سينما هوليوود وقضية العراق: فيلما «المبعوث» و«خزانة الألم» كأنموذجين … يوسف المحسن

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 11 مارس 2018 - 5:50 مساءً
سينما هوليوود وقضية العراق: فيلما «المبعوث» و«خزانة الألم» كأنموذجين … يوسف المحسن

أكثر من مئتي فيلم أنتجتها هوليوود عاصمة السينما الأمريكية منذ العام 2003 تناولت فيها ما حصل ويحصل في العراق ومن زوايا عدة، أفلام دار بعضها عن الحرب، وكان الجزء الأكبر فيها يتناول ما بعد الحرب، البعض منها استند إلى مقولة الروائي الألماني ريمارك في روايته الشهيرة والتي تحولت إلى واحدة من أعظم الأفلام السينمائية «كل شيء هادئ في الجبهة الغربية» حين كتب على لسان واحدة من شخصياته «أسوأ ما في الحرب أنّها تحول الناس إلى أرقام، أعداد لا يُكترث لها، يختزل فيها الإنسان ذاكراته، أحلامه، عائلته وأوجاعه إلى مجرد رقم».
الكم الكبير من الأفلام أدخل تصنيفاً سينمائياً جديداً أطلق عليه النقاد «أفلام حرب العراق». فبعد أفلام الحربين العالميتين وحرب فيتنام جاء الدور على حربي الخليج 1991 و2003، وبالعودة إلى لغة العائدات فإن أفلام حربي العراق ليست مربحة والبعض منها خسر تجارياً لأسباب ترتبط بعدم رغبة الجمهور في رؤية الحروب أو ان وسائل الإعلام كانت تسبق في نقل الأحداث على العكس من الحروب السابقة، اضافة إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي التي كانت مسرحاً لتغطيات صورية يقوم بها جنود من قلب الحدث، ومع ذلك فالخسائر التي يتلقاها منتجو أفلام حرب العراق لم تمنعهم من مواصلة الإنتاج.
فيلم «خزانة الألم» من أكثر الأفلام الأمريكية التي تناولت موضوعة العراق والتي تمثل عيناً ومرآة لقراءة الواقع العراقي من وجهة نظر فنية، حائز على جائزة «أوسكار» كأفضل فيلم متكامل عام 2009. وحصلت فيه المخرجة كاترين بيغلو على جائزة الاخراج كأول امرأة تحصل على هذه الجائزة. الفيلم الذي يتناول قصة فرقة لمعالجة القنابل والألغام مكونة من ثلاثة جنود أمريكيين يرسلون إلى العراق حيث تواجههم التحديات نتيجة زيادة النشاط المعادي لوجود القوات الأمريكية في هذا البلد، وأهم ما فيه انه كان ميداناً لطرح الأسئلة من خلال الحوارات التي تجري بين الجنود حول مهمتهم والأعمال التي يقومون بها، فيما عكست الكلمات التي يتبادلها الجنود الثلاثة واقع التضارب في وجهات النظر داخل المجتمع الأمريكي الذي غالبا ما يثير تساؤلات. جندي متهور يقتحم القنابل بلا حذر لا يهمه سوى انجاز عمله، وآخر حذر جداً إلى درجة الخوف من الموت في بعض الأحيان، وثالث يجد في التعليمات العسكرية وقواعد السلوك أشياءً ليست قابلة للخرق أو التجاوز، الميزات الثلاث دخلت في قالب درامي أنتج تحفة سينمائية ستبقى واحدة من الأعمال الفنية عالية الجودة ومثلما وصفتها مجلة «التايمز».
