«الشيوعي» العراقي: من «الرفيق فهد» إلى مقتدى الصدر

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 21 مايو 2018 - 10:01 صباحًا
«الشيوعي» العراقي: من «الرفيق فهد» إلى مقتدى الصدر

بغداد | نال «تحالف سائرون»، المدعوم من مقتدى الصدر، 54 مقعداً، متصدّراً القوائم الفائزة في الانتخابات. ركيزة التحالف المكوّن من 6 «كيانات»، حزبان اثنان: الأوّل «الاستقامة الوطني»، وهو حزبٌ أسّسه الصدر؛ أما الثاني فـهو «الحزب الشيوعي العراقي». ثمّة مسارٌ طويل قضى بانتقال الحزب اليساري إلى نقطة التقاء بـ«التيّار الصدري». مسارٌ بدأ مع احتجاجات 2015، وانتهى بتحالفٍ انتخابي، أثمر مقعدين فقط لحزبٍ عمره أكثر من ثمانين عاماً.
منذ تأسيسه عام 1934، وعلى مدى ثمانية عقود، ظلّ «الحزب الشيوعي» جزءاً أساسياً من المشهد السياسي (يُعد يوسف سلمان يوسف «الرفيق فهد»، أحد أبرز المؤسسين). إذ أدّى ــ طوال تلك الفترة ــ أدواراً عدّة، بدءاً من التنظيمات السريّة في «العهد الملكي» (1932 – 1958)، إلى قيادة الثورة في «العهد الجمهوري» (1958 – 1968)، وصولاً إلى تحالفه التاريخي مع «حزب البعث»، فيما عُرف بـ«الجبهة الوطنية التقدمية» (1973). «الشيوعي» إلى جانب «البعث» و«حزب الدعوة الإسلامية»، يُعَدّ من أبرز التنظيمات المؤثّرة في تاريخ العراق المعاصر. إلا أن ما ميّز تاريخ «الشيوعي» عن «شقيقيه» الآخرين، تمثيله للمكونات العراقية المهمشة، كجزءٍ من الدفاع عن هويتها التي تعرّضت للتهديد خلال تصاعد المدّ القومي، منذ تأسيس الدولة العراقية وانتهاءً بدولة البعث الأخيرة. يُضاف إلى ذلك، أن «الشيوعي» مثّل رافعةً دائمة للمعارضة السياسية طوال تاريخه المعقّد، ولم يشذّ عن ذلك حتى بعد تشكيل أوّل حكومة جمهورية بعد «ثورة تموز» (1958)، رغم دوره الكبير في قيادتها. فلم يُكتب لأقدم أحزاب اليسار العربية، أن شارك في السلطة حتى بعد إطاحة نظام صدام حسين (نيسان 2003)، خلافاً لـ«البعث» و«الدعوة»، اللذين توليا السلطة قبل 2003، وبعدها.

السكرتير العام للحزب لـ«الأخبار»: مقتنعون تماماً بهذا التحالف وبنتيجته

تعرّض «الشيوعي» لانشقاقات قاسية بعد حملة القمع الدمويّة التي قادها ضدّه «حزب البعث العربي الاشتراكي» بعد انقلاب 1968، والتي انتهت بتدجين الأوّل وانخراطه في تحالف غير متكافئ مع حزب يقوده صدام حسين من «وراء الستار». إذ بعد هذا التاريخ، أخذت مظاهر الانشقاق في الاتساع بعد هروب قيادات حزبية إلى الشمال العراقي أو خارجه. كذلك شكّل الموقف من الحرب العراقية ــ الإيرانية، أحد أقسى محركات التشظّي التي امتدت إلى الموقف من غزو صدام للكويت، وفرض الحصار الدولي، ومن ثم الموقف من احتلال العراق في 2003، والمشاركة في «مجلس الحكم» المشكّل من «سلطة الائتلاف المدني»، بقيادة بول بريمر.
ورغم أخطائه السياسية، التي أسهمت بشكلٍ أو بآخر في إنهاء التعددية السياسية وإحكام «البعث قبضته» على السلطة نهاية السبعينيات، إلا أن «الشيوعي» حافظ على موقعه كجزءٍ من «النوستالجيا» العراقية، لحقب الانفتاح والتنمية، والتعددية السياسية.

