الإحساس بالذنب تجاه العراق لا يعني تجاهل الخطر الإيراني …بيتر فان بورين

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 23 مايو 2018 - 3:55 مساءً
الإحساس بالذنب تجاه العراق لا يعني تجاهل الخطر الإيراني …بيتر فان بورين

إيران مكان محفوف بالمخاطر هذه الأيام.. على الأقل في السيارة. فحركة المرور في المدن تسير مثل لعبة رص المكعبات (تترس) إذ يندفع السائقون بسياراتهم في أي فراغ يتسع للسيارة. وتبدأ المشاوير بحالة من الفوضى وتمضي وسط جو من الهرج. أما كيف تنتهي فتلك مشيئة الله على حد قول الجميع.

سافرت إلى إيران هذا الشهر لحضور مؤتمر عن الفلسطينيين والقدس والشرق الأوسط عموما انعقد برعاية مؤسسة غير حكومية مقرها في إيران. على هامش المؤتمر التقيت بطلبة من جامعة مشهد وجامعة الفردوسي ومعهد تعليمي للنساء والتقيت كذلك بباحثين قادمين من طهران.

وقبل رحلتي مباشرة أعلنت الولايات المتحدة الانسحاب من الاتفاق النووي ونقلت أثناء وجودي في مدينة مشهد الشمالية الشرقية السفارة في إسرائيل رسميا إلى القدس. وحظيت هذه الأحداث بمتابعة مكثفة في إيران مثل نتائج مباريات كأس العالم رغم خلوها من الاحتفالات التي (كان من المفترض أن) تصاحبها.

لم يكن من الصعب معرفة آراء الطلبة؛ فقد قال طالب مشيرا إلى السنة التي تم فيها توقيع الاتفاق النووي “ما الذي تريده أميركا منا؟ إرغامنا على التفاوض؟ لقد تفاوضنا واتفقنا فعلا في 2015”. وقال آخر “تغيير النظام؟ هل يدرك الأميركيون حتى أننا ننتخب حكومتنا هنا؟”.

وردا على استفساري عن الإيرانيين الذين أطاحوا فعلا بحكومة قبل 40 عاما قال أحد الخريجين “نعم أطحنا بالشاه. لكن لم يختره الإيرانيون بل نصبتموه أنتم. أيريد ترامب وبولتون (عادة ما يساء نطق اسمي الرئيس ومستشاره للأمن القومي معا) منا تغيير حكومتنا؟ ولِمَ تحسبون أننا سنفعل ذلك؟ ألأنكم تزيدون من الصعوبة التي نواجهها في شراء السلع الغربية؟”.

واشترك إثنان من طلبة الدراسات الأميركية -من المرجح أنهما في طريقهما إلى شغل مناصب حكومية- في ترجمة مصطلح محلي إلى ما معناه “من ذا الذي يمكنه أن يبحر بفلك في هذه المياه؟” وذلك عندما سئلا عما إذا كانت هناك عقوبات أكثر فطنة وأكثر تحديدا لما تستهدفه قد تدفع إيران إلى التفاوض على اتفاق جديد.

“من الذي سنوفده للمحادثات؟ المتشددون؟ لقد قال لهم ترامب لتوه إنهم كانوا على حق في 2015 عندما طالبوا بعدم الوثوق في أميركا”.

والمعلومات متاحة للإيرانيين بقدر معقول؛ فأدوات الإنترنت مثل شبكات “في.بي.أن” تحتال على العراقيل الحكومية. ولتطبيق انستغرام وموقع فيسبوك شعبية.

كما أن موقع رويترز.كوم الإخباري متاح علنا في الفندق الذي أقمت فيه.

وبوسعك أن تشاهد أحدث أفلام الأبطال الخارقين على أقراص بلو راي مهربة. ويعتبر الحظر الساري على تطبيق التواصل الاجتماعي الشائع انستغرام مجرد وسيلة إزعاج لجعل “الكبار” يشعرون بارتياح، وربما في هذا إشارة إلى المتشددين. ورغم الحقائق، كثيرا ما تخطئ الاستنتاجات؛ ففتح دور السينما في السعودية هو استخدام الغرب للثقافة للتعدي على الأخلاق أو “نشر ثقافة هوليوود”.

ويقال إن الجنود الإسرائيليين يبثون مواد إباحية لبيوت المسلمين. ومن المعتقد أن أحد أقطاب صناعة الإعلام المعروفين في الغرب ينتج سرا أفلاما يستغل فيها الأطفال في مشاهد جنسية باللغة الفارسية. وإسرائيل تحرك السياسة الخارجية الأميركية كما أن جماعة مجاهدي خلق الإيرانية المنشقة المكرسة لتغيير النظام تختفي وراء كل شجيرة (جون بولتون مرة أخرى).

عبر الطلبة عن تخوف متواصل من رغبة الولايات المتحدة في تدميرهم، ومن أن أميركا تريد منذ ما قبل ولادتهم بعقود أن تقضي عليهم. هؤلاء الطلبة يعرفون الولايات المتحدة جيدا وفي الوقت نفسه مرعوبون منها

وأميركا تطالب بعالم أحادي القطب تُستبعد منه إيران. وليس من قبيل المصادفة أن القرارات الأميركية المؤيدة لإسرائيل ألقيت على وجوه المسلمين مع بداية شهر رمضان الكريم. ولا معنى للدور القوي الذي لعبته السياسة الداخلية الأميركية في نقل السفارة الأميركية إلى القدس كما أن الوعي ضئيل بنفوذ كتلة الناخبين الإنجيليين. وبدلا من ذلك تصبح أفعال واشنطن دليلا على كل شيء.

