إيران تحت مرمى النيران الأمريكية

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 23 مايو 2018 - 3:53 مساءً
إيران تحت مرمى النيران الأمريكية

واشنطن – يدشن الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بشأن الاستراتيجية الأميركية حيال إيران تحولا تاريخيا لافتا في مسار العلاقة بين واشنطن وطهران منذ قيام الجمهورية الإسلامية، كما يدفع إلى إعادة تموضع دولي حيال الأزمة مع إيران بناء على المعطى الأميركي الجديد.

وحدد بومبيو، الإثنين، 12 مطلبا من إيران من بينها وقف تخصيب اليورانيوم وعدم السعي لإعادة معالجة البلوتونيوم وإغلاق مفاعل الماء الثقيل. وقال إن على إيران الإعلان عن كل الأبعاد العسكرية لبرنامجها النووي ووقف هذا البرنامج تماما وبشكل يمكن التحقق منه.

ويرى مراقبون أميركيون أن الاستراتيجية التي كشف بومبيو النقاب عنها متعددة الأغراض تستهدف إجراء تغييرات شاملة على سلوك إيران ابتداء من التخلي عن برنامجها النووي حتى الانسحاب من الحرب الأهلية السورية. وفي أول كلمة رئيسية له منذ تولي

منصبه قال بومبيو “ألم العقوبات سيزيد إذا لم يغير النظام المسار غير المقبول وغير المثمر الذي اختاره لنفسه وللشعب الإيراني”. وأضاف “ستكون هذه أقوى العقوبات في التاريخ”.

ويتسق مضمون خطاب بومبيو تماما مع فحوى خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 9 مايو الجاري والذي أعلن فيه انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع مجموعة خمسة زائد واحد في فيينا عام 2015.

وبدا واضحا أن بومبيو أراد إفهام من لم يفهم موقف ترامب، أن بلاده عازمة على فرض “أقوى العقوبات في التاريخ” على إيران والتعهد “بسحق” عملائها في الخارج، مؤكدا لمن يهمه الأمر، حلفاء وخصوما، أن الإشكالية ليست محصورة في الاتفاق النووي بل في ما تشكله إيران من خطر على العالم.

وطالب وزير الخارجية الأميركي بتغييرات شاملة تجبر إيران فعليا على الكف عن مد نفوذها العسكري والسياسي عبر الشرق الأوسط حتى شواطئ البحر المتوسط. وقال بومبيو إنه إذا نفذت إيران التغييرات الرئيسية فإن الولايات المتحدة مستعدة لتخفيف العقوبات وإعادة تأسيس علاقات دبلوماسية وتجارية كاملة معها ودعم إعادة اندماجها في النظام الاقتصادي العالمي.

واشنطن جادة
على الرغم من المضمون الناري المتشدد لخطاب بومبيو رأى فيه بعض المراقبين أعراض المقاربة التي استخدمتها واشنطن مع كوريا الشمالية. واعتبر هؤلاء أن واشنطن جادة في تهديداتها كما هي جادة في إيجاد تفاهم مّا مع إيران على النحو الذي قد يحصل في القمة المرتقبة في سنغافورة بين الرئيس الأميركي وزعيم كوريا الشمالية.

بومبيو وصف قائد العمليات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني بأنه واحد من أكبر مثيري المشاكل في الشرق الأوسط

وقال بومبيو إن واشنطن مستعدة لرفع العقوبات إذا رأت تحولا ملموسا في السياسات الإيرانية. وعلى الرغم من أنه من الصعوبة تلمّس استجابة إيرانية سريعة لشروط واشنطن سيبقى نموذج كوريا الشمالية مرجعا لاستشراف مآلات الأزمة الحالية مع إيران وبناء على نجاح أو فشل الصفقة المتوخاة بين واشنطن وبيونغ يانغ قد تتقرر الوجهات المقبلة للمواجهة الأميركية الإيرانية.

