الإسلاميين يعيدون الحزب الشيوعي إلى الساحة

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 25 مايو 2018 - 3:26 صباحًا
الإسلاميين يعيدون الحزب الشيوعي إلى الساحة

(لا يجوز الإنتماء إلى الحزب الشيوعي فإن ذلك كفر وإلحاد)، كانت هذه الفتوى المدوية التي صدرت عام 1961، لمرجع الطائفة الشيعية الأكبر، محسن الحكيم، وقد أدّت إلى ان يقتل الكثير من الشيوعيين ويواجهون مصير السجون والقمع، كما أستخدمت من قبل الكثير من السياسيين بوسائل شتى.

هدف الفتوى كان “قمع” هذا الحزب وإبعاده عن المجال السياسي الذي ضاق بهم واتسع للقوميين، ففي واحدة من كتابات محمد مهدي بحر العلوم، يقول: (المرجعية الحكيمية إنتصرت على قاسم والشيوعيين، ولكن القوميين إستفادوا من ذلك وصعدوا على أكتافنا ونحن الإسلاميين لم نلتفت إلا بعد فوات الأوان).

الفتوى كانت طريقاً لـ “قبر” الشيوعيين وابعادهم من الإطارين السياسي والإجتماعي، لتنتج فيما بعد حزبا شيوعيا لا يضم إلا الكبار والحرس القديم، وقليل من الشباب، لكن الإسلاميين في العراق، وحركات الإسلام السياسي، كانوا هم المساهم الأكبر في تقويض حجم هذا الحزب جماهيرياً و”شيطنته” داخل أروقة المدن التي كان يحتل بها مكانة كبرى.

شيوعيو الشتات والمنفى لم يستطيعوا أن يتحالفوا قبل 2003 مع أحزاب الإسلام السياسي أيام المعارضة، بل إن قوى المعارضة كانت تتعالى على التحالف معهم، حتى سقط النظام البعثي، ووصل أقطاب الإسلام السياسي إلى الحكم بعد الإحتلال الأميركي، فهذا عبد العزيز الحكيم، زعيم التحالف الوطني، والذي يشكل ثقلا رمزيا كبيرا في النظام السياسي، “يستهين” مرة على العلن بالحزب الشيوعي، حيث قال بأحد لقاءاته المتلفزة: “ان الشيوعية ظاهرة عابرة في العراق وفي طريقها الى الزوال”.

ليس هذا وحسب، بل أن حزب الدعوة الحاكم لم يقبل بأن يدخل الشيوعيون كعنوان حزبي في العملية السياسية، لكنه أراد أن يدخلون كأفراد، وهذا ما حدث مع حميد مجيد، ومفيد الجزائري، وهنا يدخلون في عباءة المحاصصة، كشيعة أو سنة أو كرد.

تلك التحولات والتغييرت الجوهرية في سياق الحزب وتأريخه والتخلي عن مبادئه التي آمن بها وروّج لها، جعل الحزب في وضع لا يحسد عليه، عندما خاض الانتخابات البرلمانية والمحلية في العراق، كان لا يحصل في أحسن حالاته إلا على مقعد واحد، وهذا ما يشير إلى أنحساره وعزلته الجماهيرية، وتحجيم دوره في وسائل التحشيد والسباق السياسي في المسار العراقي، فضلاً عن عزلة الحزب عن الشباب، ومكانهم في العراق، كون الشباب يمثلون الثقل الأكبر في المعادلة.

السياقات الثابتة في سلوك الحزب

لم يراجع الحزب نفسه في سياق نظري يتحوّل إلى الجوانب العملية لمحاولة إعادة إنتاج نفسه، فقيادته وكوادره، لديهم أشبه بـ”تهرب” من مسؤولية الجواب عن الانحسار الذي يعانون منه، حيث يعزوه غالبا، الى انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، في إشارة إلى وقوف التأريخ ونهايته عند انهيار من يمثل المعسكر الاشتراكي في العالم، لكن الأحزاب الشيوعية في العالم، أعادت إنتاج نفسها بطرق شتى، تشمل تغيير الخطاب والاسم والاهداف المعاصرة ووسائل الاستقطاب، لكنه هنا ظل بذات المنهجية التي خرج بها في ثلاثينيات القرن المنصرم، حتى أن الزائر لشارع المتنبي في بغداد لا يستغرب من رؤية الشيوعيين وهم يوزعون البيانات الورقية على زوّار المتنبي، وكأنهم في الستينيات عندما كانوا يقومون خفية بتوزيع الأوراق السرية، خشية من النظام البعثي، وفي واحدة من المقولات المشهورة لكريم مروة، المفكر اليساري، يعلق قائلاً: “اننا نطالب الإسلاميين بمراجعة أنفسهم ولكننا لا نفكر بمراجعة أنفسنا”.

علاقة الحزب الشيوعي بقيت سيئة مع أحزاب الإسلام السياسي، ومن يمثلها نظرياً، فهذا المرجع كاظم الحائري، أصدر فتاوى عديدة بتحريم التصويت للمدنيين والعلمانيين، إضافة إلى الهجوم الذي يقوم به رجال الدين من خلال عدة نوافذ على كل ما يرتبط بالأحزاب التي لا ترجع لمرجعية دينية.

