الرئيسية / أهم الأخبار / غياب الحلول القانونية الجدية لقضية عائلات «الدواعش» في العراق … مصطفى العبيدي

غياب الحلول القانونية الجدية لقضية عائلات «الدواعش» في العراق … مصطفى العبيدي

بغداد ـ «القدس العربي»: عقب الإعلان عن إسقاط تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق، تواجه الحكومة العراقية العديد من المشاكل المعقدة في كيفية التعامل مع عائلات المنتمين إلى التنظيم من العراقيات والأجنبيات وأولادهن، ممن وقعوا في الأسر أو سلموا نفسهم للقوات الأمنية بعد مقتل أو فرار أبناءهم، وسط غياب استراتيجية وطنية محددة أو إجراءات لترتيب أوضاعهم القانونية والاجتماعية.
وفي هذا الإطار، أعلنت السلطات القضائية العراقية ان محكمة التمييز الاتحادية، أصدرت قرارا بقبول طلب مواطنة عراقية بالانفصال عن زوجها، الذي ثبت انتماءه لتنظيم «الدولة الإسلامية».
وينص القرار على «جواز طلب الانفصال بين الزوجين في حالة انتماء أحدهما إلى منظمة إرهابية أو أي عدو للبلاد»، والسماح للمحاكم أن» تحكم بالتفريق بين الزوجين مع احتفاظ الزوجة بكامل حقوقها الزوجية».
وقد استند القرار الجديد إلى قرار لمجلس قيادة الثورة المنحل برقم 1529 والصادر في عام 1985 حول جواز تفريق الزوجة عن زوجها الفار إلى العدو، في إشارة إلى العراقيين الذين كانوا يفرون إلى إيران أثناء الحرب العراقية الإيرانية (1980 ـ 1988).
وصرح المتحدث باسم مجلس القضاء الأعلى القاضي عبد الستار بيرقدار، أن محكمة التمييز اعتبرت، في نص قرارها، أن «مفهوم العدو متغير ويحدد تباعا للنظام السياسي القائم، ولا يسري على المعنى التقليدي للعدو بل يشمل التنظيمات الإرهابية كافة».
وقد أجرت «القدس العربي» استطلاعا لآراء بعض المعنيين حول مشكلة عائلات عناصر تنظيم «داعش» في العراق، لكشف أبعادها وطرق مواجهتها.
وأكدت النائبة عن الموصل نورة البجاري، ان القرار صائب إذا كان يعني العناصر المنتمين فعلا إلى «داعش» وارتكبوا جرائم بحق الشعب العراقي، والذين أغلبهم أما قتلوا خلال المعارك أو هربوا خارج البلاد أو معتقلين لدى القوات الأمنية، مشددة على ضرورة ان يكون هناك حذر من القضاء العراقي في تطبيق هذا القرار، لتفادي استغلاله وسوء تطبيقه، ومشيرة إلى وجود المئات من الأشخاص في السجون بتهمة الانتماء إلى تنظيم «داعش» أو بقضايا الإرهاب، ولكن الكثير منها تهم كيدية لم تثبت عليهم رغم مرور سنوات على بعضهم في السجون دون حسم قضاياهم. لذا على المحاكم ان تتأكد من صدور أحكام قطعية ضد الأشخاص الذين ترفع ضدهم زوجاتهم قضايا تفريق بسبب انتماءهم إلى تنظيم «داعش».
وقالت البجاري ان «هناك مشاكل اجتماعية كبيرة جدا تركها التنظيم في المجتمع العراقي بعد القضاء على دولته، فعائلة الداعشي تعاني حاليا وتتحمل عقوبات وإجراءات حكومية وملاحقات اجتماعية رغم ان شخصا واحدا فقط منها تورط مع التنظيم المذكور ولا ذنب لباقي أفراد العائلة في الموضوع، وليس من المعقول ان تتعرض كل العائلة إلى العقوبات والانتقام بسبب موقف أحد أفرادها في التنظيم، علما ان الكثير من العائلات كانت ترفض انتماء الابن أو الأب إلى التنظيم ولكنها سكتت لأنها تخاف من انتقام تنظيم «الدولة».
وبينت ان هناك تصرفات فردية غير مسؤولة من جهات حكومية أو من بعض أفراد المجتمع بالانتقام من تلك العائلات وطردها من بيتها ومنطقتها إلى مناطق أخرى وأحيانا يتم الاستيلاء على أموالها أو ابتزازها، وهذا لا يحل المشكلة، ويفترض بالحكومة إيجاد مناطق خاصة لعائلات الدواعش والتعامل معهم بحذر لكي لا تخلق عدوا جديدا للحكومة في السنوات المقبلة.