وأشار بومبيو بصفة خاصة إلى السياسة التوسعية لإيران في الشرق الأوسط من خلال دعم جماعات مسلحة في دول مثل سوريا ولبنان واليمن. وحذر من أن واشنطن “ستسحق” عملاء إيران ووكلائها في الخارج وطالب طهران بسحب القوات التي تعمل تحت قيادتها من الحرب الأهلية السورية التي تقف خلالها في صف الرئيس السوري بشار الأسد.

وجاء رد فعل طهران متوقعا خصوصا أن لهجة بومبيو لا تترك مجالا إلا للرد الإيراني العاجل ضد الشروط الأميركية بصفتها وصفة لإسقاط النظام. ورفض الرئيس الإيراني حسن روحاني مطالب بومبيو. ونقلت وكالة العمال الإيرانية للأنباء شبه الرسمية عن الرئيس الإيراني قوله “من أنتم لتقرروا لإيران والعالم ما ينبغي فعله؟”. وأضاف روحاني “عالم اليوم لا يقبل أن تقرر أميركا ما يجب على العالم فعله لأن الدول مستقلة (…) انتهى ذلك العصر (…) سنمضي في طريقنا بدعم أمتنا”.

ولم يدعُ خطاب بومبيو بصورة صريحة إلى تغيير النظام الإيراني لكنه حث الشعب الإيراني أكثر من مرة على عدم تحمل زعمائه وخص بالاسم روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف. وقال بومبيو “وفي نهاية المطاف سيكون على الشعب الإيراني اختيار من يتزعمه”.

ونسبت وكالة أنباء العمال إلى إسماعيل كوثري نائب قائد قاعدة ثارالله في طهران قوله “شعب إيران سيقف صفا واحدا في وجه ذلك وسيوجه لكمة قوية إلى فم وزير الخارجية الأميركي وكل من يدعمه”.

ووصف بومبيو قائد العمليات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني بأنه واحد من أكبر مثيري المشاكل في الشرق الأوسط. ورد عليه كوثري بأن الشعب الإيراني يدعم سليماني. وأضاف “سليماني ليس وحده؛ شعب إيران العظيم يدعمه”.

اطلعت طهران من خلال خطاب بومبيو على خارطة طريق واضحة المعالم لإسقاط النظام، وما يثير قلقها هو أنها لا تثق بقدرة البلدان الرئيسية الأخرى -لا سيما روسيا والصين والاتحاد الأوروبي- على التخفيف من الاندفاع الأميركي.

ويضيف هؤلاء أن قسوة العقوبات الأميركية المقبلة والتي تتوعد بعزل إيران عن الشريان الاقتصادي والمالي الدولي، ستقود إلى تفجر الأورام الداخلية التي ظهرت أعراضها في المظاهرات التي اندلعت في العشرات من المدن الكبرى في إيران في شهري ديسمبر ويناير الماضيين.

ولفتت مصادر أميركية إلى أن خطاب بومبيو يعبر لأول مرة عن إدارة أميركية منسجمة بعد التعيينات الجديدة لبومبيو وزيرا للخارجية وجون بولتون مستشارا للأمن القومي وجينا هاسبل مديرة لوكالة المخابرات المركزية.

وأضافت المصادر أن ما صدر عن وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بشأن درس اتخاذ إجراءات جديدة ضد إيران يعبر عن تناغم وزير الدفاع جيمس ماتيس مع توجهات الإدارة الجديدة حيال إيران. وقالت الوزارة إنها ستتّخذ كل الخطوات الضرورية لمواجهة السلوك الإيراني في المنطقة وستبحث ما إذا كان ذلك سيتضمن إجراءات جديدة أو تشديد الإجراءات القائمة.

ويأتي خطاب بومبيو ليضاعف من حالة الإرباك لدى الاتحاد الأوروبي لجهة الموقف الذي سيتخذه للموازنة بين تحالفه مع الولايات المتحدة وموقفه المتمسك بالاتفاق النووي مع إيران. ويبدو واضحا أن الأمر قد يعرقل المساعي الأوروبية لفسح المجال من خلال الحوار أمام مفاوضات جديدة مع طهران بغية تطوير الاتفاق النووي وتوسيعه ليشمل الملفات الأخرى التي تراها واشنطن عاجلة وتستدعي حلولا فوريّة.

