ظهور العبادي الخجول في أربيل تقابله خسارة كردية متوقعة في بغداد … براء صبري

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 6 مايو 2018 - 3:30 مساءً
ظهور العبادي الخجول في أربيل تقابله خسارة كردية متوقعة في بغداد … براء صبري

في السادس والعشرين من نيسان/ابريل وصل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى أربيل عاصمة إقليم كردستان ضمن زيارته التي شملت السليمانية قبيل الانتخابات البرلمانية العراقية المرتقبة. العبادي تلقى استقبالا رسميا مناسبا، ولكن، الاستقبال الشعبي كان على غير هواه. العبادي كان يتوقع الفتور الشعبي لحضوره، ولكنه، وبصفته رئيسا للوزراء لم يكن يستطيع الوصول إلى إقليم كردستان العراق دون المرور بعاصمتها الرسمية. وخاصة ان الاحتقان الداخلي بين بغداد وأربيل وصل إلى درجة الاصطدام العسكري فيما يعرف بـ«نكسة كركوك» كردياً، والتي جاءت بعد الاستفتاء الكردي على الانفصال عن بغداد. الرد الشعبي غير المرحب جزء من رسالة عدم الرضا العام في الإقليم على مواقف المركز تجاههم. وهو يشكل نوعا من الاغتراب السياسي بين المركز والإقليم. اغتراب ممثلي الإقليم في بغداد سيصل لدرجة الإحراج في الموقف مع زيادة التوقعات بخسارة الأكراد للمزيد من المقاعد هناك. وخاصة في المناطق المتنازع عليها. وهو ما يمكن ان تستغله الجهات الأخرى لزيادة معاناة الإقليم، وهناك من يتحدث عن ضرورة ان يقف العبادي في وجه ذلك الاستغلال ان كان يبحث حقيقة عن انبعاث البلاد من ركامها الحالي.
الحروب الكلامية بين المركز والإقليم، والعقوبات الصادرة بحق الإقليم نتيجة الاستفتاء في نهاية ايللو/سبتمبر الماضي، وملفات سابقة كالتي تخص الرواتب، وحصص النفط، وقوات البيشمركه، ووضع المزارعين، كلها جعلت من المركز الخصم الرئيسي لدى الناس في الإقليم. لم يكف صرف دفعة مالية للموظفين في الإقليم لتبديد صور التصريحات النارية للمركز بعد الاستفتاء بحق أربيل، وتحالفه مع الدول المجاورة ضده. وما زال الحديث عما حصل في طوز خورماتو، وبعض أحياء كركوك بحق العوائل الكردية من قبل بعض الجهات المحسوبة على الحشد الشعبي على طاولة المقاهي الشعبية النقاشية. ولم تساهم الآلات الإعلامية للجهتين في تخفيف الاحتقان.يعلم الأكراد أن ظهور العبادي الخجول في أربيل يقابله خفوت لتمثيلهم في بغداد في مقبل الأيام. ففي حين ان الأطراف السياسية الكردية تملك حاليا 65 مقعدا في البرلمان العراقي إلا أنها بدأت التحضير لتمثيل أضعف، والحديث بدأ في التركيز على احتمالية خسارة ما لا يقل عن عشرة مقاعد نيابية، وخاصة المقاعد من المناطق المتنازع عليها التي تشمل سنجار، ومخمور، وكركوك، وبعض مناطق محافظتي ديالى وصلاح الدين. التمثيل المقبل للأكراد يأتي في وقت يحتاجون فيه إلى أقوى تمثيل ممكن في العاصمة نتيجة وضعهم المنهك. والظهور الجديد لقائمتي برهم صالح الذي ترك صفوف الاتحاد الوطني وشكل تحالف الديمقراطية والعدالة، وقائمة الجيل الجديد التي شكلها شاسوار عبد الواحد في الإقليم بالإضافة إلى الأحزاب الخمسة السابقة الرئيسية سيشتت التصويت، وسيصعب تجميع القوى الكردية في تحالف واحد، كما يقول ممثلو الأحزاب القديمة في الإقليم، وهو ما يظن المركز أنه سيستفيد منه في المستقبل. في حين أنه يمثل تجديداً لروح الخطاب الكردي في وجه المركز، كما يرى التياران الجديدان اللذان يتحدثان عن قدرتهما على احتواء الأصوات الغاضبة على الأحزاب الرئيسية في الإقليم، وعدم السماح بضياعها أو ذهابها لجهات تتبع المركز لحمايتها وتأمين بقائها ضمن البيت الكردي العام.
العبادي الذي بدا أنه في زيارة سريعة لأربيل لتفادي أي منغصات لحملته القوية في باقي مناطق العراق، والمتوقع فوزه فيها سيحتاج إلى الأكراد فيما بعد في البرلمان لتحصين ذاته من أي غضب إيراني من خلال المالكي، وبعض جهات الحشد الشعبي التي تخشى من استسلام العبادي للحضن الأمريكي والخليجي في نهاية المطاف. هذه الحاجة المتوقعة تسمح للأكراد بتقبل تمثيلهم الضعيف المقبل في بغداد حيث يمكنهم فرض بعض الشروط التي تعيد لهم وزنهم في المناطق المتنازع عليها، وفي العاصمة بغداد. ويبدو فيما يأتي من تحليلات ان الأمريكان سيقحمون الأكراد، والسنة، وبعض الجهات الشيعية، تحت راية العبادي في تكتل فضفاض غير متماسك لردع إيران، ولتأمين بغداد من ان تكون منضوية بالكامل في حضن طهران. هذا الردع المتزايد الذي يركز عليه ترامب، وحلفاؤه في الشرق الأوسط، سيكون عراقيا داخليا يؤسس لتوازنات جديدة في البيت الشيعي أكثر من أي مجموعة أخرى. وخاصة ان الخارج ينظر إلى التيار السياسي الشيعي في العراق كونه إيرانيا، وهو ضعف نظر متشكل لدى الخارج عن حقيقة عوالم البيت الشيعي المتعدد الرؤية والانتماء.

