وساطة حكوميّة وعشائريّة تُعيد نصف سُنّة يثرب إلى منازلهم

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 24 أبريل 2018 - 10:14 صباحًا
وساطة حكوميّة وعشائريّة تُعيد نصف سُنّة يثرب إلى منازلهم

ترجمة/ حامد أحمد

عوارض ترابية وأراضٍ متفحمة لاتعود لأحد ما تزال تقسّم عوائل شيعية وسُنية في ناحية يثرب بمحافظة صلاح الدين حتى بعد انتهاء مهمة المصالحة التي امتدت ثلاث سنوات لرأب صدع تجمع عشائري مزقته الحرب مع داعش.
وخطط مسؤولون لعزل طرق وقنوات الري فيها، وحتى ضغطوا باتجاه شطر الإدارة المحلية في هذه المنطقة الزراعية النائية الى مديريتين منفصلتين.
رغم أنّ المعركة الصعبة لطرد مسلحي داعش من الأراضي العراقية قد انتهت بالنصر الكبير، فإن قصة يثرب تُظهر كيف يمكن أن تكون عملية المصالحة فيها أمراً محبطاً.
ويثرب هي ليست مدينة كبيرة، مثل الموصل أو الرمادي، وحتى هي ليست بتلك المنطقة المعقدة متعددة الأعراق والمذاهب، ومع ذلك فإن ملايين من الدولارات قد أنفقت للتوصل الى سلام فيها.
وأجرى عشرات من المسؤولين العراقيين ووسطاء وممثلين عن الامم المتحدة وحتى”فصائل محلية”زيارات مكوكية بين العشائر المنقسمة على مدى سنوات للتوصل الى مصالحة، ولكنّ مزارعين مثل قاسم السعدي، ما يزالون مترددين بين تقبل المصالحة، والرغبة بالانتقام من جيران يعتقدون بأنهم احتضنوا داعش عندما قام مسلحوه باقتحام أرضهم.
وقال السعدي وهو يتطلع إلى أنقاض بيت عائلته المهدم وحقله الزراعي الذي أحرقت نخيله، إن”الحكومة وشيوخنا يريدون منا أن نستقبل هؤلاء الناس للعودة الى المنطقة، ولكنني أريد أن أعرف من الذي نسف بيوتنا، ومن الذي قتل أعمامنا وإخواننا وأولاد عمومتنا.. إنني بالتاكيد سأشرب من دمائهم”.
تضميد جراح مجتمع العراق المتضرر من آلاف الاموات ودمار شامل هو أحد أصعب التحديات التي ستواجه العراق عند تسلم الحكومة الجديدة مهامها بعد انتخابات أيار.
ويعتبر تحقيق المصالحة أمراً حيوياً لضمان عودة ما يقارب من 2.2 مليون مهجر بسبب المعارك بضمنهم آلاف لهم ارتباطات عائلية بمسلحين.
وفي يثرب، كما هو الحال في مناطق اخرى، غالبا ما يحاول أهلها المحليون منع رجوع عوائل لها صلة بالمسلحين.
وتقر منظمات إغاثة وقوى غربية بأهمية ترميم الانقسامات الحاصلة في العراق، ولكن لا يوجد منهم من يرغب بالتنسيق مع بغداد حول هذه المشكلة. إنهم يخشون من تطبيق بعض أساليب الحكومة، مثل منع المشتبه بعلاقتهم مع داعش من العودة وبقائهم في مخيمات النازحين في حين تجبر عوائل أخرى بالعودة إلى بيوتهم قبل أن يشعروا بالأمان.
إحدى المشاكل التي تعقِّد عملية المصالحة في يثرب هو أن سكانها من الطائفتين الشيعية والسنّية. وأغلب سكان أهل يثرب هم أيضا جزء من نفس العشيرة، وهذا ما يجعل من مهمة المصالحة أمراً أكثر صعوبة، بحسب قول سكان محليين.
