الرئيسية / علوم / مدغشقر.. التي انتصرت على الإيدز

مدغشقر.. التي انتصرت على الإيدز

ياسين الكزباري – مدغشقر

عندما اقتنعت “ساهولي” بضرورة الأمر، رافقتها إحدى موظفات الرعاية لتدعمها في القيام بما ترددت فيه لشهور. وفي البيت وقفت أمام أسرتها دامعة العينين محطمة الفؤاد، ثم قالت “سأخبركم أمرا، أنا مصابة بالإيدز”، فنظر إليها شقيقها الأكبر مصدوما، ثم قال “أنا أيضا”، ثم قالت أختها الكبرى نفس الشيء، وكذلك قال الأخ الأصغر “لم أخبركم، لأني خشيت أن تطردوني من البيت”.

كانت عائلة ساهولي واحدة من آلاف الأسر المالغاشية (سكان مدغشقر) التي يتعايش فرد أو عدة أفراد منها مع فيروس داء نقص المناعة المكتسب، غير أن وصمة العار التي تلاحقهم تدفعهم لإخفاء أمر إصابتهم، وهو ما تجتهد الحكومة لتوعية المجتمع بخطورته.

وعن ذلك تشرح لنا ساهولي قائلة “عندما يخفي المصاب أمره عن عائلته، يضطر لعدم الانتظام في تناول العلاج ومتابعة الفحوص خشية افتضاح أمره، وبالتالي تتفاقم حالته، كما يساهم جهل عائلته بأمره، في انتشار الوباء، فمثلا قد يستعمل شخص شفرة حلاقة أخيه المصاب فتنتقل إليه العدوى.

والأخطر من ذلك، أن المريض حين يفتقد الدعم المعنوي والتعاطف من المجتمع، قد يصبح عدائيا ويتجه إلى الانتقام من المجتمع بنقل العدوى إلى أشخاص آخرين، ويحصل ذلك خاصة حين يكون المريض نفسه ضحية”.

في دولة مثل جنوب أفريقيا يبلغ عدد المصابين بالإيدز في مستشفى باراغواناث وحده ثمانية آلاف مصاب، وهو واحد من المستشفيات المخصصة لهذا المرض في جنوب أفريقيا، تلك الدولة التي تبلغ فيها نسبة الإصابة حوالي 20%، أي خمس المواطنين، وهي ليست الأسوأ حالا، ففي دول أخرى مجاورة تبلغ النسبة أحيانا 40%.

أما نسبة الإصابة بالمرض في مدغشقر، فهي أفضل منها في جنوب أفريقيا الواقعة في أقصى الجنوب الفقير، ولكن اللافت أنها أيضا أفضل من النسبة التي تعرفها فرنسا وسويسرا وأميركا، بل ومماثلة لتلك المسجلة في الدانمارك وكندا الواقعتين في أقصى الشمال المترف، إنها 0.3%.

ويرجع البعض الفضل في تلك النسبة المنخفضة إلى كون مدغشقر جزيرة معزولة جغرافيا، لكن وجود جزر أخرى منفصلة جغرافيا عن القارة الأم وتعرف نسبا أكبر من الإصابة ينفي ذلك. فموريشيوس والرأس الأخضر مثلا تعرفان نسبة أعلى بثلاثة أضعاف، رغم أنهما أصغر بكثير من حيث عدد السكان وحجم المبادلات التجارية مع دول جنوب أفريقيا، ورغم أنهما أغنى من مدغشقر (معدل الدخل السنوي للفرد في موريشيوس 8000 دولار، وفي مدغشقر يبلغ 450 دولارا)، وأكثر تطورا من حيث البنية التحتية لقطاع الصحة.

وقبل 15 عاما لم يكن في البلاد التي يصل عدد سكانها نحو 20 مليونا، بنية تحتية صحية متناسبة مع الخطر البالغ الذي يعنيه وباء الإيدز، والذي كان مستفحلا في منطقة جنوب أفريقيا ومتسببا في خسائر بشرية واقتصادية عظيمة. وعن ذلك حدثنا الدكتور سالفاتور نيونزيما قائلا “في سنة 2002، لم يكن في كل البلاد سوى مركز واحد لفحص وعلاج الإيدز لآلاف المصابين، وفي سنة 2004 تلقى العلاج ثلاثون شخصا فقط من بين 17 ألف حالة مؤكد ، أي 0.001% فقط، وكانت نتائج هذه اللامبالاة الحكومية كارثية، حيث تضاعف عدد الأمهات الحوامل المصابات بالإيدز بين سنة 1995 و2003 سبعة عشر ضعفا”.

وأضاف “كان هناك حوالي 30 ألف طفل يتيم مصاب بالإيدز. ولم تكن لدى الحكومة أية فكرة عن النسبة الحقيقية للإصابة، بحكم أن الفحوص التي أجريت لم تغط إلا أنتاناناريفو (العاصمة) وضواحيها، ولم تشمل الفحوص الملايين من السكان، وهذا يعني احتمال وجود جيوب وبائية نشطة”.

وعندما وصل الرئيس مارك رافالومانانا إلى سدة الحكم سنة 2002 عبر انتخابات ديمقراطية وضعت نهاية لحكم العسكر، اعتبر محاربة وباء الإيدز إحدى أولوياته الرئيسية، وسرعان ما أعلن عن أكبر حملة حكومية لمحاربة الوباء عرفتها القارة الأفريقية، وأسس المكتب الوطني للإيدز، وجعل بنايته داخل القصر الرئاسي.
وعن تفاصيل الحملة، يقول سالفاتور “كانت الخطوة الأولى، هي إقناع الناس بإجراء الفحوص، وبينما كان عموم الناس يتخوفون من ذلك، كانت هناك فئات أخرى يخشون المتابعة القضائية، مثل فئة الشواذ ومدمني المخدرات ومن امتهن الدعارة، فكان لزاما على الحكومة أن ترفع القوانين التي قد تحول دون كشف هذه الفئات عن وضعها الصحي، وهذا ما حصل.

