جدل حول حكومة ما بعد الانتخابات العراقية حول اعتماد الأغلبية أو التوافق

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 31 مارس 2018 - 3:03 مساءً
جدل حول حكومة ما بعد الانتخابات العراقية حول اعتماد الأغلبية أو التوافق

مع اقتراب الانتخابات يدور جدل بين الأحزاب العراقية حول شكل الحكومة المقبلة، فالبعض يطالب باعتماد الأغلبية السياسية، والآخرون يتمسكون بالتوافق السياسي ونظام المحاصصة الذي سارت عليه العملية السياسية في السنوات الماضية.

في 17 من الشهر الحالي أعلن رئيس الوزراء حيدر العبادي رفضه تطبيق الأغلبية السياسية، وقال خلال احتفال في بغداد انه “مع مبدأ التوافق السياسي الذي يرعى مصالح البلاد”.

وفي اليوم نفسه أعلن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي خلال لقائه عدداً من شيوخ القبائل تبني الأغلبية السياسية، وهو مؤشر جديد الى التناقض بين الرجلين الذين ينتميان الى حزب الدعوة الذي يمسك أعلى منصب سياسي منذ العام 2005.

ولكن هذا التناقض ليس مجرد خلاف بين رئيس وزراء حالي وسابق فحسب، بل أيضا جدل سياسي يتصاعد منذ ايام بين الأحزاب العراقية حول شكل الحكومة العراقية الجديدة بعد انتخابات أيار/ مايو المقبلة، ولكن طبيعة القانون الانتخابي والانقسامات العميقة والخوف من التهميش عوامل تقيد الانتقال الى الاغلبية السياسية.

وطبقا للعرف السياسي في العراق بعد 2003، يدار الحكم وفق قاعدة طاولة بثلاثة أرجل، يحصل الكرد على منصب رئاسة الجمهورية، وللشيعة منصب رئاسة الوزراء، وللسنة رئاسة البرلمان.

حتى الأسبوع الماضي انقسمت الأحزاب الكبرى الى فريقين، الأول يدعم الأغلبية السياسية ويضم كلاً من رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي وزعيم تيار “الحكمة” عمار الحكيم، والمفاجأة الكبرى إن الزعيم السني البارز أسامة النجيفي أعلن أيضا تأييده لذلك.

النائب عن “ائتلاف دولة القانون” منصور البعيجي يقول :حول ذلك “لنكن صريحين، ان نظام المحاصصة والتوافق السياسي اثبت فشله في الحكم والجميع يعلم ذلك، الفساد الإداري ينتشر في ظل المحاصصة ولا يستطيع البرلمان المحاسبة لان جميع الكتل مشاركة في الحكومة”.

ويضيف أن “الأغلبية السياسية الحل الأفضل والمشهد السياسي تطور خلال السنوات الماضية وأصبح يتجه نحو ذلك من اجل تحقيق التنمية في البلاد”.

ويعتبر المالكي أول من طرح فكرة الأغلبية السياسية في العام 2010 عندما نالت كتلته “دولة القانون” (89) مقعدا في البرلمان متجاوزا باقي الأحزاب الشيعية مجتمعة إذ نالت في حينها (78) مقعدا، ولكن مفاجأة ضربت الأحزاب الشيعية عندما فاز رئيس الوزراء الأسبق اياد علاوي في تلك الانتخابات ونال (91) مقعدا، ليضطر المالكي للعودة الى التوافق السياسي والتحالف مع الأحزاب الشيعية للحفاظ على منصب رئيس الوزراء.

وفي انتخابات عام 2014 فاز ائتلاف المالكي في المرتبة الأولى في الانتخابات بـ (100) مقعد وحصل المالكي على نحو نصف مليون صوت، ولكنه فشل أيضاً في تحقيق حلمه بتشكيل حكومة أغلبية بعد انتقادات سنية وكردية وشيعية على طريقة حكمه، وفي النهاية ذهب المنصب إلى زميله في الحزب حيدر العبادي الذي لم يحصل على أكثر من 5 آلاف صوت.

المشكلة الأساسية التي تواجه تطبيق الأغلبية السياسية في العراق هي صعوبة حصول كتلة واحدة على نصف مقاعد البرلمان البالغ (328) مقعدا، وهي النسبة الكافية التي تمنح الفائز فرصة تشكيل الحكومة من دون الحاجة الى التنازل إلى كتل أخرى للحصول على حلفاء.

الباحث السياسي الكردي كفاح محمود كريم يرى أن “بلدا متنوع المكونات والطوائف مثل العراق وبعيدا عن مفهوم المواطنة، لا يمكنه تطبيق الأغلبية السياسية لأنها ستؤدي في النهاية الى سيطرة طائفة او مكون على السلطة”.

في الانتخابات السابقة كانت الأحزاب العراقية أكثر تماسكا عبر كتل سنية وشيعية وكردية ورغم هذا لم ينجح أي منها في تحقيق الأغلبية على الرغم من ان الأحزاب الشيعية مجتمعة حصلت على (179) مقعدا.