وإيران بلد يتعرض للاعتداء. والجهود الإيرانية للتواصل مع الولايات المتحدة تقابل بالتعتيم، وانقضاء الوقت بين محاولة التواصل والتعتيم عليها ليس إلا مقياسا لدرجة الازدواجية. وعبر الطلبة عن تخوف متواصل من رغبة الولايات المتحدة في تدميرهم، ومن أن أميركا تريد منذ ما قبل ولادتهم بعقود أن تقضي عليهم. هؤلاء الطلبة يعرفون الولايات المتحدة جيدا وفي الوقت نفسه مرعوبون منها.

جلس كثيرون معي في غرفة هادئة في الجامعة التي تستمد اسمها من شاعر قديم ذائع الصيت وأبدوا تخوّفهم من أن أميركيين آخرين سيأتون يوما ما وسيقتلونهم.

وفي الخارج في مدينة مشهد لم تخرج مظاهرات ولم يتم حرق أعلام. وعندما زرت المسجد المركزي هناك بعد صلاة الجمعة كان الناس مهتمين بالتقاط صورة مع أجنبي أكثر من اهتمامهم بأي شيء آخر. غير أن هذه مدينة دينية وموطن الضريح المقدس للإمام الثامن، ومن واقع ما دار من أحاديث في حفلات الاستقبال وخطاب أُلقي في المؤتمر وخطبة حماسية في المسجد المركزي اتسمت نبرة رجال الدين بالخشونة.

ونظر إليّ شخص من رأسي إلى أخمص قدمي وكأنني وجبة غير شهية قبل أن يشرح بكل أدب أن الهدف من حرق العلم الأميركي هو “القضاء على الدولة”.

وعلى جدار خلفه علقت صورة لتمثال الحرية وهو يحمل شمعدانا يهوديا وصورة أخرى تبين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في السجن وفي خطبة تلهب المشاعر قال أحد رجال الدين المهمين إن تكتلا من إيران والصين وروسيا قادر على تحطيم الاتحاد الأوروبي. والبنوك الصهيونية تسيطر على الإعلام. وتوجد دكتاتورية في الأمم المتحدة وفي هوليوود وصندوق النقد الدولي.

وتحدث مسؤولون من وزارة الخارجية الإيرانية عن شعور عميق بالإحباط لعدم وجود أميركيين للتحدث معهم غير واثقين من السبب الذي يجعل الولايات المتحدة تتشكك بعد 40 عاما من الثورة في شرعية الدولة الدينية المركبة في إيران واستقرارها.

وقال دبلوماسي أكبر سنا إن الغضب على واشنطن مثل الشعور الوهمي بالحكة الذي يشعر به من فقدوا أطرافا من بقايا ماض محصورة في الحاضر، شعور بالحكة ما من سبيل للتخلص منه. ويسأل وهو يشير بذراعه “هل تريد أن يفشل كل ذلك؟ يبدو أن الأميركيين في كل مكان توقفوا عن المحاولة”.

إيران طريق حرير غريب؛ فالهواء بالنسبة لي مزيج من روائح نبات زهر العسل والزعفران وعوادم الديزل. وباستثناء المشروبات الخفيفة الأميركية المنتشرة في كل مكان والمحصنة بطريقة ما من العقوبات (وتُطلب هنا وفقا لألوانها فالأحمر للكوكاكولا والأبيض لمشروب سبرايت والبرتقالي لمشروب الفانتا)، لا توجد منتجات أميركية تذكر تزاحم الأسماء الصينية إلى جانب إل.جي وبيجو وسامسونغ وسوني.

المعروضات حديثة ونظيفة بشكل غير عادي لكنها في الوقت نفسه مستعملة وعندما تدقق النظر يتبين أنها مرقعة وفي الكثير من الأحوال خضعت للإصلاح. والماضي حاضر في اللافتات والرسوم الجدارية سواء الماضي القديم منذ 5000 سنة أو صور الثورة الأحدث.

ومن السذاجة الاعتقاد في أن مكانا بتعقيد إيران يمكن أن يكشف عن نفسه في زيارة قصيرة غير أن من قابلتهم اعتبروا ذلك مهمتهم. وقد جعلوني مهموما أحاول تهدئة مخاوف الطامحين الذين يبدون الآن معزولين عن الطموح في الوقت الذي يسد فيه ممثلون رديئون في واشنطن وعلى المستوى المحلي ثغرات التفاهم. وقال أحد الباحثين “مستقبلنا منسي بالفعل”.

وخارج جامعة الفردوسي تكدس عدد من الطلبة في سيارة أجرة وانطلقوا وسط حركة المرور المسعورة. أنت تودع الناس هنا على أمل أن يصل كل إلى الوجهة التي يحتاج إلى الوصول إليها وذلك لأن قيادة السيارات بطيئة دائما وخطرة في الكثير من الأحيان. ويقول الكل إنها مشيئة الله.

كلمات دليلية
رابط مختصر