مثلَّثات الموت.. كيف نواجه فلول داعش التي تظهر في العراق من جديد؟

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 14 أبريل 2018 - 12:34 مساءً
مثلَّثات الموت.. كيف نواجه فلول داعش التي تظهر في العراق من جديد؟

أهم الخطوات الاستباقية، التركيز في البحث عن مراكز التحكم لداعش وليس على تسكين وتهدئة تعرضاتها الإرهابية؛ لأنها مواطن القوة الداعشية، في تلال حمرين ومطيبجة وصحراء البعاج وجزيرة الحضر ووادي حوران، تحديداً يمكن إجبار قيادات “داعش” وفلولها على التراجع ومغادرة العراق، مناطق جنوب إقليم كردستان أرض صراع الأصدقاء والنيران الصّديقة، ولن تجد بغداد وأربيل لها خلاصاً إلا بالحوار الجاد وفق تعاليم القانون ومواد الدستور، ومن خلال أنقرة وطهران إذا اتفق الطرفان بشكل واضح على تقويض محاولات استقلال الكرد في العراق كخطوة جراحية حتمية. ‏ظهور مثلثات الموت بالبقعة المنسية من جغرافيا العراق، ومن بغداد خاصة، مثلثات الموت بالنسبة للمخطط الداعشي كأرض التمكين فهي خالية من نقاط الرصد الاستخباري، وبالإمكان أن تكون ساحة لعمليات إرهابية ولجمع المال ولعودة الأنشطة الإعلامية ولخلط الأوراق الطائفية والقومية، هذه المثلثات تضم فلول وشتات “داعش” التي تمهّد إلى صناعة حاضنة من جديد، وإلى معسكرات ومخازن واستثمارات سرية؛ لتصل بعد ذلك إلى ميدان المواجهة المباشرة. حرب الفلول والخلايا النائمة: تجاهل النكسات الأمنية لا يعالجها ولن يهزم العدو؛ فمنذ مطلع مارس/آذار ولغاية 22 مارس/آذار نفّذت داعش عمليات إرهابية في مناطق متعددة من العراق، وخاصة مناطق شمال شرق ديالى وغرب الأنبار وجنوب ديالى، خريطة العمليات الإرهابية تؤكد أن “داعش” لديها عمل ممنهج ليحقق ثلاثة أهداف: 1- قطع الطرق الخارجية بين المحافظات وصناعة مثلثات للموت والإرهاب في مناطق لها تضاريس معقدة. 2- ضرب التقارب المجتمعي الذي نتج في مراحل توحّد العراقيين بالضد من داعش، من خلال القتل على الهوية الطائفية والمذهبية والسياسية. 3- حصار أطراف المدن اقتصادياً وتحويل المناطق الزراعية والمفتوحة إلى مقرات للقيادة والسيطرة. في جنوب كركوك ما زلنا نهتم بالعمليات الإرهابية كأعراض جانبيّة، ونقدم المسكنات والمهدئات لها وباستجابة بطيئة، وندع علاج أصل المرض والخلل الذي ولّد تلك الأعراض. يبقى السؤال المهم: ماذا بعد؟ وماذا علينا أن نفعل؟ حشدت القوات المشتركة العراقية كل قوتها وإمكاناتها العسكرية في “مثلث المنطقة المحصورة: ديالى – صلاح الدين – كركوك”، بينما على الجانب الآخر، مجرد فلول من بقايا داعش وخلايا متمردة قوميّة غير نظامية، تُمارس نوعاً من حروب الشوارع الهجينة، وتضرب أهدافاً غير متوقعة من المدنيين بعمليات غادرة أو سيطرات وهمية أو كمائن مفاجئة، أو مرابطات وسيطرات عسكرية منعزلة، فتحدث خسائر ملموسة ومؤثرة. تعيش أطراف وأرياف المدن المحررة هناك حالة من الخوف، والشعور بالخطر، والحل لن يكون إلا بمعركة الاستخبارات والعمليات الخاصّة والقوات المناطقية. ‏إذا كانت المعركة عسكرياً على داعش انتهت بنصر القوات المسلحة العراقية وحلفائها، فإن الحرب