النزيف في كركوك

ظل الأكراد لعقود من الزمن يتغنون بكركوك والعودة إليها. وعانوا الكثير نتيجة الحملات العسكرية والتغييرات الديمغرافية بحقهم فيها، التي قام بها نظام البعث في بغداد، والذي كان يجد في كثرتهم بمنطقة غنية بالنفط خطرا على مستقبل عروبة البلاد! وبعدما دخل الأمريكيون العراق عاد العديد من الأكراد إلى مناطقهم في كركوك ضمن ما يعرف بتطبيق المادة الدستورية 140 التي من المفترض انها تقوم بتطبيع الأوضاع من خلال إعادة المهجرين إلى مناطقهم الأصلية. تلك المادة التي شهدت تجميدا في تطبيقها الكامل نتيجة الخوف من نتائجها التي ستصب في مصلحة الإقليم بحسب الأكراد، والتي لم تطبق نتيجة التمادي في تنفيذ بنودها من قبل الإقليم حسب المركز، شكلت مثار قلق للطرفين لسنوات.
الأكراد الذين يشكلون أكثر من نصف مقاعد مجلس محافظة كركوك بدأوا في التحضير لسيناريو فقدان قوة القرار في المحافظة التي شهدت سيطرة مجددة للجيش العراقي والحشد الشعبي، بعد استفتاء الإقليم الذي شمل المحافظة، وباقي المناطق المتنازع عليها. ويتحدث الأكراد عن إن «من المتوقع أن تتراجع نسبة أصوات الأحزاب الكردية في المناطق المشمولة بالمادة 140 الدستورية في الانتخابات المقبلة» ويعزون سبب ذلك إلى «سيطرة القوات العراقية على كركوك وخانقين (في ديالى) وسنجار (في نينوى) والمناطق الأخرى، فضلاً عن غياب موقف موحد للأطراف السياسية الكردستانية وإهمال القضايا الوطنية والاهتمام بالمصالح الحزبية والشخصية الضيقة» كما صرح عارف رشدي، وغيره من سياسيي الإقليم. النزيف الكردي في كركوك سيعقد عليهم حماية قواعدهم هناك، وسيصعب المطالبة بتطبيق التطبيع هناك على اعتبار أن القرار سيكون للجهات السياسية العربية والتركمانية الرافضة للمادة والمتخاصمة مع الساسة الكرد. مشكلة الأحزاب الكردية في الإقليم انها لا تستطيع العمل معاً في كركوك نتيجة خلافاتهم المزمنة، وهو ما ظهر جلياً بدخولها بقوائم متعددة في الانتخابات، كما ان تلك الأحزاب بدأت تخشى خسارة قواعدها هناك لصالح ائتلاف «النصر» التابع للعبادي، وفقدان قدرتها على حماية الأكراد هناك نتيجة ضعف تمثيلها المتوقع في المحافظة. ويراقب أكراد كركوك بقلق تقدم المركز داخل الإدارات المدنية، ونضوب الدور الإداري والسياسي للإقليم، ما ينذر بتفاقم الاستقطاب المجتمعي، وبعودة الاحتدام بين الجهات الشعبية ذات الهويات المختلفة، وهو ما يدفع العديد من المتابعين إلى تحريض المركز على السماح للإقليم بالعودة إلى دوره المطلوب الذي يوازي تمثيله السكاني الوازن في المحافظة لتخفيف الاحتقان، من خلال عودة القوات الكردية إلى السيطرة المشتركة على المحافظة، خاصة مع تكاثر الحديث عن عمليات جديدة لتنظيم «داعش» في المناطق الريفية للمحافظة.
التصور الكردي لخسارة مقاعد في بغداد لا يمكن ان يكون مبررا لتمادي بغداد في التعامل الفوقي مع الإقليم لأنه سيجعل من الملفات الشائكة وقودا مستمرا للانفجار مجدداً كما يرى المتابعون. والحلول المطلوبة هي عدم النظر إلى الإقليم على اعتباره يماثل عدد المقاعد في البرلمان بقدر ما هو كيان يشبه الدولة في هيكليته حتى يمكن التوصل إلى حلول سلمية لمستقبل أفضل للطرفين. هذا التناظر في العــلاقة سيجــعل مواقف البلد أكثر قوة والطريق إلى تفاهمات أكثر وردية وسيعطي الفرصة للناس للقفز فوق حرارة الأحداث السابقة.

رابط مختصر