وسيخوض بومبيو معركة شاقة لإقناع الحلفاء الأوروبيين بالتوقيع على “الخطة البديلة” للإدارة الأميركية بشأن إيران بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي.

وقال الاتحاد الأوروبي في بيان “إن كلمة الوزير بومبيو لم توضح كيف أن الانسحاب من الاتفاق النووي سيجعل المنطقة أكثر أمنا من تهديد الانتشار النووي أو كيف سيجعلنا في موقف أفضل للتأثير على سلوك إيران في أمور أخرى خارج نطاق الاتفاق. لا يوجد بديل عن الاتفاق النووي”.

وترى مراجع مراقبة أن رد الفعل الإيراني والسوري والروسي جاء متوقعا بناء على مصالح ومواقف هذه الأطراف وأن الأمر ما زال مبكرا لتسجيل تحوّلات كبرى تحتاج إلى الوقت كما إلى الجهد الأميركي لتسويق الاستراتيجية الجديدة وجمع الشركاء حولها.

وأضاف هؤلاء أن التنسيق الأميركي الأوروبي مستمر والموقف الذي أعلن عنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول ضرورة خروج كافة القوات الأجنبية من سوريا يلاقي -من الناحية الشكلية- دعوة واشنطن إلى سحب القوات الإيرانية من هذا البلد.

ولم يستبعد مدير قسم آسيا الثاني في وزارة الخارجية الروسية، ضمير كابولوف، أن تقود التصريحات الأميركية “القوية” إلى تشديد مواقف طهران إزاء عدد من الملفات الإقليمية.

وأشار إلى أن المسؤولين الأميركيين لا يفهمون على ما يبدو أنهم بأساليبهم المتشددة هذه “يؤلبون الشعب الإيراني بأجمعه ضدهم”.

وأضاف كابولوف “وحتى هؤلاء الناس في إيران الذين يختلفون مع القيادة الحالية ولا يؤيدونها، يمكن أن يقفوا إلى جانب حكومتهم في ظل هذ الوضع”.

تصعيد ضد الحرس الثوري
في أحدث تطور ضمن الإستراتيجية الأميكرية الجديدة للتعامل مع أنشطة إيران في دول المنطقة، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الثلاثاء، فرض عقوبات جديدة على خمسة إيرانيين قالت إن لهم صلة بأنشطة الحرس الثوري الإيراني.

وقالت الوزارة في بيان على موقعها، إن العقوبات تستهدف الإيرانيين محمود باغري كاظماباد، ومحمد أغا جعفري، وجواد بوربار شيرامين، ومحمد سيد علي طهراني، ومهدي آزاربيشه. وأضافت أن “المستهدفين لهم صلة بأنشطة الحرس الثوري الإيراني، وببرامج الصواريخ الإيرانية الباليستية”.

وأوضحت أن أنشطتهم مكنت الحوثيين من استهداف مدن سعودية ومنشآت نفطية، كما عرقلت جهود الإغاثة في اليمن وهددت حركة الملاحة البحرية الإقليمية. وقال وزير الخزانة ستيفن منوشن في البيان “إن الولايات المتحدة لن تحتمل الدعم الإيراني للحوثيين الذين يهاجمون شريكتنا الوثيقة، السعودية”.

ودعا دول المنطقة لأن تكون “على أهبة الاستعداد لمنع نظام طهران من إرسال الأفراد والأسلحة والأموال دعما لأذرعها في اليمن”. وجاء في البيان أنه نتيجة لهذه الإجراءات، تم حظر جميع ممتلكات الأشخاص الخاضعين للعقوبات الأميركية. ويحظر عموما على الأشخاص الأميركيين الدخول في معاملات معهم.

كلمات دليلية
رابط مختصر