على الإرهاب لم تنتهِ، بل لا تزال مستمرة لاجتثاث أسباب وجذور الإرهاب وملاحقة مخلّفاته وشتاته وفلوله وخلاياه النائمة بوسائل أخرى، عمودها الفقري الاستخبارات والتعاون المجتمعي، وذلك على أساس أن الأصل في مكافحة الإرهاب والتطرّف العنيف هو رفض المجتمع وتعاون أفراده مع الحكومة. ‏عودة مفارز داعش والجماعات المتمردة إلى النكاية والمبادرة في اختيار الزمان والمكان والهدف، بسيطرات وهمية وكمائن مخطط لها مسبقاً، تعني إعادة تجديد هياكل تنظيماتها “تنظيم الظل”، ما يزيد من الأحمال الاستخبارية والاقتصادية على حكومة العبّادي، الأمر الذي يتطلب إنهاء ملف عودة النازحين، لكن بعناية تمحيص وتدقيق أمني مركّز، علاوة على تفعيل أسباب استقرار مناطق جنوب إقليم كردستان في ظل تراجع الوفاق السياسي بين بغداد وكردستان والخلاف على إدارة تلك المناطق، وضرورة إغلاق كل ملف عالق يعرقل حقوق الحشد الشعبي والعشائري والمناطقي. يوماً بعد يوم، تتزايد تعقيدات المشهد الاقتصادي والأمني في المناطق المحررة، في محصلة لتزايد المشاكل وضعف الحلول، وتدخّلات اللوبيات المحلية والمناطقية والحزبية، وظهور قوى مجتمعية تتمتّع بعلاقاتها مع منظمات المجتمع المدني الإغاثية والمنظمات الدولية التي تعمل على برامج إعادة التأهيل والعمران، فضلاً عن بروز القوى العشائرية والإثنية والطائفية والقومية في محيط الموصل وتحالفها مع بغداد؛ ليبقى المواطن أمام كل تلك العشوائيات الإدارية قابعاً في دوامة الفقر وانعدام الخدمات والتهديدات الإرهابية. ولبدء الحكاية من نهايتها، لا بد من الانطلاق من تعزيز الثقة بالهوية الوطنية العراقيّة، وإضعاف سلطة العشائر والطوائف المسلحة، والاعتراف بالآخر والاعتذار منه، عمليات تحرير محافظات صلاح الدين وديالى وكركوك والأنبار ونينوى كانت مكلفة جداً من حيث التضحيات بالأرواح والخسائر بالأموال والعمران والتراث، وكانت نقطة التحوّل الكبرى في تاريخ انتصارات القوات المسلحة العراقيّة بكل صنوفها، التي كان هدفها القضاء على داعش عسكرياً، واجتثاث جذور حواضنها الفكرية وإجهاض قدراتها اللوجيستية والمالية وإفشال غوايتها الإعلامية وفضح وحشية وقذارة ممارساتها الإرهابيين. إن تعدّد القوات المسلحة على أراضي المدن المحررة والمستقرة نسبياً، وتعدّد اللجان الحكومية المتدخلة بموضوع الإعمار ومقاولات عودة النازحين وتأمين الخدمات الضرورية، أحدث تعقيدات كبيرة في المشهد الاقتصادي والأمني، سببها تعدّد مصالح تلك القوى وتناقضاتها؛ الحكومات المحلية ضعيفة وهي بحاجة إلى تحركات الحكومة الأتحادية. وأدركت كل من بغداد والمنظمات الدوليّة والسفارات الكبيرة، ومن خلال دعمهم لعودة قرابة 2,6 مليون نازح داخلي إلى المدن المحررة، واتهامهم القوى الميدانية باستخدامه أساليب “دعائية انتخابية”، لصناعة أكثرية انتخابية حزبية، بعد أن اتهمت بغداد هذه القوى في عرقلة جهود التعايش والاندماج المجتمعي. إن “تنافس الأحزاب” على حصصها من مقاولات الإعمار، لا يأبه بخسارات العراقيين لأرواحهم وممتلكاتهم؛ فالكيانات السياسية تدعم مَن ينتخبها لأجل مصالحها السياسيّة، وقياداتها