ويواصل سالفاتور حديثه “ثم قام الرئيس بإجراء فحص الإيدز علنا رفقة عدد من زعماء القبائل، ليعطوا القدوة للناس، وخصصت الحكومة 13 مليون دولار لبناء مراكز الفحص والعلاج، التي بني 40 مركزا جديدا منها خلال السنة الأولى، وعددها اليوم يتجاوز مئة مركز يغطي كل المحافظات، توفر العلاج والرعاية النفسية وترعى الأطفال اليتامى أبناء الأمهات المصابات”.

ورافقت حملة الفحص والعلاج حملة توعوية، تركز على الوقاية، ولذلك فقد رفع الرئيس شعارا أخلاقيا، حدثنا عنه سالفاتور قائلا “مستفيدا من تجربة أوغندا، التي نجحت في خفض نسبة الإصابة من 15% إلى 7% بالتركيز على الوقاية، رفع الرئيس شعار “كن عفيفا، كن وفيا، واستعمل العازل الطبي”.

ووجه الرئيس حملته بالأساس إلى الشباب وهي الفئة الأكثر تعرضا للإصابات الجديدة، فهي تدعوهم للابتعاد عن العلاقات الجنسية قبل الزواج، ثم أن يكونوا أوفياء عندما يتزوجون، وإن لم تنجح الأولى والثانية، فعلى الأقل أن يحموا أنفسهم وشركاءهم باستعمال العوازل الطبية، التي وفرتها الحكومة مجانا”.

كما دشنت الحكومة حملة فحص باستعمال مختبرات الفحص المحمولة، وعنها يقول سالفاتور “70% من المالغاشيين يقيمون خارج المدن، وجزء كبير منهم في مناطق نائية، وهؤلاء لا يمكنهم المجيء إلى المدينة لإجراء فحص طبي، لذلك كان على الأطباء أن يذهبوا إليهم، فكنا ننظم قوافل دورية، فنحمل معنا أدواتنا وخيامنا، ونسير أحيانا أسبوعا كاملا على الأقدام، حتى نصل إلى أبعد السكان، نفحصهم، ونقدم لهم العلاج إذا اتضحت إصابتهم”.

لكن تغطية عشرين مليون بالخدمات الصحية أمر يكاد يكون مستحيلا في قارة تستحوذ على ربع مرضى العالم بالإيدز، ويتوفر فيها 3% فقط من العاملين في مجال الصحة، وتهاجر كفاءاتها بحثا عن فرص أفضل (فمثلا عدد الأطباء الإثيوبيين العاملين في شيكاغو أكبر من عدد أولئك العاملين في إثيوبيا).

ولهذا فقد بدأت الحكومة المالغاشية توظيف الأطباء والممرضين المتخرجين حديثا، لكن ذلك لم يكن كافيا، فقررت اعتماد فكرة فريدة هي أن تختار عددا من المصابين المتعايشين مع المرض، المتوفرين على مستوى تعليمي جيد، وتدربهم بحيث يتمكنون من إجراء الفحوص وتقديم الرعاية الطبية والدعم المعنوي للمصابين الجدد، واستهدفت بهذه الخطة أساسا النساء الحاملات للمرض، لكونهن الفئة الأكثر هشاشة وضعفا في المجتمع، والأكثر تعرضا للاستغلال والضياع.

وكانت ساهولي إحدى النساء اللواتي دربن على هذه الخدمة، وهي اليوم موظفة في مركز لرعاية المصابات بهذا الداء، تجري لهن الفحوص، وتحدثهن عما يجب أن يعرفنه بخصوص إصابتهن، وتوفر لهن الدعم المعنوي.

وعن ذلك تقول ساهولي “عندما تخبرين امرأة بأنها مصابة بالإيدز، فإن أول فكرة تقع في ذهنها هي “سوف أطرد من البيت، سوف أموت”، ويملؤها الحزن، لكن حين تأخذينها جانبا، وتخبرينها بابتسامة بأن ذلك غير صحيح، وأن الدليل هو أن الواقفة أمامها مرتدية رداء أبيض مصابة أيضا، ولكنها نجحت في الحفاظ على عافيتها من خلال العلاج، وأن جنينها (إن كانت حاملا، وغالبا ما تأتي النساء للفحص عند الحمل) سيكون سليما إذا أخذت الدواء المناسب، فإن الأمل والشجاعة يتملكانها، ويساعدانها على المضي قدما”.

مؤخرا، أقيمت في جنوب أفريقيا ندوة إقليمية حول معضلة الإيدز، وعندما سئل الخبير الألماني الدكتور هوغو تيمبليمن عن مدغشقر، أجاب “في أفريقيا هي الدولة الوحيدة التي تعاملت مع الأمر بشكل صحيح”.

المصدر : الجزيرة

شاهد أيضاً

علماء الفلك يعثرون على أرض هائلة الحجم ليست بعيدة عن كوكبنا

نيويورك- “القدس العربي”- من رائد صالحة: اكتشف الفلكيون في الآونة الأخيرة الكثير من الكواكب الجديدة …

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: