صدام الذي يرفض أن يموت إياد الدليمي

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 3 أبريل 2018 - 8:13 مساءً
صدام الذي يرفض أن يموت إياد الدليمي

ليس هناك عراقي لا يعرف تاريخ ميلاد صدام حسين. الحدث السنوي الذي كان يحوّل العراق، كل العراق، أسبوعا، إلى ساحة احتفالات كبيرة، بالقائد الضرورة، الذي سعى ليكون هو الوطن والوطن هو، فألف كبار الكتاب الكلمات التي عقدت هذه المزواجة بين القائد والوطن، وتغنت الحناجر بهذه الكلمات، حتى تماهى الوطن في شخص القائد، بل في أحيان كثيرة كان أجل وأعظم وأرفع، هكذا أراد أو هكذا أرادوا.
ونيسان، شهر أعظم مناسبات الميلاد في العراق الذي كان، فالسابع من نيسان ذكرى تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي، وفقا للتقويم العراقي وليس السوري. والثامن والعشرون من نيسان ذكرى ميلاد القائد، ولاحقا كان التاسع من نيسان ذكرى نهاية عراق صدام حسين، وولادة عراق آخر، ربما يصدق أن نطلق عليه عراق المرجعيات والمليشيات.
لاحقا كان التاسع من نيسان إيذانا بمرحلة مختلفة، ليس في عمر العراق فقط، وإنما في عمر المنطقة، وربما حتى العالم، فمع دخول دبابات المحتل الأميركي، مات القائد الضرورة ومات حزبه، وولد عراق آخر، مشوه، هذا أقل وصف له بعد خمسة عشر عاما.
أعدم صدام حسين في عام 2006، صبيحة عيد الأضحى، وعملت كل الحكومات والمرجعيات والأحزاب والمليشيات على محاولة طمس تاريخه، وتاريخ حقبته التي امتدت من ثورة 17 تموز عام 1968 وحتى احتلال بغداد عام 2003.
أعدم صدام، وظن قاتلوه أن برؤيته معلقاً على حبل المشنقة سينفتح الباب أمامهم لكتابة تاريخ جديد، تاريخ صدام وحزبه، وتاريخ العراق الجديد الذي جاءوا لحكمه، رافعين علامات النصر، ممتطين ظهر دبابة أميركية، ما كان لهم أن يدخلوا العراق من دونها، وما كان لهم أن يحكموا العراق من دونها.
مرت خمسة عشر عاما مذ أن وصلوا، ومرت اثنا عشر عاما على إعدام صدام حسين، وما عاد العراقيون يحتفلون بعيد ميلاد حزب البعث في السابع من نيسان، ولا عيد ميلاد القائد الضرورة. واستبدلوا تلك الأعياد بفرحة الزهرة، ومشية طويريج وزيارة الأربعين. وما كان ممنوعا في زمن حكم صدام و”البعث” صارت تعقد له الأيام، تُعطل دوائر الدولة، وتُقطع الشوارع، وتُسخر كل إمكانات الدولة، حتى يزور الراغبون بالزيارة كربلاء أو النجف لأداء شعائرهم التي كانت ممنوعة. ولكن الغريب أن صدام لم يمت، يرفض أن يموت. وإذا كنت لا تصدق، يمكن أن تذهب إلى أي قناة عراقية، حتى لو كانت قناة حزب الدعوة الحاكم، واستمع لما يقوله الناس في البرامج المباشرة التي تبث من شوارع بغداد أو المحافظات الجنوبية، ستجد صدام حسين حاضراً، وحاضراً وبقوة.
منح الدخلاء، الآتون على دبابةٍ أجيرة أو على ناقة العشيرة، كما يقول أحمد مطر، عمراً آخر لصدام حسين، فقد حركتهم غرائز الحقد ولذة الانتقام والعمالة والفساد وروح الطائفية التي
تغذّت بها أرواحهم عقودا، وحولوا البلد من بلد منهك متعب عاش عقوداً ما بين حرب وحصار، إلى بلدٍ ما عاد له من وجوده سوى تلك الجغرافيا التي تسوّره، وبات نهباً لمصالح هذا الطرف أو ذاك.
يكفي أن تتذكّر متى أعدم صدام حسين، لتتعرف كيف منحه أعداؤه عمراً إضافيا، فقد اختاروا له فجر عيد الأضحى، ليستفزوا بذلك مشاعر ملايين العرب والمسلمين. يكفي أن تتذكر حجم المليارات التي أهدرتها هذه الطغمة الفاسدة، وتجاوز ألف مليار دولار منذ 2004، من دون أن يكون لها أثر على أرض الواقع. يكفي أن تتذكر عدد الضحايا الذين توسدوا تربة العراق إنهم مليون ونصف المليون عراقي، ومثلهم أو يزيد من الأرامل، وضعف هذا العدد من النازحين، وضعفاه من المهجّرين، والقائمة تطول وتطول، حتى ليخيل لك أن العراق كان جنة قبل 2003، وهو لم يكن كذلك، لكنه بات عراق الحلم لكل عراقيٍّ عاش أهوال ما بعد 2003.
لم يعد العراقي يتردد وعبر شاشات الأحزاب الحاكمة والمتنفذة في البلاد في أن يمدح صدام حسين. لم يعد يخفي مشاعره تجاه حاكمٍ، ربما لايزال يصفه بالظالم والديكتاتور، لكنه متيقن من أنه كان أفضل من كل هذه الزمرة التي حكمت العراق بعد 2003.
يقول عراقي من أهل الجنوب عبر شاشة قناة تابعة لإحدى المليشيات المتنفذة “لا أحب صدام. ولكن والله صدام أشرف منكم، ولو كان موجودا ما كان هذا حالنا”. كان هذا المسن يقف على بقايا نهرٍ توقف ماؤه، بعد أن قطعت إيران روافد أنهارٍ كانت تصب في العراق.
كان يمكن أن ينتهي صدام حسين، شخصاً وتاريخاً، لو أن من جاءوا بعده عاملوا العراقيين مواطنين، بلا إقصاء أو تهميش، كان يمكن أن تطوى صفحة القائد الضرورة، لو أن من جاءوا بعده حفظوا للعراق كيانه وثرواته وحياة أهله. ولكن أبى مخالفوه إلا أن يمدوا بعمره ويمنحوه ميلاداً جديداً. قال أحدهم، لو أن صدام حسين ترشح للانتخابات المقبلة لاكتسح كل المتنافسين، من دون أن يحتاج لأي دعاية انتخابية، فدعايته ممتدة منذ 2003، فهذا شخص منحه أعداؤه فرصة الحياة مرتين.

كلمات دليلية
رابط مختصر