الإسلاميين يعيدون الحزب إلى الساحة

دخل الحزب الشيوعي في انتخابات 2014 ولم يخرج بأي مقعد، بل بقي منعزلا من المعادلة السياسية بكل أوجهها الممثلة من الطائفة والدين والعرق، لكن التغيير الكبير الذي حل على معادلة الحزب الشيوعي وغيّر منها، هو تظاهرات 2015، والتي كانت تطالب بالخدمات وتغيير الواقع السياسي في البلاد، كانت عفوية ولا تمثل طيفا معينا أو نمطا حزبيا في الخارطة العراقية، إنما خرجت من صفحات “فيسبوك”، ومن آثار شمس تموز الحارقة، لكن دخول التيّار الصدري فيها جعلها بنمط معين، وفقدت الكثير من حظوظها في العلاقة مع العراقيين بشكل عام، لتتحول تدريجياً إلى تحالف معلن بين الحزب الشيوعي والتيار الصدري في ساحة التحرير، ولتنتهي في تحالف سيخوض انتخابات آيار 2018 بين تيار ديني وحزب علماني لا ديني، هو الحزب الشيوعي.

ذاتهم من “كفر” الشيوعيين واتهم بـ “الخيانة” يردون اليوم الاعتبار الى الحزب الشيوعي ويمكنوه من استعادة جزء من ثقله وتأثيره في القرارات السياسية الفاعلة في الساحة العراقية، كما يشير مراقبون، فقد حصل تحالف “سائرون” على المركز الأوّل في هذه الانتخابات، والشيوعي بات شريكا في مناقشة تشكيل الحكومة، ومصير البرلمان، والكتلة الأكبر، ومن سيكون بيضة القبان في المسار السياسي المقبل للعراق، مقتدى الصدر الذي ينتمي إلى ثقافة لا تحترم أيدلوجية هذا الحزب، ليكون الشيوعيون على اعتاب اقتراب من عمار الحكيم، الذي أعلن عن نيته التحالف مع الصدر، الحكيم، ذاته حفيد المرجع الذي قام بتكفيرهم، وابن عبد العزيز الحكيم، الذي كان يسخر منهم بعد 2003.

لكن تحالف الصدريين والشيوعيين وبحسب مراقبين، ربما سيؤدي إلى فقدان هوية الحزب الأيدلوجية التي قام عليها، وفقد الكثير من أجلها، ولعله سيواجه أزمة القيادة الهرمية التي يقوم عليها التيار الصدري، والتي تقتصر على شخص مقتدى الصدر، وأوامره ونواهيه لوحده، حيث شهدت دورات البرلمان السابقة، سحب الصدر كتلة الأحرار من العملية السياسية وفق ما يعرف بـ”الكصكوصة” واعادتهم إليها بنفس “الكصكوصة”، فهل سيواجه تحالف سائرون، ومنهم الفائزون من الحزب الشيوعي هذا المصير؟.

أيضاً، يعلم المراقب للشأن السياسي بسياقه البرلماني، أن الكيانات السياسية داخل مجلس النواب، يرسمها قادة الكتل، والمخولين من القادة السياسيين، فماذا سيفعل النواب الشيوعيون، والكبار في حسابات الحزب، مثل رائد فهمي، إن أرادوا تشريع قانون يتنافى مع ثوابت التيار الصدري وزعيمه مقتدى الصدر؟، هذا سؤال يطلقه نشطاء في الفيسبوك ومواقع التواصل الإجتماعي.

يرى مراقبون كذلك، ان الحزب الشيوعي يعيش الآن في نشوة النصر، بعد فقدانه الكثير من امتيازاته في السنوات السابقة، لكنه سيواجه مشاكل كثيرة ربّما بدأ بعضها قبل إجراء الانتخابات، حيث نقلت مصادر مطلعة، أن “رائد فهمي هدّد بالانسحاب، بسبب التقسيم المناطقي الذي فعله قادة التيار الصدري قبل الانتخابات، بهدف عدم ضياع الأصوات على الكيانات المتحالفة مع الاستقامة”، القائمة التابعة للتيار الصدري، ضمن تحالف سائرون، ما يشير إلى أن الحزب الشيوعي كان يعوّل على أصوات التيار الصدري، للحصول على أكثر مما حصل عليه في نتائج الانتخابات، وهذا تنافر وتقاطع بالمصالح في بداية المشوار، فماذا سيحدث في قادم الأيام؟، خصوصا وان سياق العراق هو توافقي، قائم على المصالح الطائفية والمكوناتية التي تهيمن على المشهد بشكل دائم، أم أن “سائرون” يمكن أن يكون عابراً لهذه المفاهيم فعلا؟ هذا هو سؤال المهتمين بالشأن السياسي العراقي، الذي لا يبدو أنه “بحسب خبراء” سيتخلص من مشهد المحاصصة فعليا.

كلمات دليلية
رابط مختصر