إشكالية التيارات المدنية في الفوز في الانتخابات العراقية .. أمير المفرجي

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 6 مايو 2018 - 3:30 مساءً
إشكالية التيارات المدنية في الفوز في الانتخابات العراقية .. أمير المفرجي

من المؤمل أن يُشكل الحضور المتميز للقوى المدنية والعلمانية لخوض الانتخابات العراقية المقبلة، تهديداً للأحزاب الدينية الحاكمة، التي ظهرت بعد عملية الغزو الأمريكية وتدمير الدولة العراقية. بعد أن ساهمت الإدارة الأمريكية، متمثلة في سلطة الائتلاف المؤقتة، في ولادة نظام سياسي طائفي وديني عن طريق ترسيخ مبدأ الدين السياسي في شكل النظام الجديد من خلال المحاصصة، والبدء في دعم الأطراف السياسية الطائفية المحرضة على الانقسام، بدلاً من السماح للقوى الوطنية الكفؤة العابرة للطوائف لحكم البلاد لضمان التنوع المجتمعي المدني في قيادة الدولة. حيث تخشى أحزاب الدين السياسي ـ الطائفي، أن تتعرض لتصويت عقابي خلال الانتخابات المقبلة نتيجة لفشلها ورفضها من قبل أغلبية العراقيين.
ونتيجة لهذا الوضع المتعمد، استطاعت الأحزاب الإسلامية خلال سنوات احتكارها للسلطة أن تضفي على المشهد العراقي، الكثير من المظاهر الدينية، مما زاد من حجم سيطرتها على مؤسسات الدولة الاقتصادية والأمنية، غير أن فشلها الواضح في إدارة مؤسسات الدولة جعلها تفقد جزءا كبيرا من رصيدها الديني. كما أن تفشي الفساد في كل مفاصل الدولة العراقية، أطاح بصورة السياسي المتديّن والنزيه لتحل محلها صورة اللصّ ورجل صفقات الفساد المشبوهة.
وانطلاقا من هذا الوضع، بات من الطبيعي، ظهور وصعود تيار مدني جامع، نتيجة استثمار موجة غضب الشارع العراقي على تلك الأحزاب ورموزها، بعد الفشل الذريع الذي وصلت إليه تجربة الأحزاب الدينية في حكم العراق. حيث ساعد هذا الوضع الجديد في تزايد دعوات الأوساط الشعبية بالمطالبة إلى ضرورة أن تفسح الأحزاب الدينية الحاكمة، المجال أمام مطالب الحراك الجماهيري الذي انطلق في العراق منذ أعوام، نتيجة لسوء الخدمات التي تقدّمها أجهزة الدولة وتفشي الفساد المالي والإداري واحتكار السلطة من قبل أحزاب الدين السياسي.
لقد ترجمت الاحتجاجات والهتافات التي شهدها الشارع العراقي في الفترات الأخيرة من خلال شعار «باسم الدين سرقونا اللصوص» الذي تم رفعه من قبل المتظاهرين في إشارة إلى أحزاب الدين السياسي الحاكمة في بغداد، عن حقيقة بدء حالة من الوعي والنضوج السياسي للملايين من العراقيين. وهنا لا بد من الإشارة للأسباب التي أدت إلى ارتفاع هذه الأصوات الوطنية المطالبة بتحسين الوضع المعيشي وإصلاح الخدمات، وفضح الأحزاب الإسلامية المسيطرة على الحكم، وعلاقة الدور الإيراني في استمرار بقائهم في الحكم، عن طريق دعم النظام الثيوقراطي في طهران لهذه الأحزاب لمحاربة القوى المدنية الوطنية وكما تؤكدها التصريحات التي أطلقها مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي في بغداد في أن «لا يمكن السماح بعودة الليبراليين والشيوعيين والعلمانيين لحكم العراق». وتصريحات التيار المتشدد في حزب الدعوة الإسلامية الحاكم في العراق، بوصفه لرموز التيارات المدنية بأنهم «ملحدون وعملاء للغرب».
وعلى الرغم من هذا الحضور المتصاعد للتيارات المدنية، والتأييد الشعبي الكبير للثقافة المدنية، بيد ان العديد من الشخصيات السياسية المدنية لم تصمد أمام شراسة حملات التسقيط، وخطورة الاتهامات الشخصية والأخلاقية لجرهم على الانسحاب من المشاركة في الانتخابات التشريعية.
من هنا أصبح من الصعب على الأحزاب المدنية، تحقيق نتائج جيدة في الانتخابات المقبلة، بوجود أحزاب الدين السياسي التي تتمتع بجمهورها العشائري والطائفي الكبير، ناهيك عن أهمية دور المال والفساد في شراء الأصوات، ودور مؤسسات السلطة الأمنية والدعم الخارجي الذي يساعدها في التأقلم، إلى حد القدرة في ركوب الموجة المدنية ومنافسة المد الوطني المدني من خلال رفع شعار المدنية نفسه على اعتبار ان الجميع يدعو اليوم إلى هذا الاتجاه.
