الرئيسية / آراء / هل يُقاطِع كُرد العراق … «العملية السياسية»؟ … محمد خروب

هل يُقاطِع كُرد العراق … «العملية السياسية»؟ … محمد خروب

عادت «المسألة الكردية» الى صدارة الاحداث العراقية المتلاحِقة بل والمتوتِرة مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية والتي من المقرّر أن تتم في الثاني عشر من أيّار الوشيك، وسط غموض وارتباك في التحالفات والإصطفافات بين مكونات الطيف السياسي والحزبي, المحمولة على أبعاد طائفية ومذهبية وأخرى ذات صلة بما يجري في الإقليم, ومحاولات عواصم عربية و غير عربية استعادة أدوار مفقودة لها على الساحة العراقية, وأخرى لتعميق هذا الدور افقيا وعاموديا, وثالثة لإيجاد دور لم تستطع حتى الآن بلورته أو توفير ارضية ثابتة له.. فضلا عن مسألة استمرار وجود قوات أطلسية واميركية على اراضيه,رغم قرار البرلمان بعدم السماح بوجود اي قوات اجنبية في العراق.

يبرز في الأثناء ارتفاع حدة التوتر حدود التشنّج في علاقات الحكومة المركزية واقليم كردستان العراق، وخصوصا بعد اقرار البرلمان العراقي ميزانية البلاد للعام 2018 بتخفيض حصة اقليم كردستان الى 6ر12% بعد أن كانت ومنذ الإحتلال الأميركي للعراق حتى العام الماضي 17%.. الأمر الذي اثار موجة من ردود الفعل, أكثرها لفتاً للإنتباه عودة رئيس الاقليم السابق زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني الى الاضواء, عبر تصريحات تستبطن الدفاع عن مواقفه السابقة وتبرير ما كان أقدَم عليه بإصرار وعِناد لافتين, عندما أجرى استفتاء الخامس والعشرين من أيلول الماضي, الذي اطاح كل»مكتسبات» الإقليم السياسية والاقتصادية وخصوصاً الجغرافية والإدارية, على نحو جسّد هزيمة شخصية لِـ»كاك مسعود» الذي راودته أوهام «الزعيم المؤسِّس» لأول دولة كردية مُستقِلة بعد تجربة جمهورية «مهاباد» في العام 1946 بعمرها القصير الذي لم يستمر سوى احد عشر شهراً، تجربة فاشِلة.. قادها قاضي محمد مع والده الراحل مصطفى بارزاني.

مسعود بارزاني وبعد إقرار ميزانية العراق للعام 2018 دعا «القوى السياسية الكردية لِاتّخاذ موقف موحَّد رداً على خفض بغداد نسبة حصة اقليم كردستان من الموازنة، معتبِراً ما حصل بأنه «خرق واضح لمبادئ الشراكة والتوافق والتوازن ومبادئ الدستور, واضطهاد مخطّط له ضد شعب كردستان». مُستعيداً خطابه ومواقفه القديمة بالقول: «آمل أن تُظهِر الخطوة الأخيرة, الكثير من الحقائق للداخل والخارج، وآن الأوان ان تجتمع الأطراف الكردية لاتّخاذ قرار مشترك، رداً على خطوة مجلس النواب».
صحيح ان حكومة الإقليم اعلنت رفضها الموازنة، وصحيح ان نيجرفان بارزاني رئيس هذه الحكومة, رأى في الموازنة «إهمالاً لحقوق الأكراد، وخرقاً واضحاً لمبدأ الشراكة مع الإقليم».إلاّ أن دعوة رئيس الإقليم السابق تكتسب أهمية استثنائية، رغم عِلمه ان مواقف القوى السياسية الكردية في الاقليم مُتباعِدة, وان الجدل الدائر بينها ما يزال يركِّز على تداعيات الاستفتاء وآثاره السلبية المدمِّرة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الاقليم ومعظمها – إن لم يكن كلّها – يتحمّل كاك مسعود وحزبه, مسؤولية الانهيارات والهزائم التي لحقت بشعب الإقليم, ومكانته ودوره في داخل العراق وخارجه على حد سواء.

فهل ثمة إمكانية لمقاطعة كرد العراق العملية السياسية, على أبواب انتخابات ستكون حاسمة, إن لجهة تحديد الأوزان والأحجام للقوى السياسية والحزبية التي برزت بعد الإحتلال, وخصوصاً إثر هزيمة داعش، ام لجهة المستقبل السياسي لشخصيات سياسية وحزبية هيمنت على المشهد العراقي منذ العام 2003، وانخرطت في مواجهات وصراع محموم على السلطة, قبل اعلان «دولة داعش» وخصوصاً بعد انهيارها وهزيمتها؟.

ستكون خطوة انتحارية يُقدِم الكُرد عليها, اذا ما قاطعوا العملية السياسية ونأوا بأنفسهم عن «معركة الانتخابات»، شبيهة بالخطوة الكارثية التي قادها مسعود بارزاني عبر استفتاء 25 أيلول الماضي، فضلاً عن حقيقة أن مقاطعة كردية «شاملة» لا تبدو مؤكَّدة, إذ ثمة انقسامات حادة في الصف الكردي (غير الموحّد أصلاً) وحال إنعدام الثقة التي ما تزال تحكم العلاقة المتوتِّرة بين الحزبين «الكبيرين»… الديمقراطي والاتحاد الوطني, رغم تعرّض الأخير لانقسامات وانشقاقات, كانت آخرها خروج القيادي فيه.. برهم صالح, وتشكيله حركة اسماها «التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة». وفي الآن ذاته عودة الدفء الى علاقة حركة التغيير «غوران»التي انشقّت عن الاتحاد الديمقراطي وبين الأخير, بسبب تقارب وجهات النظر إزاء عدد من القضايا والملفّات, وبخاصة بعد رحيل مؤسس الحركة نيشروان مصطفى.
توتر علاقة حكومة الإقليم مع الحكومة المركزية في بغداد، سيكون له بالتأكيد تأثير على العملية السياسية، وبخاصة إذا ما اتّخذت القوى الحزبية والسياسية الكردية موقفاً موحداً إزاء رفض الموازنة، واصرّت على عودة النسبة القديمة، مع استبعاد الحديث عن مسألة رواتب موظفي الإقليم التي تعهّدت بغداد بتأمينها, فاستغلّت بعض القوى العراقية داخل البرلمان القضية, للضغط في اتجاه تخفيض نسبة حصة الإقليم لأهداف سياسية واخرى انتخابية وثالثة انتقامية, لها صلة بالجدل الدائم والمستمر حول النسبة القديمة (17%) التي تقول تلك القوى انها عالية وكبيرة لا تتناسب وحجم الاقليم السُكّاني, او دوره الإنتاجي في الاقتصاد العراقي.

من المؤسف أن ما يجري الآن في العراق على اكثر من صعيد, هو نِتاج «طبيعي» لسياسة المحاصصة الطائفية والعِرقية التي اقرّها «قادة» العراق منذ العام 2003، بدعم وتشجيع من الاحتلال الأميركي, وسط حملات تحريض طائفي ومذهبي لا تتوقّف ما ادّى ويؤدّي (في النهاية) الى انهيار التحالف أو الشراكة بين القوى الشيعية والكردية التي اقتسمت كعكة السلطة, وربما تبرز الآن معادلة جديدة على انقاض القديمة لتصبح شراكة شيعية ـــ سُنيّة ليتم دحر الكرد إلى الخلف, في لعبة بائسة ومفلِسة لن تجلب للعراق.. سوى المزيد من النكسات والإنكسارات.. والتراجع.

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كيف تجاوز «داعش» الخط الأحمر مُجدّداً في العراق؟ …عدنان حسين

لمناسبة مرور سنة على هزيمة تنظيم داعش في العراق وطرده منه، أعلنت الحكومة العراقية المناسبة ...

%d مدونون معجبون بهذه: