عازف العود العراقي رحيم الحاج لـ”العربي الجديد”: أحملُ بلادي أينما ذهبت … بغداد ــ زيد سالم

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 19 يونيو 2018 - 1:52 مساءً
عازف العود العراقي رحيم الحاج لـ”العربي الجديد”: أحملُ بلادي أينما ذهبت … بغداد ــ زيد سالم

يروي، رحيم الحاج، عازف العود العراقي حكايات بلاده التي أنهكتها الحروب، للآخرين في غرب الأرض، بموسيقى شفافة لا تعرف أي تبدل في المواقف، ولا تداري مصالحها الشخصية، عبر مؤلفاتٍ عديدة وأسطوانات حملت نكهة العراق. فلم يستطع الحاج الفكاك من الوطن على الرغم من ابتعاده عنه لأكثر من 25 عاماً، متنقلاً بين بلدان كثيرة، غربية وشرقية، حاملاً عوده وأوتاره، وينقل من مكان لآخر ومن محفل لثانٍ، جوع الأطفال وأثر القتال الدامي وقصص التطرف في البلاد، الذي أعقب الاحتلال الأميركي للبلاد في العام 2003. ووثق الحاج من خلال سلسلة أسطواناته مراحل سيرته الفنية، والتي لم تنفصل عن بلاده كثيراً، رغم هجرته وترحاله المتواصل، فمن أسطوانة “بغداد الثانية”، و”موسيقى عراقية”، و”صداقة”، و”حين تصفو الروح” و”الوطن ثانية”، وثّق مشاعر بلادٍ كاملة، حاربت ونزفت وما تزال تحارب وتنزف. بدأ الحاج رحلته الموسيقية، بهدوء وتأنٍ، ويقول: “عدتُ في زيارة إلى العراق، في عام 2004، فوجدت أن الطبيعة العراقية قد تبدلت وتغيرت، فتنهدتُ وعزمتُ على إكمال مشواري خارج البلاد، أحكي للناس تفاصيل الحالمين بالطيران خارج القفص، وأسرد من خلال عودي وأوتاري، قصة الحزن الأزلي في أرض السلام. فمزجتُ موسيقى الغرب الكلاسيكية بوجع أهل بلاد الرافدين، واستطعت بذلك، إقناع الملايين أن في العراق طيورا يرفسها الساسة الفاسدون”. ويقول في حوار مع “العربي الجديد”: “تأسَّستُ كموسيقي في سورية، بعد أن تركت العراق بسبب آرائي السياسية، في بداية تسعينيات القرن الماضي. وأضفى وجودي وعيشي في أميركا فرصة رائعة لأنشر العود هناك، بصبغة ولحن وحسٍ عراقي. لم أكن مهووساً بالشهرة أول انطلاقي، كان هاجسي الوحيد أن أصبح موسيقياً جيداً وهذا الأهم لدي حتى الآن. خلال عيشي في غرب الأرض، عملت على مشروع لم يخطر على بالٍ أحد من الموسيقيين العرب، أن أخلط الموسيقى الغربية الكلاسيكية بالمقامات الشرقية. كان أمراً شاقاً أن أقنع الغربيين بموسيقاي ولحني، فهم مهووسون بموسيقاهم، ولا وقت لهم بمعرفتي أو صناعتي”.

ويضيف: “أكملت دراسة الماجستير في الموسيقى، ودرست أصول الفن الغربي والموسيقى الكلاسيكية وتعرفت عن كثب على موسيقى بيتهوفن، والمؤلفين العالميين، وباشرت حينها خطواتي الأولى لمزج الشرق بالغرب، ولأن الغربيين يختلفون عن العرب، ففي أميركا مثلاً هناك اهتمام كبير بالموسيقى على عكس العرب الذين يهتمون للطرب. وهذا فرق كبير بين الثقافتين، فالثقافة العربية طربية أما الغربية فهي موسيقية، وهناك فرق بينهما”. ويكمل: “باشرت في البداية بتأليف رسائل موسيقية عراقية حقيقية، تحدثتُ من خلالها عن أشخاص عراقيين حقيقيين، شاهدتهم في آخر زيارةٍ لي للبلاد، فمؤلفتي “الطفل الراكض” كانت تحكي قصة رجلٍ من مدينة الثورة ببغداد، تم استهداف بيته بلغمٍ متفجر، من قبل مليشيات إسلامية، لأن الرجل كان يملك طيوراً عديدة، ويسميه البغداديون “مطيرجي”، وأدى الانفجار إلى فقده إحدى ساقيه. أهل العراق عاشوا فترات طويلة من الألم، من خلال هذه الفترات ترجمت قصصاً حقيقية بعجينة موسيقية، شرقية وغربية، حتى جعلت المواطن الغربي يستوعب قصتي أكثر مما لو كانت رواية مكتوبة”.

ويتابع “نجاحي في تجاربي الأولى، بمزج الثقافات داخل مقطوعات موسيقية موحدة، قادني في النهاية إلى تأسيس فرقة “الرباعي الوتري”، وهي المعادلة الأولى والأساس للموسيقى العربية. وأقتبس غالبية مؤلفاتي من العراق، فبلادي دائماً في قلبي، وموسيقاي كلها عن العراق، وطيلة الأعوام القاسية والطويلة، لم أستطع الفكاك من بلدي، وأحزن لأنه في حالة مخاض دائمة، فكل الأجيال كانت تعيش حالة حرب وقتال. كل شعوب الأرض تعيش لفترة محددة حالة الحرب، ثم تنتهي بعدها، إلا العراق، فلم يهدأ حاله منذ وقت طويل جداً”.

وعن السياسة وعلاقتها بالفن والموسيقى، يشيرُ الحاج إلى أن “الفنان يدخلُ السياسة رغماً عنه، فهو إنسان يهتمّ بكل المواضيع، يعيشُ الألم والرخاء والحب والغضب، لكنّه يتحدَّث بالسياسة بطريقة مختلفة عن السياسيين، ويطلق صوته بشكل مختلف، عبر أدواته الفنية الخاصة. كل شيء في العالم هو سياسة، لكن هناك فرق بين السياسي الذي يبعث الطمأنينة من خلال أعماله لتصبح أداة لتغيير العالم ليكون أفضل، وبين الذي يفسد في الأرض ويشعل النار في قش البلاد ويدفعها باتجاه الحرب”.

ويلفت إلى أنه “تعرَّض للنقد كثيراً كموسيقي شرقي يعزف في الغرب ألحاناً عربية ومقامات، لكنه وفي الوقت نفسه، أول موسيقي عربي يصل الى نيل جائزة “غرامي” الشهيرة، ولأكثر من مرة”. ويقول “كل همي أن أكون صوتاً عراقياً يمثل العراقيين، وأن أجعل العالم يشعرُ بالمنكوبين والنازحين والمهجّرين، ويشعرُ بخوف العراقية الخائفة على أولادها من السيارات الملغومة والمليشيات وداعش والساسة الفاسدين”.

وعن حياته خارج بلده، يبيّن: “يطلق الأصدقاء في المهجر عليَّ لقب (أبو دميعة) لأنني شديد الحساسية على أخبار بلدي، وأشتاقُ له كثيراً، لكن ماذا سأصنع إن عدت، فالموسيقى صارت حراما في بغداد، والذين أطلقوا لحاهم بعد أن كانوا قتلة، سيقتلونني مع أحلامي إن رجعت. لكنني عراقي عربي، أنتمي للعراق وحده، وليس لمذهب أو دين يجعلني بمعزل عن وطني”.

كلمات دليلية
رابط مختصر