إجراءات ضعيفة

وحول تقييمها لتعامل الحكومة والمجتمع مع ملف عائلات الدواعش، أقرت البجاري ان إجراءات الحكومة ما زالت ضعيفة ولا تتناسب مع حجم المشكلة، حيث لا توجد حتى اليوم قوانين من الحكومة والبرلمان خاصة بالتعامل مع هذه الظاهرة، وقوانين العراق القديمة لا تتناسب مع خصوصية المشكلة، مؤكدة ان الحكومة مطالبة باتخاذ قرارات جدية وحاسمة لكيفية التعامل مع عائلات الدواعش وفق القانون لكي تعود هيبة الدولة، وليس بإجراءات فردية ومزاجية.
واعترفت بعدم وجود قوانين حكومية واضحة حول كيفية التعامل مع المشكلة، بينما المفروض ان تتعاون الحكومة والبرلمان في تشريع القوانين المناسبة للحالة، مقرة بانه لم يتم طرح هكذا مشاريع في البرلمان نظرا لحساسية القضية، وأي نائب يقدم مثل هذه القوانين يتهم بتهم كثيرة من بينها التعاون مع الإرهاب وغيرها، مؤكدة ان التعامل مع قضية عائلات داعش، هي مسؤولية وطنية تشترك فيها الحكومة والبرلمان والشعب، خاصة وان أعدادها كبيرة، فلا يمكن معاقبة ربع المجتمع مثلا، بل يفترض بالدولة احتضان من لم يتورط في جريمة ضد المجتمع والدولة.
ويقول مساعد الأمين العام لاتحاد المحامين العرب ضياء السعدي لـ»القدس العربي»، ان محكمة التمييز استندت في قرارها على قرار مجلس قيادة الثورة المنحل، والذي أجاز للمحكمة التفريق بين الزوجين إذا هرب الزوج إلى العدو، وكان المفروض بالمحكمة ان تحكم بالتفريق وفق المادة 40 من قانون الأحوال الشخصية النافذ التي أعطت الحق للزوجة بطلب التفريق وإنهاء الحالة الزوجية عند وقوع الضرر عليها بسبب سلوك الزوج.
وأضاف السعدي انه في كل الأحوال لا بد للمحكمة من التأكد من مدى مصداقية ادعاء الزوجة حول ارتباط زوجها بالتنظيمات الإرهابية وان يكون ذلك وفق قرارات قضائية من محكمة مختصة وليس مجرد ادعاء الزوجة أو اعتقال زوجها، محذرا من امكانية استغلال بعض الزوجات لهذا القرار من أجل اتهام زوجها بالارتباط بالحركات الإرهابية لمجرد إنهاء العلاقة الزوجية.
واستغرب السعدي حصر القرار بالذين ينتمون إلى تنظيم «داعش» فقط في الوقت الذي كان يفترض ان يتم توسيع مفهوم القرار ليشمل المنتمين إلى أي تنظيم إرهابي آخر، بل وحتى ليشمل المنتمين لجماعات أخرى مثل الجريمة المنظمة.

