب المعارضة)، وهو الأمر الذي أدى بطبيعة الحال إلى اعتقال نواب من حزب الشعوب الديمقراطي ذي الأغلبية الكردية، من بينهم نواب شاركوا في تأسيس الحزب، منهم صلاح الدين دميرتاش، الذي يخوض السباق الرئاسي من وراء القضبان.

فهذا المثال، وكذلك المسار غير الواضح لكيليجدار أوغلو الذي ظهر جليًا لأول مرة في أعقاب محاولة الانقلاب عام 2016، الذي لم يؤد سوى لتعزيز موقف أردوغان وحكمه.

إذًا ما الذي تغير؟ أولًا، يمكن تلخيص الأمر في كلمتين: محرم إينجه. مرشح حزب الشعب الجمهوري للرئاسة، الذي يتمتع بشخصية جذابة ومتواضعة وحادة في الوقت ذاته، والذي يواصل الفوز بدعم تجمعات انتخابية حاشدة، ويحطم الأرقام القياسية لمشاهدات الجمهور عندما يجري مقابلة على شاشة التلفزيون، حتى بات حديث وسائل التواصل الاجتماعي في البلاد.
كل هذا جعله منافسًا قويًا لأردوغان لم يواجه الأخير مثله من قبل، ولم يفرض أي سياسي على أردوغان مثل هذا التحدي الذي فرضه إينجه.

ومن المفارقة أن محاولة أردوغان تشديد قبضته على السلطة، عندما غيّر الهيكل السياسي للجمهورية التركية عبر تحويلها إلى نظام رئاسي، يعتمد على منح صوت للرئاسة وآخر للحزب، سمحت للحزب الجمهوري بالخروج من متلازمة “لا يمكننا الفوز أبدًا”، وذلك لأن إينجه تمكن من تحرير نفسه من خيوط الحزب العريضة المقيدة والاستفادة من قوة شخصيته السياسية التي تميزه. فليس من الغريب أن يتمكن إينجه من الوصول إلى تلك الدوائر الانتخابية التي كان حزب الشعب الجمهوري يتجنبها خلال تاريخه الانتخابي.

لقد استمدت حملة إينجه من البدايات التي قدمها أردوغان بنفسه. فبعد 16 عامًا، يفتقد أردوغان بريقه، وتطغى مشاهد الاقتصاد المتعثر على نجاحاته بسرعة. وربما كان النجاح الأكبر الذي حققه إينجه هو إجبار أردوغان على البدء في محاولة اللعب بطريقة سياسات إينجه الخاصة نفسها، حتى على حساب إحداث تحول جذري في أجندة أعماله السياسية، التي قد يبدو خلالها شخصًا منافقًا أو نفعيًا أو ربما يائسًا.

فعلى سبيل المثال، وعد إينجه برفع حالة الطوارئ في تركيا إذا فاز في الانتخابات، ومما يثير الدهشة أن أردوغان حذا حذوه سريعًا. لكن بطبيعة الحال، إذا أراد أردوغان رفع التدابير الصارمة التي فرضت بعد الانقلاب الفاشل عام 2016، وهي التدابير التي منحته فرصة لحكم البلاد حكمًا سلطويًا وبلا منازع، كان بإمكانه القيام بذلك في أي وقت، لكنه اختار ألا يفعل ذلك.

كما فرض إينجه على أردوغان شكلًا آخر غير مألوف من أشكال الإذلال، وذلك من خلال التندر على الوعود التي وعد بها الأخير الناخبين بتنفيذها.

فعندما وعد أردوغان على نحو غريب بفتح مقاه مجانية تقدم القهوة والشاي والكعك للمواطنين الأتراك حال فوزه في الانتخابات، قال إينجه في تظاهرة باسطنبول مؤخرًا: “إذا كنتم تريدون كعكًا مجانيًا، صوّتوا لأردوغان. وإذا كنتم تريدون وظائف في مصانع ووظائف لأطفالكم، صوّتوا لي”.

وبخلاف عامل إينجه، ثمة حقيقة أن المعارضة قد توحدت أخيرًا في تحالف برلماني: حزب الشعب الجمهوري جنبًا إلى جنب مع الحزب الصالح بزعامة ميرال أكشينار، والحزب المحافظ الديني “السعادة” (البيت السياسي السابق لأردوغان)، ما سيسمح للحزبين الصغيرين بتجاوز العتبة الانتخابية.

وتعكف الأحزاب الثلاثة، فيما بينها، على تعزيز جاذبيتها للقطاعات المختلفة من الناخبين الأتراك، وعرض جميع الخيارات عليها.

ومثل اينجه ظلت أكشينار المرشحة للرئاسة ثابتة في حملتها الانتخابية فيما يأتي جانب كبير من نجاحها من خلال فشل حزب الحركة القومية الذي أفلسه زعيمه دولت بهشلي سياسيًا من خلال تحالفه مع أردوغان.

ومع ذلك فإن الأمل في التغيير الحقيقي لم يكن ممكنًا إلا من خلال وصول إينجه للأكراد، وهو أمر تم تعزيزه من خلال زيارة محرم أثناء تواجده بديار بكر لزعيم حزب الشعوب الديمقراطي المسجون صلاح الدين دميرتاس، وزوجته، حيث قوبل بالكثير من الترحيب والحماس.
ومن الضروري بالنسبة للمعارضة المناهضة لأردوغان أن يعبر حزب الشعوب الديمقراطي عتبة النسبة المؤهلة لدخول البرلمان، وفي الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية يصطف ناخبوه خلف إينجه كمرشحهم المفضل. ونتيجة لذلك تعهد بعض مؤيدي حزب الشعب الجمهوري بتقسيم أصواتهم، والتصويت لصالح حزب الشعوب الديمقراطي في البرلمان وإينجه كرئيس.
الجميع يتذكر انتخابات يونيو 2015 عندما تجاوز حزب الشعوب الديمقراطي العتبة، وفقد حزب العدالة والتنمية أغلبيته – لكن المعارضة فشلت في التوحد، وأدى ذلك إلى إعلان أردوغان عن إجراء انتخابات جديدة لإخراجهم من المعادلة. هذه المرة، يبدو أنه حتى الحزب القومي برئاسة أكشنار قد تم إقناعه بضرورة التفاهم التكتيكي مع حزب الشعوب الديمقراطي، رغم العداوة السياسية بينهما لأنه بدون هذا التفاهم فإن فرصة المعارضة في مواجهة حزب العدالة والتنمية في البرلمان غير موجودة.

فهل تصبح متلازمة “نحن لا نستطيع الفوز” من الماضي في صندوق الاقتراع هذا الأحد؟ وهل ستتحول الضجة التي تحيط بالمعارض المحبوب إينجه إلى أصوات صلبة؟ هل هناك فرصة لتضخيم شعبيته من قبل أولئك اليائسين لرؤية تركيا تعود إلى كونها دولة حرة ومفتوحة ومكانًا للتفاؤل والأمل؟

لا يتوقع أحد في المعارضة المعادية لأردوغان المعجزات ولكن مع الأخذ بعين الاعتبار ما بدا وكأنه مسار لا يمكن وقفه تجاه الحكم الذاتي من قبل أردوغان قبل أشهر فقط، فإن انتصار المعارضة في صندوق الاقتراع سيكون بالتأكيد مؤشرًا على أنه تحول مذهل وغير محتمل للأحداث.

كلمات دليلية
رابط مختصر