ويقول مدير ناحية يثرب حارث خلف، في لقاء مع صحيفة فاينانشل تايمز البريطانية إن”مشكلة بين أفراد عشيرة واحدة هي أصعب بكثير من حل مشكلة بين عشيرتين. ألا تشعر بالفرق بين أن تهاجم من قبل ابن عمك مقارنة بأن تتم مهاجمتك من قبل غريب في الشارع؟”.
وعندما اجتاح داعش العراق عام 2014 عمدت قبائل يثرب التي تعايشت في ما بينها منذ عقود ان تتحد للمقاومة، ولكن مناطق سنية تم اجتياحها بسرعة بعدما التحق متعاونون منهم بصفوف التنظيم وقاموا بمحاصرة مناطق الشيعة.
وفي غضون أشهر قامت فصائل شيعية بمساعدة الأهالي الشيعة المحليين على طرد داعش فضلا عما يقارب 60 ألف سنّي انصاع بشكل طوعي أو غير طوعي لحكم داعش.
ويلقي سكان محليون من السنّة باللائمة على الجيش الذي انسحب وتسبب بدخول داعش للمنطقة، مشيرين الى أنهم تعرضوا أيضا لأعمال داعش الوحشية من خطف أقارب لهم وإعدامهم.
بالمقابل يصرّ رجال عشائر شيعية في يثرب على أن تطبق عقوبات الأعراف العشائرية بحقهم التي تشتمل على تعويضات مالية مقابل الارواح التي فقدت ومصادرة ممتلكات وأراضٍ تعود للسنّة وطرد أقارب مسلحي داعش.
وسارعت منظمات مجتمع مدني ولجنة المصالحة الوطنية العراقية للتدخل، كانت خشيتهم أن يؤدي تطبيق القوانين العشائرية الى خلق استياءات ونقم طويلة الاجل. ويقول الطرفان ان قوانين العشائر قد تحل نزاعات عائلية، ولكن لا يحق لها ان تحدد مصير الآلاف.
وقال أحد الوسطاء إن كثيراً من اللقاءات حصلت بين شيوخ يثرب ولا يستطيع إحصاء عددها.
وفي عام 2015 حاول محافظ صلاح الدين السابق رائد الجبوري أن يحل الازمة بتخصيص 4 مليارات دينار عراقي (ما يعادل 3.36 مليون دولار) لضحايا من الشيعة في يثرب. ولكنّ العشائر تسلمت جزءاً من هذا المبلغ، وقسم منهم ذهبوا الى مدن اخرى وقسم منهم اختفوا نهائيا.
وفي أواخر عام 2017 حصلت صفقة أخرى حيث قامت عشائر سنّية بجمع مبلغ تعويضي آخر قدره 4 مليارات دينار لتهدئة الاوضاع يسمى بالرضوة.
وعلى إثره رجع أكثر من 30000 سنّي، ولكن الكثير منهم وجدوا بيوتهم قد تحطمت وحقولهم تعرضت للحرق وأنهم تقبلوا الصفقة بمرارة.
وقال أحد شيوخ السنّة”نحن أيضا ضحايا تنظيم داعش كما هو الحال معهم. ولكن بعد انتظار ثلاث سنوات دفعنا التعويض على أية حال، وإلا لما استطعنا الرجوع.”
الأرقام متضاربة ولكن وسطاء يقولون بأنه مايزال هناك مابين 15000 الى 30000 سنّي آخر ما يزالون ينتظرون فرصة العودة.
ويصرّ خلف، مدير ناحية يثرب، على انه في يوم ما سيعود جميع أهالي يثرب، مشيرا الى سبب الأعراف العشائرية في تعقيد ذلك.
وأضاف بقوله”عندما تكون الحكومة قوية تكون العشيرة ضعيفة، ولكن عندما تكون الحكومة ضعيفة تكون العشيرة قوية.”

عن: صحيفة فايننشيال تايمز البريطانية

كلمات دليلية
رابط مختصر