عائلات الأسرى

وخلال معارك القوات العراقية مع تنظيم «داعش» للفترة من 2014 لغاية 2017 برزت مشكلة معقدة أمام السلطات العراقية، تتمثل في كيفية التعامل مع زوجات وأبناء عناصر التنظيم، ممن وقعوا في الأسر أو ممن سلموا نفسهم للقوات الأمنية، واللواتي ينتمين إلى جنسيات عراقية وأجنبية. وكانت هناك دعوات للتعامل مع الزوجات والأبناء كمجرمين إسوة بالأزواج والآباء المتورطين مع «داعش»، بينما دعا آخرون وبينهم منظمات إنسانية دولية، إلى اعتبارهم ضحايا كانوا مجبرين على التعامل مع التنظيم، وخاصة بالنسبة للأطفال.
وعقب الانتهاء من معركة تحرير الموصل في تموز/يوليو الماضي، أقامت القوات الأمنية معسكرا خاصا بعائلات «داعش» في منطقة تلكيف قرب الموصل، ضم 509 من النساء و813 طفلا من العراق ومن 13 بلدا مختلفا في أوروبا وآسيا وأمريكا. وأقدمت السلطات العراقية المختصة، لاحقا، على نقل عائلات تنظيم «الدولة» من الأجانب، إلى معتقل آخر قرب العاصمة بغداد.
وقالت النائب الإيزيدية فيان دخيل، إن «الأجهزة المختصة نقلت نحو 300 من عوائل داعش من الأجانب، من أصل نحو ألفين، من معتقل تلكيف إلى معسكر التاجي شمال بغداد».
كما أفادت المصادر الحكومية، ان السلطات أجرت فحوصات «DNA» على جميع الذين تم نقلهم لمعسكر التاجي من الأطفال والنساء لتحديد نسبهم ومعرفة جنسياتهم.
وتؤكد قوات الأمن تعاون بعض أسر وزوجات تنظيم «داعش» خلال التحقيــقات التي جرت معهن، حيث تمكـــنت في بعض الأحيان من الـوصــول إلى مـعلومات هامة ودقيــقة عن التـنـظيم الإرهـــابي وطـــرق عمــله وخططه وعناصره.
وقامت الحكومة العراقية بتسليم العديد من الأطفال والنساء الأجانب من عائلات «داعش» الأسرى لديها، إلى حكومات بلدانهم الأصلية بعد التأكد من جنسياتهم، ومنها روسيا والشيشان والمانيا وفرنسا، بينما تحتفظ بعدد من الأولاد الذين فقدوا والديهم أو مجهولي النسب، في دور الأيتام في بغداد.
وفي هذا المجال، ذكرت مصادر عراقية أمنية، ان نحو 100 طفل ألماني من عائلات الدواعش قيد الاعتقال في العراق، وان مفاوضات تجري مع حكومات بلدهم، لتحديد نسبهم من خلال اخضاعهم لفحص الحمض النووي لإثبات صلات القرابة بآبائهم حاملي جوازات السفر الألمانية وذلك لإعادتهم إلى بلدهم. كما أكد الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف، أن أكثر من 100 مواطن روسي من بينهم مجموعة كبيرة من الأطفال يتواجدون في سجن في العاصمة العراقية بغداد، وقد سلمت الحكومة العراقية بعضهم فعلا إلى روسيا والشيشان.
وكانت منظمة الأمم المتحدة حضت الدول التي أنجب مواطنوها أطفالا في المناطق التي كانت تحت سيطرة تنظيم «داعش»، على إيجاد حل لهؤلاء الأطفال وعدم تركهم للمخاطر التي يتعرضون لها وحالة انعدام الوطن.
وفي السياق أيضا، أكدت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، انها تتعامل مع أطفال «الدواعش» بمن فيهم الأجانب كضحايا للإرهاب الذي مارسه التنظيم في المحافظات التي احتلها عام 2014 فيما أشارت إلى انها تودع أطفال النساء اللواتي أصبحن حوامل جراء اغتصابهن من المسلحين في دور الأيتام.
وقالت مدير عام دائرة ذوي الاحتياجات الخاصة في الوزارة عبير الجلبي ان بعض الأطفال من أصول شيشانية وفرنسية تم تسليمهم إلى بلدانهم، أما بشأن الأطفال العراقيين ممن ينتمي أهاليهم إلى «داعش» فان «هذا الأمر يتعلق على الأكثر بالنساء الإيزيديات اللواتي تم اغتصابهن من قبل الدواعش، وكانت نتيجة ذلك حصول حالات حمل. إلا ان تلك النسوة رفضن أخذ أطفالهن معهن عند تحريرهن وإعادتهن إلى ذويهن، الأمر الذي دفع إلى إيداعهم في دور الأيتام إلى أن يتم إيجاد حل لمثل هذه الأمور الاجتماعية».
وأشارت الجلبي إلى أن «الدولة تتعامل مع هؤلاء الأطفال كأيتام بغض النظر عن والديهم» منوهة إلى «إيداع عدد كبير من النساء المنتميات إلى تنظيم داعش، في السجن في انتظار محاكمتهن ويصطحبن أطفالهن دون سن الثالثة بموجب القانون، بينما تم ايداع 600 من الأطفال الكبار في مكان خاص، ولا يتم دمجهم مع بقية الأيتام، لأن هؤلاء يحتاجون إلى إعادة تأهيل نفسي ومجتمعي خاص».
وتشير المصادر الأمنية العراقية إلى أن السجون الحكومية تعج بالمئات من عناصر تنظيم «الدولة» من الرجال والنساء الذين وقعوا بيد القوات العراقية أو ممن سلموا نفسهم إليها، بينهم عراقيين وأجانب، منوهة إلى ان بعضهم صدرت عليهم أحكاما بالإعدام أو السجن، وتم نقل بعضهم إلى سجون في بغداد، كما تم نقل البعض إلى سجن الحوت في الناصرية مركز محافظة ذي قار جنوب العراق.
ويتفق المراقبون في العاصمة العراقية على ان التعامل مع عائلات «الدواعش» هي قضية إنسانية معقدة ومتشعبة تتطلب جهدا وطنيا لكل مكونات الشعب العراقي لكي يتم احتواء تلك العائلات وإعادتها إلى الصف الوطني. ويبدو ان الاهتمام بالانتخابات المقبلة والخلافات السياسية والصراع على السلطة، قد شغلت الحكومة والبرلمان والقوى السياسية والاجتماعية عن التركيز على هذه القضية الحساسة، التي تتطلب تعاون الحكومة العراقية مع دول ومنظمات إنسانية معنية، لكي يتم احتواء آثارها والتعامل معها بأقل الخسائر بالاستفادة من تجارب الدول التي مرت بظروف وحالات مشابهة، وهو التعاون الغائب حاليا مع الأسف.

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

x

‎قد يُعجبك أيضاً

البطالة والفقر يرفعان الأمّية في العراق لمستويات مخيفة

بغداد – عمر الجنابي – الخليج أونلاين مع تفشّي الفساد وغياب الرقابة وما شهده العراق ...

%d مدونون معجبون بهذه: