إنقاذ قبر نبيّ عبري من الانهيار في العراق

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 7 أبريل 2018 - 3:40 مساءً
إنقاذ قبر نبيّ عبري من الانهيار في العراق

ألقوش، العراق — “كانت الحكومة العراقيّة تعارض كلّ ما هو يهوديّ بعد مغادرة اليهود في خمسينيّات القرن الماضي”، يقول الأب آرام، وهو كاهن كلداني شاب يخدم في بلدة ألقوش ذات الغالبيّة المسيحيّة في شمال العراق.

ولهذا السّبب، أوضح الكاهن، نرى اليوم الحكومة غير مكترثة بمصير المعبد اليهودي الوحيد المتبقي في العراق، هنا في بلدة ألقوش. “كان المعبد على وشك الانهيار”.

تقع بلدة ألقوش في سهل نينوى وهي مقرّ لعددٍ من الأديرة والكنائس التاريخيّة بالإضافة إلى المعبد الذي يضمّ قبر النّبيّ ناحوم الذي صدقت تنبؤاته في عام 615 قبل الميلاد بشأن سقوط المملكة الآشوريّة. وفي حين تمّ الحفاظ على كنائس البلدة التي تمّت صيانتها بشكلٍ جيّدٍ بفضل جهود المجتمع المسيحي، تُرك المعبد لينهار بعد مغادرة آخر يهوديّ البلدة إلى إسرائيل عام 1951، وذلك على الرّغم من أنّ النبيّ ناحوم تؤمن به الديانات التّوحيديّة الثّلاث.

جاء الخبر السّار بعد سنوات من المحاولات الفاشلة لإنقاذ المعبد، فقد تمكّنت أخيرًا منظمّة ARCH (التّحالف من أجل استعادة التّراث الثّقافي) الأميركيّة، من إرسال فريقٍ من المهندسين لإنقاذ المعبد في شهر كانون الثّاني/يناير الماضي قبل انهياره بالكامل؛ علمًا أنّ جزءًا من السّقف وبعض الجدران تداعت بالفعل، أمّا الأعمدة التّي تحمل نقوشًا بالعبريّة فبالكاد صامدة، ممّا يشكّل خطرًا على القبر الذي يقبع تحت غطاءٍ أخضر.

ويشير الأب آرام بامتنان إلى سقالات المهندسين، وحبالهم ودعاماتهم التي تحافظ الآن على تماسك المعبد. ويضيف قائلاً، “تاريخنا مبنيّ على حضارات مختلفةٍ، وكلّها على القدر نفسه من الأهميّة. وعلينا الحفاظ على هذا التّاريخ بكامله”.

الجدير بالذكر هو أنّ علاقة العراق بجزءٍ من تراثه مقلقة بعض الشّيء. فمثلًا، لقد أمر الزعيم العراقي الرّاحل صدّام حسين أن يُحفَر اسمه على الأحجار التي استُخدِمت في ترميم موقع بابل الأثري. هذا وتمّ نهب الكثير من التّراث العراقي وتدميره قبل زمنٍ من قيام تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش) الذي حرص بدوره على تدمير كلّ ما ليس له صلة بالإسلام المتطرّف. وما لم يدّمره داعش، قام بنهبه وبيعه، بما في ذلك بعض القطع الأثريّة القيّمة للغاية من التّرات العراقي القديم. ولقد مُنع عناصر داعش من التقدّم قبل أميال فقط من وصولهم إلى ألقوش وتراثها الغنيّ.

بعد العام 2003، عندما أصبح الوضع في العراق شديد الخطورة بحيث لا يستطيع علماء الآثار مواصلة عملهم، غالبًا ما كان يقوم السّكان المحليّون بنهب المواقع التي أُجبِر العلماء على تركها. وفي شهر شباط/فبراير الماضي، أعلنت المخابرات العسكريّة العراقيّة أنّها أحبطت عمليّة كبيرة لتهريب قطع أثريّة خارج البلاد. وبحسب عالمة الآثار أليسون كونيو المقيمة في بوسطن التي عملت في مواقع في كردستان العراق منذ عام 2012، ازدادت عمليّات النّهب بشكلٍ مطردٍ بخاصة مع الأزمة الاقتصاديّة في السّنوات الأخيرة.

وقالت كونيو للمونيتور، “هذا بالإضافة إلى أنّه تمّ خفض عدد الموظّفين والعاملين في المواقع الأثريّة، بخاصّةً عدد الحرّاس. تربط السّلطات العراقيّة علم الآثار بالسّياحة بشكلٍ يوحي أنّ المسألة متعلّقة بالمال وحسب”.

في غضون ذلك، يأخذ الزّوار معهم “التّذكارات” من المعبد، أو قبر النّبي ناحوم، بحسب تسمية السّكان المحليّين له. قال آدم تيفن، وهو نائب مدير منظّمة ARCH، إنّه تمّ استرجاع طاولة حجريّة حُفرت عليها نقوشٌ باللّغة العبريّة ولكن بعض أجزاء السّياج الحديديّ المحيط بالقبر لم تتمّ استعادتها بعد.

وصرّح تيفن للمونيتور، “لقد اضطررنا إلى العمل بسرعة. فقد علمنا العام الماضي أنّ المعبد بحالةٍ يرثى لها وأنّه لدينا أقلّ من عام للعمل عليه قبل انهياره بالكامل”.

بالنّسبة إلى المنظّمة، كان من المهمّ جدًّا إنقاذ المعبد، لذلك عملت على إيجاد التّمويل واغتنمت الفرصة لتثبيت جدران المعبد المتداعية. ويقول تيفن، “هذا المعبد هو القبر الأخير المتبقي لأحد أنبياء بلاد ما بين النّهرين. فقد تمّ تدمير القبور الأخرى مثل قبري النّبي يونس والنّبي جورج، على أيدي داعش. ولو وصل داعش إلى هنا، لكانت حلّت الكارثة. القبر رمزٌ موحِّد لتاريخ المنطقة. ووجود القبر في منطقة تبعد بضعة كيلومترات فقط عن الأراضي التي كان يحتلّها داعش، يجعل منه أيضًا رمزًا للأمل”.

ويشرح تيفن أنّ الضّريح يمثّل رمزًا مشتركًا للدّيانات التّوحيديّة الثّلاث، التي عاش أتباعها معًا عبر التّاريخ في هذا الجزء من محافظة نينوى. فقال “بالنّسبة إلينا، كان من المهمّ جدًّا حماية هذا الموقع والحفاظ عليه كي يبقى للأجيال المقبلة ولأنّه أحد القواسم المشتركة القليلة المتبقيّة بين اليهوديّة، والمسيحيّة والإسلام. وهو يرمز إلى ما يمكن أن يكون عليه الوضع في المنطقة في هذا الجزء من العالم حيث ينعدم التّعايش اليوم بين هذه الفئات الثّلاث”.

وهذا ما يرويه شمعون، أحد السّكان المحليّين، الذي كان جالسًا مع أصدقائه في ساحة بيته في بلدة ألقوش. ويتذكّر شمعون البالغ من العمر 93 عامًا “كيف كان اليهود يزورون قبر النّبي ناحوم، ويصلّون ويحتفلون فيه. ناحوم تحدّث مع الله. إنّه نبيّ بالفعل”.

أما صباح البالغ من العمر 76 عامًا، فيتذكّر بدوره كيف كانت العائلات اليهوديّة تقيم لدى السّكان المحليّين، بما في ذلك عائلته، أثناء الحجّ إلى المعبد. ويقول صباح، “كنت أتسلّل إلى القبر وأراهم يصلّون ويحرّكون أجسادهم كما نراهم اليوم على شاشات التّلفزيون”.

بعد أن غادر اليهود العراق، توقف الزّوار الذين كانوا يأتون مرّة في السّنة عن القدوم إلى العراق. وعبّر صباح عن حزنه لرؤية المعبد في حالته الراهنة. وأضاف صديقه شمعون، “بدأت حالة المعبد تتدهور بعد مغادرة اليهود إلى أن أخذ يتداعى في ستينيّات القرن الماضي”.

وقد أعرب الرجلان عن ارتياحهما عندما تمّ تنفيذ بعض أعمال الصيانة للحفاظ على الضريح، وهو شعور يتشاركه أيضًا بعض سكّان ألقوش الأصغر سنًّا. تقول نفلاء البالغة من العمر 26 عامًا إنّها “غالبًا ما تقصد الضريح لتصلّي فيه لأنّه معبد”. من جهته، قام ديار البالغ من العمر 31 عامًا بزيارة الموقع عدّة مرّات، ويقول “كنت أرغب في معرفة كيف كان من قبل. فهذا هو تاريخنا وناحوم هو نبيّنا”.

ويوافقه الأب آرام الرّأي، إذ يقول: “ناحوم هو نبيّنا أيضًا. إنّ الكنيسة مسؤولة عن كافة الأضرحة الموجودة هنا في ألقوش”. لهذا السّبب، قامت الكنيسة الكلدانيّة بوضع سقفٍ فوق المعبد منذ بضع سنوات لمنع أمطار الشّتاء من مفاقمة الأضرار. “فهي تحاول حمايته مثلما تحمي الأم طفلها”، يقول الكاهن.

ومع ذلك، كما أشار تيفن، ليست الأعمال الجارية حاليًا سوى المرحلة الأولى ممّا يجب القيام به للحفاظ على الضّريح للأجيال المقبلة. ويختم قائلًا، “ركّز مهندسونا على التّحدّيات المباشرة وقد قاموا بتثبيت الموقع للسّنوات الثّلاث المقبلة على الأقل، [ما] يمنحنا الوقت لاتّخاذ القرار بشأن ما يجب فعله بعد ذلك، وإيجاد التمويل اللازم”.

جوديت نورينك

كلمات دليلية
رابط مختصر