بعد 2003
في تموز 2003، شكّل الاحتلال الأميركي «مجلس الحكم»، وأُتيح للحزب أن يكون شريكاً فيه، ممثلاً بسكرتيره حميد مجيد موسى، الذي احتُسب على المكوّن الشيعي، رغم نفيه المتكرّر لذلك حتى الساعة.
ورغم مماشاة الحزب للمحتلين وانغماسه الكلّي في البحث عن كرسي هنا أو هناك، فشل «الشيوعي» في حجز مواقع وازنة له ضمن تشكيلة حكومات وبرلمانات ما بعد 2003، مقتصراً على تمثيل متواضع في البرلمان الأوّل، وحكومتي إبراهيم الجعفري (2005) ونوري المالكي (2006). هذا الإخفاق المتكرر، دفعه كي يستدير ويتبنّى الاحتجاجات الشعبية الموسمية، التي بدأت بوادرها بالتصاعد خلال ولاية المالكي الثانية (2010).
معتمداً على خبرته الطويلة في العمل مع منظمات المجتمع المدني، وتحالفه الوثيق مع الأحزاب الكردية الحاكمة في «إقليم كردستان»، تحوّل الحزب إلى واجهة لمعارضة أحزاب «الإسلام السياسي» التي تولّت السلطة في «عراق ما بعد صدام». ونجح بتعويض بعض إخفاقاته السياسية عبر تزعمه الاحتجاجات ذات الطابع المطلبي، والتي فضّل خلالها رفع شعار «المدنيّة» تجنّباً منه لاستفزاز الأحزاب الإسلامية.
بعد حقبة النشاط المدني، قرّر «الشيوعي» خوض انتخابات 2013 المحليّة وانتخابات 2014 البرلمانية ضمن تحالف «التيار المدني الديموقراطي»، الذي ضمّ بالإضافة إلى اليساريين معظم القوى الليبرالية والعلمانية، لكنه لم يسجلّ حضوراً لافتاً فيها. ويعزى الفشل في تحقيق مكاسب واضحة، طوال الفترة الماضية، إلى عدم بلورة «الشيوعي» لرؤيةٍ وطنية إزاء مختلف القضايا الحاسمة، وتماهيه شبه الدائم مع موقف الأحزاب الكردية التي ترفع شعار الانفصال عن العراق، وحقّ تقرير المصير، التي كان آخرها موقفه المتردّد والموارب في إدانة قرار «الاستفتاء»، الذي أجرته حكومة «الإقليم»، في أيلول الماضي.
شكّلت احتجاجات 2015، ضد حكومة حيدر العبادي، نقطة التقاء «الشيوعي» بـ«التيّار الصدري». وجد الأوّل بتحالفه مع الأخير، فرصةً تاريخية لحمايته من القمع والتضييق اللذين تعرّض لهما خلال حقبة المالكي. كذلك إن التحالف مع تيّارٍ ديني مؤثر في الساحة العراقية، سيمنحه شرعية باستطاعتها محو آثار فتوى تكفيره التي أصدرها المرجع الشيعي الأعلى محسن الحكيم، في ستينيات القرن الماضي.
بدوره استثمر الصدر تقاربه مع «الشيوعي» لتصفير تاريخه العنيف بعد إطاحة نظام صدام. كذلك منح هذا التحالف التكتيكي للصدر انتقاداتٍ لاذعةٍ من خصومه، فشكّلت له دافعاً قويّاً، ونجحت بإخراجه من دائرة المناكفات السياسية الضيّقة، ووضعه في الإطار الوطني الذي يلتقي فيه مع العلمانيين وحتى الشيوعيين.

وبعد أعوامٍ من إدارته للاحتجاجات الشعبية من «وراء جُدُر»، وجد «الشيوعي» في تحالفه مع الصدر فرصة مغرية لاستعادة دوره السياسي التاريخي، فعزّز الجانبان تفاهماتهما، متجاوزين الاحتجاجات الأسبوعية، التي كانت تخرج أياّم الجمعة في العاصمة بغداد وبعض المحافظات، إلى إطارٍ تنسيقي لبناء تحالف سياسي، يخوض انتخابات 2018.
أغرى التنظيم الصارم لجمهور الصدر، والخبرة التي راكمتها ماكينته الانتخابية، «الشيوعي»، وقادته إلى التنصل من حلفائه السابقين في الوقت الضائع من تسجيل التحالفات في شباط الماضي. ففي الوقت الذي انخرط فيه «الشيوعي» بإبرام تحالفه مع طيف القوى المدنية والليبرالية ضمن «تحالف تقدّم»، إلا أنه سرعان ما صدم حلفاءه بالانسحاب السريع والمفاجئ، والانضمام إلى «تحالف سائرون»، الذي أسّسه الصدر بعد أن حلّ كتلة «الأحرار». وبعد أن كانت آمال «الشيوعي» تتكسّر على صخرة النظام الانتخابي، الذي عادةً ما بدّد عشرات آلاف الأصوات التي ينالها كل دورة، نجح بالحصول على مقعدين فقط في البرلمان بفضل تحالفه مع الصدر هذه المرّة.
هذا الإنجاز لم يُرضِ أوساط الحزب الساخطة والمعارضة للتحالف مع الصدر، التي باتت تعتقد أن «المقعدين» ثمن ضئيل لوضع تاريخ الحزب في سلّة رجل الدين الشاب، إلا أن السكرتير العام للحزب رائد فهمي، يعرب عن «قناعته» التامة بهذا التحالف ونتيجته. وأكّد في حديثه إلى «الأخبار»، أن «موقفنا واحد في سائرون، في ضوء البرنامج المشترك الذي خاضنا به الانتخابات»، مشيراً إلى أن «الشيوعي» ــ إلى جانب الصدر، في إطار تشكيل «الكتلة النيابية الأكبر»، لكن اختيار الحلفاء مرهون بـ«برامجهم»، فنحن «نركّز على البرامج، وليس على الأشخاص، واللقاءات تجري على أساس برامج الكتل». ويذهب في حديثه إلى التماس إشاراتٍ إيجابية من أكثر من قائمة، التي أبدت بدورها استعدادها للانضمام إلى «الكتلة التي سنشكّلها»، كـ«حراك الجيل الجديد» (أكراد) و«ائتلاف وطنية» (بزعامة إياد علّاوي)، لافتاً إلى «وجود تواصل أوّلي مع تحالف القرار العراقي» (بزعامة أسامة النجيفي وخميس الخنجر)، غير أن هذا الحراك وغيره، «مرهونٌ بكيفية بلورة هذه الإشارات»، خاصّةً أن «فريقنا التفاوضي سيلتقي بالجميع».
وأمام مشهدٍ كهذا من التحالف، فنتيجته وصولاً إلى «الكتلة الأكبر»، لا تزال تساؤلات القيادي الشيوعي حسّان عاكف، معلقة دون إجابة عندما كتب أواخر شباط الماضي مقالةً ختمها متسائلاً: «أليس غريباً أن يقرر حزبٌ عمره أربعة وثمانون عاماً، الدخول في تحالف سياسي وتسليم قيادته إلى حزبٍ عمره شهران؟ (الاستقامة)»، مستشهداً بمقولة مظفّر النوّاب: «لقد (سلمنا لحانا إلى من لا يحسن النتف)».

رابط مختصر