أفلام هوليوود لم تقف في تناولها لموضوعة الحرب في العراق وافغانستان عند تصوير الأعمال الحربية كنوع من الترويج أو الفضح لها، وإنّما حاولت استدراج المشاهد كي يكون طرفاً فيها، الاشتغال على صدى هذه الحرب في داخل المجتمع ومن ثم التسلل إلى النفس الإنسانية، ومن القريب إلى الدقة ان نقول ان وقعها الشعوري قد تجاوز ثراءها الفنّي في التصوير والتناول، وهو ما لاحظته في فيلم «المبعوث» الذي ادرج في قائمة أفلام حرب العراق على الرغم من كونه لم يحتو على أي مشهد حربي إذا ما استثنينا البدلات العسكرية التي يرتديها الممثلون. الفيلم الذي انتج عام 2009 بميزانية لم تتجاوز ستة ملايين وخمسمئة ألف دولار وحصد مليار ونص المليار من اخراج أورين موفرمان وبطولة بن فوستر بدور (السيرجنت مونتغمري) وودي هارلسون بدور (النقيب ستون) وسامانثا مورتن بدور الأرملة (اوليفيا بيترسون). وتتلخص القصة بإناطة مهمّة ابلاغ عوائل الجنود الأمريكيين القتلى بنبأ مقتل أبنائهم إلى مجند عائد من العراق (السيرجنت مونتغمري) بعد شفائه من إصابات عدّة. مبعوث الشؤم الذي ينقل نبأ مقتل الجنود إلى عوائلهم هذا يتلّقى التدريب على هذه المهمة الدقيقة من قبل (النقيب ستون) المتمرّس في سرب ملائكة الموت، ولانّ المهمة دقيقة وفي سباق مع محطّات التلفزة أو الجنود الذين يحملون هواتف ذكية، فالمهم هو ابلاغ العوائل قبل ان يعرفوا من وسائل الإعلام، والقصّة التي تتحدث عن ضحايا الحرب وعوائلهم تناولت الحرب والأسئلة المثارة حولها، فمن مرآة داخلية لانفعالات الإنسان وتفاعله مع الأحداث، يقدم الفيلم قراءة لحجم الضرر المأسوي الذي تخلفه الحرب في النفوس، (السيرجنت مونتغمري) والذي اختير اسمه بدهاء من قبل مؤلفيّ الفيلم وهما أليساندرو ماكون وأورين موفرمان للإحالة صوب تاريخ قديم للحرب العالمية الثانية يتابع ويتلقّى ردود فعل العائلات عن مقتل أبنائها، أبلغ تينا بريل بمقتل ولدها فطردته، وأبلغ ديل مارتن بمقتل ولده برصاص قناصة في جنوب العراق فضربه وبصق في وجهه متسائلاً لمَ لم تذهب انت للحرب وتموت؟ وأبلغ اوليفيا بمقتل زوجها في الموصل فحزنت معبرة عن تقديرها لأنها تعلم صعوبة العمل الذي يقوم به كنذير شؤم، حيث يرتبط بها بعلاقة حب، وأبلغ مالا غاليندو بمقتل زوجها الذي تزوجته دون علم والدها، وأبلغ فاسكيز على يد مترجم عن مقتل ابنته بتحطم مروحية، وأبلغ والدين في سوبر ماركت بمقتل ولدهما وكانت المرّة الأولى التي يخرق فيها التعليمات ويعانق ذوي القتلى .
الحرب لم تنته في داخله رغم عودته من العراق، وردود أفعال عائلات القتلى لها وقع الانفجارات في القتال، فكان بعد كل جولة حرب (تبليغية) يلجأ إلى شرب الكحول. الفيلم اعترف أن ما اقترف من خروقات في العراق تقف وراءه أسباب عدّة من بينها الانفعال والغضب الناجم عن الحاجة إلى الجنس وكما قال (النقيب ستون) فالعراق بلد محافظ على العكس من البلدان التي وطأتها أقدام الجنود، وعن دور وودي هارلسون في الفيلم الذي رُشِّح للأوسكار كأفضل ممثل مساعد قالت صحيفة «اورلاندو سنتيل» وهي الصحيفة الكبرى في ولاية فلوريدا «هارلسون قدّم لنا فورات من الألم مغطاة بهيأة صلبة في واحد من أفضل أدواره التمثيلية التي قدمها، انّه يستحق الاوسكار».
حرب العراق انتهت لكن آثارها تستمر بين أوساط المجتمع الأمريكي، مكابدات نفسية وتراكمات اجتماعية وانزياحات حسيّة عميقة تجلت في موسيقى الفيلم التي وضعها نايثن لارسون ببراعة، فالطفل الذي رفض حملة بدلة امه السوداء والأب الذي زرع شجرة بعمر ابنه، والجندي الذي يعلّق العلم العراقي فوق سرير نومه وهو في أمريكا، والزوجة التي تعيد غسل ملابس زوجها الغائب في كل يوم، هي ضربات فرشاة حزينة في حائط ينمو، وبما حوله إلى تحفة سينمائية وشهادة تاريخية وإنسانية.

رابط مختصر