تأمل الحصول على ثقل حكومي، يقود إلى زيادة ثرواتها وتوسّع سلطاتها. لقد بات واضحاً أن دوائر المعلومات والاستخبارات لا بد أن تعتمد على المُواطن في المناطق المحررة وفي العديد من المناطق المستقرة نسبياً لمنع فلول داعش من عودة خلاياها الأمنية، فالسيطرات الوهمية وتكرار الكمائن وعمليات الخطف والاغتيالات وركن العجلات المفخخة والعبوات الناسفة وإطلاق قذائف الهاونات، كلها حوادث واقعية تستند إلى حقائق ومعطيات موثّقة، فقد كشفت التحقيقات الأمنية في محافظتي نينوى وكركوك التي أجرتها الدوائر الأمنية العراقيّة مع عناصر الخلايا الإرهابية التي تم إلقاء القبض عليها في الشهرين الماضيين بوضوح، أنها بدأت بترتيب أوراقها التنظيمية وأصبح باستطاعتها المبادرة بعمليات إرهابية محدودة ونوعية. تشخيص الأسباب واقتراح الحلول: لم تغِب عن ذاكرة العراقيين بعد “كمين السعدونية” حادثة ذهب ضحيتها 27 شهيداً في جنوب غرب كركوك، مؤخراً كان هناك ظهور لسيطرة وهمية على طريق العظيم الرابط بين بغداد وديالى وكركوك وصلاح الدين، على هذا الطريق ومنذ عام 2006 غيّب المئات من الأبرياء، ولم يعرف مصير أعداد كبيرة منهم حتى اليوم، في مشهد مرعب سيطرة وهمية لداعش تقتل على الهوية المذهبية والطائفية 10 مواطنين وتمثّل بجثثهم، في منطقة نبهت عليها كثيراً ووصفتها بأنها خاصرة هشّة، وأن القوات المتواجدة لا تكفي لكي تنتشر في كامل تلك المساحات الواسعة ذات التضاريس المتنوعة والصعبة، فلا بد من إعادة تكتيكات ملاحقة الفلول وأساليب وآليات التطهير الأمنية وصناعة المصادر الاستخباراتية المحلية وتقوية الجهد المعلوماتي من أجل معالجة تلك الخروقات، بدأت حوادث الإرهاب تعود من جديد لتعيد معها الرعب والخوف. شرطة الطرق الخارجية تحتاج إلى: -تسيّر دوريات على مدار 24 ساعة ولكل 5 – 10 كم. – إضافة نقاط وأبراج مراقبة محصنة. – مراكز أمنية للاستجابة السريعة. – مراقبة بالكاميرات والطائرات بدون طيار. – بالإضافة إلى أرقام ساخنة، وتقوية بث شبكات الاتصالات التي تكاد تكون معدومة هناك. من خلال حوار مع بعض ضباط وعناصر قوات حماية الطرق الخارجيّة فهم يحمّلون مسؤولية هذا الخلل الأمني: – السلاح السائب. – عدم وجود باجات تعريفية موحدة. – حرية التجول بسيّارات الدولة المصفحة والمظللة. – الزي العسكري. – التداخل في الصلاحيات المحليّة. – عدم وجود تنسيق في تأشير حركات العجلات المسلحة. – أيضاً من خلال حواجز مؤقتة تنصبها في الطرق الخارجية قوات أمنية خارج قواطع مسؤوليتها، بحجة البحث عن مطلوبين، بينما لا تستطيع شرطة الطرق الخارجية اعتراض طريقها. – نصب السيطرات غير المرخصة من قِبل القيادة المشتركة العراقيّة، التي ينبغي أن تحاسب قانونياً كسيطرات وهمية. مفارز فلول “داعش” تتربص بهذه الخروقات ونقاط الضعف وتحاول الانتفاع من هشاشة تلك المناطق لتشكل خطراً كبيراً على أمن الطريق والأمن المجتمعي؛ لأن القتل على الهوية هو أخطر أنواع العمليات الإرهابية التي في الغالب تدفع إلى ردات فعل انتقامية تصيب الأبرياء من الطوائف والعشائر في مناطق السيطرات الوهمية.

رابط مختصر