لا شك ان قدرة الأحزاب الدينية في ركوب الموجة المدنية عن طريق ضخ تكتلات جانبية تدعي المدنية وتلتحم في النهاية بالأحزاب الدينية التي جاءت بها، هي محاولة للهروب من اخفاقها في كسب الشارع الغاضب، نزولا عند الرغبة في الحفاظ على مكاسبها وامتيازاتها، التي مهد لها الاحتلال الأمريكي ودعمتها الدول الإقليمية، التي فرضت على العراقيين نظام القوائم المتكون من تحالفات انتخابية فرعية لتعظيم عدد الأصوات، حيث عادة ما تشكل الأحزاب تحالفات قبل كل انتخابات لتثبت في النهاية في قائمة انتخابية واحدة.
في المقابل لا تبدو احتمالات فوز التيارات المدنية في الانتخابات بهذه السهولة التي يذكرها البعض. إذا أخذنا بعين الاعتبار غياب مشاركة حزب وطني متجذر ومُنتج للفكر المدني، قادر على مجابهة المد الديني الواسع في المجتمع. حيث أثبتت أحداث المشهد السياسي العراقي على خلو الساحة من أحزاب مدنية بكل ما يعنيه مفهوم الحزب من تنظيم إداري وقاعدة شعبية، بقدر ما هو مشاركة لمرشحين مدنيين يمثلون بالتالي أنفسهم وتاريخهم السياسي.
فبالإضافة إلى قدرة الأحزاب الدينية المتجذرة في العملية السياسية وتجربتها الناجحة في البقاء من خلال المناخ الطائفي ـ العشائري المُتاح لها، يبقى عامل غياب حزب وطني مدني جامع وعابر للطوائف والمحاولة بتمثيله بتكتلات شخصية مدنية غير منسجمة فيما بينها في الأهداف، تسعى للوصول إلى كرسي السلطة كـ»التحالف المدني الديمقراطي» وتحالف «تمدّن» بالإضافة إلى تحالف «سائرون» الذي يصّر على تمسكه بشعار الدولة المدنية، على الرغم من وجود «التيار الصدري» بين صفوفه وإلى جانبه الحزب «الشيوعي العراقي».
وهنا لابد من الإشارة إلى ان تحالف «المنجل والعمامة» الذي ولد منذ ثلاث سنوات، كان نتيجة لبروز الحزب الشيوعي كقوة سياسية مدنية بعد اجتثاث البعث. حيث ساهمت حالة العداء المشترك التي تجمع الصدريين والشيوعيين من النظام السابق، وانضمامهم سوية لحركة الاحتجاج التي انطلقت في صيف عام 2015 ضد الفساد والطائفية السياسية، نتيجة لفتوى السيد مقتدى الصدر لقاعدته المنضبطة بدعوته للانضمام إلى الاحتجاجات، ساعياً على ما يبدو لانقاد حراك الشارع الذي كان على وشك النفاد بعد قمعه وتفريقه.
وبقرب الحد الفاصل لبدء الانتخابات، تبدو قدرة الأحزاب المدنية لاكتساح الانتخابات التشريعية ضئيلة نتيجة لتأثير المناخ الطائفي وسياسة الفرز الطائفي التي عززت موقف الأحزاب الدينية من جهة، وإبعاد العديد من القوى الوطنية المدنية السنية التي ساهمت في بناء العراق في الفترة السابقة من معادلة الأحزاب الوطنية المدنية بحجة انتمائها لحزب البعث، وصولاً لإخلاء الساحة من الكفاءات المدنية السنية لحماية الطائفية السياسية التي سيطرت منذ 2003. حيث تتألف أغلب القوى المدنية المشاركة في المشهد السياسي من شخصيات تمثل تيارات مدنية يسارية بجذور طائفية واضحة.
قد يُجسد السباق نحو البرلمان العراقي، ظاهرة جديدة من خلال اتساع القاعدة الشعبية المدنية ولكن بمشاركة تيارات مدنية متناقضة فكرياً وسياسياً، تتوزع بين الراديكالية الشيعية واليسار الشيوعي والتوجه العلماني والليبرالي. ثمة احتمال كبير أن يساهم هذا الاختلاف الفكري والسياسي بين التيارات المدنية القائم في ظل الصراع الدائر بين الإسلاميين والعلمانيين في العراق، في ترجيج كفة الأحزاب الدينية الحاكمة سنية كانت أم شيعية، في حالة تدخل المراجع الدينية الرافضة للتيار المدني الليبرالي. وكما ان حصر الهوية الفئوية والطائفية الضيقة لرؤساء التحالفات الثلاثة، التي تمثل التيار المدني واختلافهم السياسي والثقافي سيلقي بظلاله على نتائج الانتخابات وسيعلم الشارع العراقي حينها، إذا كانت، تلك التكتلات، مدنية وطنية بالفعل، قادرة على الثبات على مواقفها وأفكارها على أرض الواقع، أم هي ليست سوى مزيج من التيارات المختلفة ستنتهي بانتهاء فترة الانتخابات.

رابط مختصر