وبعد أزمات سياسية والحرب على المتطرفين خلال السنوات الأربعة الماضية ازدادت المهمة صعوبة بعدما انقسمت الكتل، فالأحزاب الشيعية ستشارك في الانتخابات المقبلة ضمن أربعة تحالفات متصارعة وهي “ائتلاف دولة القانون” بزعامة المالكي و”النصر” بزعامة العبادي و”الحكمة” بزعامة عمار الحكيم و”سائرون نحو الإصلاح” بزعامة مقتدى الصدر، بينما كانت في السابق تخوض الانتخابات مجتمعة تحت اسم “التحالف الوطني”.

الشيء نفسه مع الأحزاب السنية التي ستخوض الانتخابات في خمسة تحالفات أبرزها “الوطنية” بزعامة اياد علاوي و”القرار” بزعامة أسامة النجيفي، وكذلك مع الكرد الذين كانوا على مدى السنوات الماضية الكتلة الاكثر تماسكا، ولكن أزمة الاستفتاء أوجدت انقساما عميقا بين الحزبين الرئيسيين “الاتحاد الوطني الكردستاني” و”الديمقراطي الكردستاني”.

ووصلت الخلافات الى داخل هذه الأحزاب، فانسحب السياسي المخضرم برهم صالح من “الاتحاد الوطني” وشكل حزبا جديدا، بينما ظهرت كتل جديدة أبرزها “التغيير” بزعامة السياسي الراحل نيوشيروان مصطفى، و”الجيل الجديد” بزعامة رجل الأعمال الشاب ساشوار عبد الواحد.

هذه الانقسامات ستؤدي الى نتيجتين في الانتخابات المقبلة، الأولى ان مقاعد البرلمان ستتبعثر بين احزاب عديدة ولن ينال اي منها مقاعد كثيرة كما كان يحصل في الانتخابات السابقة، والثاني صعوبة تشكيل الحكومة الجديدة وقد تستغرق المفاوضات لتشكيلها أشهراً طويلة.

ويحاول بعض السياسيين تجميل مفهوم الأغلبية السياسية عبر طرح أسماء أخرى مثل “الأغلبية الوطنية” الذي طرحه عمار الحكيم وأسامة النجيفي، ويقولون إن ذلك لا يعني احتكار السلطة من قبل طائفة واحدة بل تشمل قوى مختلفة كافية لتشكيل الحكومة أما الكتل الباقية فتقوم بدور المعارضة.

ولكن في العراق وعلى النقيض من الدول الديمقراطية، لا توجد كتل سياسية معارضة للحكومة داخل البرلمان، فجميع الكتل ترفض أن تكون في المعارضة، وتسعى للحصول على وزارات ومناصب في الحكومة، فما السبب؟

ويقول النائب عن “التحالف الوطني” رحيم الدراجي إن “الأغلبية السياسية مجرد شعار تطلقه بعض الأحزاب في مسعى لتغيير الوضع القائم، ولكن سيبقى دون تطبيق بسبب طبيعة النظام السياسي ورفض الكتل لعب دور المعارضة في البرلمان، وبعد الانتخابات سيتوجه الجميع الى الكتل الفائزة للحصول على المناصب”.

وأثبتت التجربة السياسية منذ العام 2003 أن الانضمام للحكومة أفضل من معارضتها لأن أصوات المعارضة يتم تجاهلها بسهولة من قبل الحكومة.

أبرز الأمثلة على ذلك الصراع السياسي الذي دار خلال فترة حكم المالكي (2006-2014)، ففي العام 2013 قدم البرلمان عشرات الطلبات الى الحكومة تطالب المالكي بالحضور الى البرلمان لمناقشة الأوضاع الامنية والسياسية المتأزمة خلال تلك الفترة، ولكن المالكي تجاهل هذه الطلبات بسهولة.

وتؤكد الفقرة السابعة من المادة (61) من الدستور على صلاحية البرلمان في استدعاء رئيس الحكومة، وجاء فيها “يستطيع عضو البرلمان أن يوجه إلى رئيس مجلس الوزراء والوزراء، أسئلة في أي موضوع يدخل في اختصاصهم، ولكلٍ منهم الإجابة عن أسئلة الأعضاء، وللسائل وحده حق التعقيب على الإجابة”.

وكان المالكي يبرر رفضه الذهاب إلى البرلمان بان القوى المعارضة تسعى لإسقاط حكومته وفق أجندات خارجية، كما انه لم يتوان عن اتهام البعض بأنهم بعثيون ومتعاطفون مع الإرهابيين، وبسبب ذلك لم تعد الأحزاب تثق به ولا بهدفه في تشكيل حكومة أغلبية.

في المقابل، فان فريقا سياسيا بدأ يتشكل ضد الأغلبية السياسية، والى جانب العبادي الذي أكد ان التوافق السياسي هو الأفضل، انضم اليه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر مؤخرا، وقال الخميس الماضي في بيان رسمي “لست مع الأغلبية السياسية حاليا”.

رابط مختصر