الرئيسية / آراء / الانتخابات والديمقراطية في العراق: نظرة نقدية

الانتخابات والديمقراطية في العراق: نظرة نقدية

دياري صالح – (ميدل إيست أونلاين) 1/4/2018

للديمقراطية العديد من المعاني. ومع ذلك، تؤكد الدراسات المتخصصة على أنها نظام يقوم على الأسس التالية: العدالة الاجتماعية؛ الازدهار الاقتصادي؛ والمساواة. وإذا فشلت الديمقراطية في خلق مؤسسات قوية لتحقيق هذه الأهداف، فإنها تصبح مجرد شعار فارغ يُستخدَم لاستغلال الناس فحسب.
لذلك، سوف نحاول هنا تحليل العملية الانتخابية في العراق لنقف على ما إذا كانت ستقود المجتمع إلى عالَم الديمقراطية. وقد ضحت الأمة العراقية على مدى العقد المنصرم بالكثير من الأرواح من أجل تحقيق هذا الطموح. لكن هذا البلد ما يزال يواجه حتى الآن العديد من النكسات التي تمنعه من تطبيق القيم الديمقراطية بشكل واقعي.
مع أن هناك بعض المراقبين الذين يدافعون عن النظام الانتخابي في البلد، فإنني أفضل أن أركز أكثر على أولئك الذين لديهم رأي مناقض. وفي السنوات الأخيرة، أصبح الاستياء الذي يعبر عنه هؤلاء شائعاً وسائداً.
لذلك، يقال أن أغلبية من الناس في العراق لم يعودوا يؤمنون بالانتخابات. ولديهم أسبابهم الوجيهة الخاصة. فهم يقولون إن الانتخابات السابقة لم تحقق أحلامهم. وقد وصل الفقر، والبطالة، والفساد، وتدهور المؤسسات الرسمية إلى كل رُكنٍ في العراق. وبذلك، يفترض الناس أنه ليس هناك فائدة من هذا الوهم الكبير بعد الآن.
ويؤكد الناس على أن الانتخابات لن تغير مستقبلهم. وسوف تواصل نفس الأحزاب حكم البلد. لكن الانتخابات ستعرض هذه المرة متنافسين جدداً، والذين لن يتوقفوا مع ذلك عن نهب الثروة وإهمال الفقراء في المدن العراقية.
عندما يأتي موسم الانتخابات، تبدأ الأحزاب السياسية بترويج الدعايات الانتخابية المختلفة. لكن الناس يكتشفون بعد ذلك أن هذه الأحزاب غشتهم عندما تشرع في زيادة انعدام المساواة الهائل داخل البنية السكانية للمدن. وفي المدى البعد، قد يؤدي الشعور السائد بالتمييز الجغرافي إلى الكثير من التوترات الاجتماعية بين المناطق الغنية والفقيرة.
في هذه الأيام، شرعت الأحزاب السياسية العراقية في التركيز على طرق ملتوية للحصول على الأصوات، مثل شراء الصوت الواحد بمبلغ 100 دولار. ولنا كل الحق في قول أنه إذا لم يكن المجتمع نفسه يهتم بشأن المستقبل ويبيع حقه في الانتخاب بهذه الحفنة من المال، فإن النظام الانتخابي سيفقد عندئذ شرعيته. وبالتالي، سيضع هذا النوع من الديمقراطية المفسدة العراق تحت الخطر.
بالإضافة إلى ذلك، حولت الأحزاب السياسية في الفترة الأخيرة انتباهها نحو التكنوقراط. وقد اختارت هذه الأحزاب العديد من الأكاديميين لتضمهم في قوائمها الانتخابية. ومع ذلك، تقوم الأحزاب باختيار أشخاص متشددين، في حين يتم استبعاد الأشخاص الليبراليين والمعتدلين.
لا يختلف الأكاديميون المتطرفون عن نظرائهم الآخرين الذين لا يعملون في مؤسسات جامعية. وبذلك، تمارس الأحزاب السياسية العراقية الآن الخداع على الناس باستخدام هذه الاستراتيجية.
في وقت لاحق، سوف يُصدم الناس بالبرلمان الجديد الذي سيُملأ بالتكنوقراط المتطرفين أو أولئك الذين لا يمتلكون الشجاعة لإصلاح النظام السياسي. وفي الحقيقة، سوف يكون هؤلاء أشبة بالبيادق في أيدي القادة السياسيين وليس أكثر.
كما تعطي الانتخابات العراقية أيضا دورا كبيرا للقبائل وشيوخها. ويتم منح هؤلاء القادَة القبَليين رشاوى كبيرة من أجل المشاركة في جعل مرشح ما يفوز في الانتخابات. ويمكن أن يصنع رأس المال السياسي المعجزات فإذا أمر قادة أي قبيلة كبيرة أتباعهم بالتصويت لأحد الساسة، فإنه سيكون رجل برلمان بشكل شبه مؤكد. فهل هذه هي الطريقة الديمقراطية التي تقوم ببناء الأمم؟
وللضواحي دورها أيضاً في العملية الانتخابية هي الأخرى. وفي بغداد بشكل خاص، تمتاز هذه المناطق بكثافة سكانية عالية. ويستغل الساسة باستمرار محنة هذه الأماكن التي تفتقر إلى السكن المناسب والخدمات الصحية والتعليم والصرف الصحي، لكسب الأصوات.
ويلجأ السياسيون في العادة إلى رجال الدين لإقناع سكان الضواحي الحضرية بالتصويت لمرشحين معينين. وفي المقابل، يتم تخصيص مساعدة غير كافية على الإطلاق لهذه المناطق المهمشة من أجل تحسين قطاع الخدمات. وهو نوع من المقايضة المهينة التي تقضي على كل جدوى من الانتخابات.
تُعقد الانتخابات البرلمانية في العراق كل أربع سنوات. ومع ذلك، لا تبدو الأحزاب السياسية ولا المجتمع المدني مهتمين بزيادة الوعي الجماهيري بأهمية هذا الشأن المصيري. وبذلك، يمكن للسلوك الجمعي القائم على الجهل، والمصلحة الشخصية، والتصويت غير العقلاني أن تؤدي إلى خلق برلمان غير مستقر.
في الختام، أود أن أعلن هنا أننا ربما نُهدر هذه الفرصة الفريدة التي يوفرها النظام الانتخابي. إننا في حاجة ماسة إلى إصلاحه وإلى التركيز على الوعي الانتخابي من الآن وحتى موعدِ إقامة الانتخابات التالية، التي يُفترض أن تُجرى في العام 2022.
بالإضافة إلى ذلك، يجب علينا تأكيد أنه إذا لم تغيِّر الأمة العراقية سلوكها الانتخابي، فإن الانتخابات لن تكون أبداً هي الطريق إلى الديمقراطية. وبدلاً من ذلك، سوف تصبح سبباً لتعقيد المشهد السياسي في هذا البلد فقط. وعندئذٍ، سوف يترتب علينا أن نتحدث بشجاعة عن البدائل.

*أكاديمي عراقي، يحمل درجة الدكتوراة في الجغرافيا من بغداد، وما بعد الدكتوراة في العلاقات الدولية في وارسو، يركز على القضايا الجغرافية في العراق.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Election and Democracy in Iraq: A Critical View

ala.zeineh@alghad.jo

شاهد أيضاً

كيف تجاوز «داعش» الخط الأحمر مُجدّداً في العراق؟ …عدنان حسين

لمناسبة مرور سنة على هزيمة تنظيم داعش في العراق وطرده منه، أعلنت الحكومة العراقية المناسبة …

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: