وسطاء الدم ومبادرات العفو.. هل باتت سبيلاً لفرار الجناة في السعودية؟

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 9 فبراير 2018 - 1:13 مساءً
وسطاء الدم ومبادرات العفو.. هل باتت سبيلاً لفرار الجناة في السعودية؟

في وقت تعاني فيه السعودية من نسب عالية للجريمة داخل البلاد، يعيش العديد من الجناة حياة حرة جديدة رغم ثبوث تورّطهم في عمليات القتل، وذلك بعد العفو عنهم “في ظروف معيّنة”.

وتشجّع السلطات السعودية أهالي مقتولين على العفو عن الجناة، ففي مبادرة يرى الكثيرون أنها تشجّع استمرار الفاعلين في ارتكاب “جريمة القتل”، أطلقت الرياض سراح عدد من القتلة، الذين ثبتت إدانتهم في عمليات قتل أفراد من رجال الأمن والمواطنين، على حدٍّ سواء؛ بدعوى أن صاحب العلاقة قد عفا عنهم.

وفي حين تغضّ السلطات الطرف قانوناً عن المُدان بعد عفو ذوي المغدور، يُنظر إلى إطلاق مبادرات للتوسّط بأنها قد تشجّع على زيادة الجرائم؛ لاطمئنان الفاعل.

حيث يطلق أهالي الجناة بدعم من منظّمات المجتمع المدني حملات للتبرّع وجمع مبالغ كبيرة من المال من أجل إطلاق سراح “ابنهم المجرم”، في محاولات لتخطّي العقوبة، أو ما يُعرف بـ “القصاص”، في حين تطالب أحياناً بعض العائلات بملايين الريالات للتنازل والعفو عن القاتل، أو القتل، وهو ما يوصي به الشرع والقانون.

– مبادرة عفو

بأمر ملكي، في فبراير من عام 2000، شكّل أمراء وعلماء ومشايخ ووجهاء ولجان إصلاح رسمية “مبادرة عفو”، التي يقول القائمون عليها إنها تسعى لوقف “المتاجرة بالديات”.

وتعتبر المبادرة أنّ المطالبة بتعويضات عالية “تجاوزت جميع القيم والمبادئ الأخلاقية والدينية والأعراف الاجتماعية، وتحوّلت إلى متاجرة بالدماء على أيدي سماسرة من ضعاف النفوس، فضلاً عن استغلال مكانة العلماء والأمراء والشيوخ ووجهاء المجتمع في هذه الوجاهات التي قد تكون مرتّبة ومنتهية في الأصل ومحددة المبلغ مسبقاً”، بحسب ما يشير موقع “مؤسّسة الدكتور محمد بن مران بن قويد الاجتماعية والثقافية”، التي تتبع لها المبادرة.

– سعوديون يعفون عن الجناة

المواطن السعودي سعد الذيابي، أحد المتضرّرين من الجرائم في المملكة بمقتل اثنين من أبنائه، أقدم على العفو عن قاتليهما دون مقابل مادّي وخلال عام واحد، بعد “وساطات رفيعة” وصلت إلى ولاة عهد المملكة في فترات مختلفة، وكأن الأمر ذوي القتيل أصبحوا مضطرين للقبول بهذه الوساطات لمكانتها السياسية.

الذيابي، الذي تم تكريمه من قبل “مبادرة عفو”، برّر في حديث لصحيفة “سبق” المحلية، نشر في 4 فبراير 2018، عفوه عن قتلة أبنائه دون أي مقابل؛ بقوله إن “المال لن يعوضهم”، لكنه استدرك بالقول إنه عفا عن قاتل أحد أبنائه (عام 1998) أمام الأمير سلطان (ولي العهد السعودي الأسبق).

الحادثة الثانية -كما يقول- كانت في قتل ابنه النقيب بالحرس الوطني، وممارسة الملك سلمان بن عبد العزيز (ولي العهد سابقاً)، وساطة محرجة عليه، والطلب منه العفو، معلناً العفو عنه دون أي مقابل، بدعوى أنها صدقة لشفاء الملك الراحل، عبد الله بن عبد العزيز، أثناء مرضه (توفّي عام 2015)، بحسب الصحيفة.

وفي أبريل 2017، أعلن المواطن سعد محمد عبد الله آل المنصور الشهراني، العفو عن قاتل اثنين من أبنائه، بضغط من “سعاة الخير”، على حدّ وصفه، وقال الشهراني إن القاتل اعتدى على 3 من أبنائه وقتل اثنين منهم (26 و28 عاماً)، بينما أُصيب شقيقهما الأصغر بطلق ناري من سلاح رشاش، وبعد مكوثه في المشفى لأكثر من شهر، نجا بأعجوبة وبقدرة إلهية، بعد اختراق طلقة نارية صدره.

وبهذه الوسائل وغيرها تفتح السلطات السعودية، لا سيما الأمراء والملوك، الباب أمام أسباب تصاعد الجرائم التي تُرتكب في المملكة، وتوسّطهم في إطلاق سراح الجناة دون مقابل، بحسب مراقبين، بينما يتّهم بعض المسؤولين السعوديين دولاً مجاورة أو مؤسّسات إعلامية بالتحريض أو دعم العمليات الإجرامية التي يرتكبها السعوديون داخل مجتمعهم تحت مسمّى “الإرهاب”.

وزارة الداخلية السعودية كشفت، في سبتمبر 2017، أن رجال الشرطة تعاملوا خلال العام الماضي، مع أكثر من 149 ألف جريمة، أبرزها الاعتداء على النفس، التي مثّلت نحو 60% من عدد الجرائم الكلي.

وأكّد المتحدث الأمني للوزارة، اللواء منصور التركي، أن “جرائم الاعتداء على النفس وما دون النفس كانت من أبرز الجرائم الجنائية، إضافة إلى جرائم الاعتداء على الأموال، والمسكرات، والجرائم الأخلاقية، والمخدّرات التي ضُبطت من رجال الشرطة، وجرائم أخرى شملت التزييف والتزوير وانتحال الشخصية”.

ويُجري مدير فريق “مبادرة عفو”، محمد بن مران بن قويد، وبدعم من أمراء في الأسرة الحاكمة في المملكة وشيوخ بعض القبائل، برامج تثقيفية، فضلاً عن ممارسة الضغوط على “العوائل المفجوعة” بمقتل أبنائها، بدعوى حرمة الدماء، وكذلك المزايدات المالية في دية الرقاب.

المتحدّث الأمني بوزارة الداخلية السعودية أكّد أيضاً أن المعدّلات العامة للجريمة بلغت نحو 464.46 لكل 100 ألف من السكان.

وقال إن مناطق جازان، والمدينة المنورة، ومكة المكرمة، والباحة، سجلت أعلى معدل من الجرائم مقارنة بعدد السكان، وتقع النسبة الكبرى من الجرائم في مكة المكرمة، والرياض، والمدينة المنورة، والشرقية بأكثر من 75% من الجرائم في المملكة. وأضاف أن معدلات الجريمة ترتفع في هذه المناطق الأربع نسبة للوزن الفعلي للجرائم مقارنة بعدد السكان.

ورغم أن السعي في إصلاح ذات البين بين الناس أمرٌ محمود ودليل على سماحة الإسلام، لكن إقدام المجرم على قتل أكثر من شخص في عائلة سبق أن قتل أحد أبنائها يُثير العديد من التساؤلات حول نجاعة المبادرات التي تدعو إلى العفو عن القاتل عبر ممارسة الضغوط على ذوي القتيل وليس بدافع ذاتي.

فالعديد ممن أُطلق سراحهم وعُفيَ عنهم متورّطون بقتل أكثر من شخص، في وقت تقول فيه السلطات السعودية إنها “تطبّق ما جاء في الكتاب والسنة في أحكامها” الشرعية، التي تؤكّد أن “القتل يُفضي إلى العداوات والبغضاء بين المجتمعات، وخروج عن سنن العدل التي يدعو إليها الإسلام، ووصفه القرآن بأنه قتل للناس جميعاً؛ لذلك كتب القصاص للمساواة والعدالة بين الخلق”، بحسب مؤلف كتاب “الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي”، الإمام محمد أبو زهرة.

وفي هذا الموضوع يقول الشّيخ محمّد الأمين الشّنقيطيّ: “من هدي القرآن للّتي هي أَقْوَم القصاص، فإنّ الإنسان إذا غضب وهمّ بأن يقتل إنساناً آخر فتذكّر أنّه إن قتله قُتل به خاف العاقبة فترك القتل، فحيي ذلك الّذي يريد قتله، وحيي هو لأنّه لم يقتل فيُقتل قصاصاً، فقتلُ القاتل يحيا به ما لا يعلمه إلّا الله كثرة”.

ويُضيف الشّنقيطيّ أن هذا من أعدل الطّرق وأقومها، ولذلك يشاهد في أنظار الدّنيا قديماً وحديثاً قلّة وقوع القتل في البلاد الّتي تحكم بكتاب الله، لأنّ القصاص ردع عن جريمة القتل.

– السعودية وسجلّ الإعدام

تُصنّف المملكة العربية السعودية من بين أبرز الدول التي تسجّل أعلى معدلات لأحكام الإعدام في العالم، وينجح بعض المحكوم عليهم في الإفلات من هذه العقوبة عندما تقرّر عائلة الضحية إسقاط الدعوى مقابل الحصول على مبلغ مالي مغرٍ. وقد أفسحت هذه الممارسة، التي تُعرف باسم “الدية”، المجال أمام ازدهار تجارة يغيب أو يُغيَّب فيها الضمير البشري.

ورغم أن الدية تُعدّ مفهوماً إسلامياً، تتمثّل أساساً في مبلغ من المال يُدفع من قبل مرتكب جريمة قتل (أو من عائلته) لعائلة الضحية مقابل التنازل عن تطبيق حكم الإعدام.

لكن وبمجرد حصوله على العفو، يستطيع الجاني الخروج من السجن في غضون بضعة أشهر أو حتى أسابيع. ومن ثم يقضي المتّهم عادة عقوبة بسيطة جداً مقارنة بالجريمة التي ارتكبها، الأمر الذي يشجّع الآخرين على انتهاك القانون والإفلات من العقاب.

ومع ذلك، طلبت المحكمة العليا في السعودية، في شهر نوفمبر عام 2016، من القضاة سنّ عقوبة تصل إلى السجن خمس سنوات، وتسليطها على المتهمين في جرائم قتل، حتى في حال حصولهم على العفو وإفلاتهم من الإعدام.

محمد السعيدي، يسكن منطقة القطيف شرق المملكة، أحد المواطنين الذين شاهدوا أحداث عفو عن أحد الجناة قبل تنفيذ الحكم بلحظات، يوم 26 مارس 2016، وقال إنه حضر العديد من عمليات الإعدام العلنيّة، و”عندما ترغب إحدى العائلات في طلب العفو عن ابنها الذي ارتكب جريمة قتل، تتجه في المقام الأول إلى وسيط يمكن أن يكون من الشخصيات المرموقة في المجتمع، أو زعيم ديني كبير، أو في بعض الأحيان أمير محلي”، بحسب ما نقل عنه عضو هيئة التحرير الصحفي في “فرانس 24″، جمال بالعايش.

– وسطاء الدم.. انتهازيون!

“تتمثّل المهمة الأولى للوسيط في إقناع أسرة الضحية بقبول مبدأ التسامح، وبمجرد الاستعداد للصفح تنطلق المفاوضات مع عائلة الجاني. ويحثّ الوسطاء أسرة المجنيّ عليه على طلب مبالغ خيالية، قد تصل لـ 60 مليون ريال (نحو 16 مليون دولار). وفي معظم الحالات تكون عائلة الجاني غير قادرة على الدفع، فتطلق بمساعدة الوسيط حملةً لجمع التبرّعات. وعلى أثر ذلك تقوم إدارة المحافظة بفتح حساب مصرفي بإذن من وزارة الداخلية يتم فيه إيداع أموال المانحين”، بحسب السعيدي.

ويتابع السعيدي، قائلاً: “يقوم الوسيط بإطلاق حملة موازية بين رجال الأعمال الأثرياء والقبائل الأكثر تأثيراً لإقناعهم بالدفع. وعبر تويتر تحت هاشتاغ (عتق رقبة)، تتكاثر حملات جمع التبرّعات. ومن الشائع أيضاً أن تنظّم القبائل احتفالات أو عشاء خيرياً لإقناع الشخصيات البارزة في المنطقة بالمساهمة في جمع الدية”.

وتُعتبر هذه الممارسات انتهاكاً وتحريفاً لمبدأ التسامح، يقول السعيدي، وقد فسّر ذلك قائلاً: “يمنع القانون السعودي دعم حملات جمع التبرّعات لفائدة الدية في وسائل الإعلام وعلى منصّات التواصل الاجتماعي. ومع ذلك ينتشر هذا النوع من الإعلانات بسرعة على تويتر”، رغم صدور مرسوم ملكي سنة 2011، يحدّد قيمة الدية بـ 400 ألف ريال، أي ما يعادل 100 ألف يورو”، لكن قليلة هي العائلات التي تلتزم بهذا المبلغ؛ لكون المراسيم الملكية في السعودية ليست ذات طابع إلزامي.

وفي السنوات الأخيرة، تواترت المزايدات حول مسألة الدية وتحوّلت إلى تجارة تتّخذها العائلات، حيث لا تقوم بمنح الصفح للجاني لتجسيد القيم الفاضلة التي أوصى بها الإسلام، وإنما بغية جمع ثروة طائلة.

في واقع الأمر، يُعتبر الوسطاء أهم المسؤولين عن هذا الوضع؛ لأنهم يضطلعون بدور بارز لدفع العائلات للمطالبة بمبالغ مالية ضخمة، ليتقاضوا عمولة مقابل ذلك، بحسب السعيدي، الذي يصف هذه الفئة بـ “الانتهازيين”؛ لأنهم يجمعون الثروات على حساب الموتى. لذلك على السلطات فرض رقابة صارمة على هذه الممارسات.

عبد الرحمن الهمام، محامٍ سعودي متخصّص في مجال حقوق الإنسان، دعا من خلال “فرانس 24” الحكومة إلى سنّ تشريعات جديدة لتشديد العقوبة على الجاني، مشدداً على أن دفع الدية غير كافٍ. وقال: “لست ضد هذه الإجراءات، لكن في حال تم العفو عن المتهم يجب على المحكمة إقرار حكم بالسجن ضد مرتكب جريمة القتل لا يقلّ عن 25 سنة”.

وأضاف: إن “الإفلات من الإعدام لا يعني أن الجريمة يمكن أن تمرّ دون عقاب، فضلاً عن أن استعادة القاتل لحريته يمكن أن تشكّل خطراً كبيراً على المجتمع؛ فعدم معاقبته تعني الانتقاص من قيمة الحياة البشرية”.

وخلال السنوات الأخيرة، دعا محامون ومثقّفون وزعماء دينيون، مراراً وتكراراً، انطلاقاً من منصّات وسائل الإعلام، الدولة إلى وضع حدٍّ لممارسة “وسطاء الدم”. في المقابل يرى الكثيرون أن تلك النداء لم تلقَ آذاناً صاغية، وظلّت حبراً على ورق.

كلمات دليلية
رابط مختصر