سيون أسيدون.. يهودي مغربي يقود حملات لمقاطعة “إسرائيل”

ابتسامة عريضة تعلو وجهه الأبيض، وكوفية فلسطينية يتوشح بها على رقبته، وبيديه منشورات عديدة، كتب عليها عبارات تدعو لمقاطعة بعض التمور الإسرائيلية التي تباع في الأسواق المغربية.

بخفة وحيوية يخترق سيون أسيدون، وهو يهودي مغربي مناهض للاحتلال الإسرائيلي، الأسواق المغربية، ومعه ثلة من شباب مغاربة ضمن ائتلاف لمقاطعة السلع الإسرائيلية، يقوده أسيدون.

– يساري.. أمازيغي.. يهودي.. ولكن مغربي

ولد أسيدون عام 1948 من عائلة يهودية مغربية ذات جذور أمازيغية كانت مستقرة بفرنسا، وهناك تلقى تعليمه الأكاديمي، وتشبع بالفكر اليساري، قبل أن يقرر العودة إلى المغرب بعد إتمامه لتعليمه.

عاد أسيدون إلى المغرب ومعه حلم إحداث “تغيير” حقيقي في بلاده التي كانت خلال السبعينيات تعيش أياماً كانت توصف بـ”الجمر والرصاص”، إذ يتعرض فيها المعارضون لاعتقالات وتضييقات شديدة، وصلت إلى السجن دون محاكمة في معتقلات سرية.

اقرأ أيضاً :

“هيلولة” اليهود بالمغرب.. تطبيع مع “إسرائيل” أم وفاء للوطن؟

وخلال تلك الفترة أسهم أسيدون في تأسيس النواة الأولى لتجربة اليسار في المغرب، وضمت عدداً من المثقفين والنشطاء المغاربة الذين حملوا هم التغيير في البلاد بغض النظر عن دياناتهم. إلا أن الطريق لم تكن مفروشة بالورد، فاعتقل من اعتقل، وعذب من عذب، واختفى من كتب عليه الاختفاء دون أن يعرف مصيره.

توالت السنوات، وتغيرت المواقف والأحوال، فالنظام دخل في مصالحة مع معارضيه، ومناضلو الأمن منهم من دخل دواليب الحكم خاصة عند تجربة حكومة التناوب التوافقي الذي قاد فيه حزب الاتحاد الاشتراكي الحكومة آنذاك، ومنهم من عاش في منفاه إلى حين، كأبراهام السرفاتي.

بين هؤلاء وأولئك، اختار أسيدون المضي في طريق مغايرة، متحدياً بها محيطه اليهودي، الذي هاجر أغلبهم إلى الأراضي المحتلة منذ سنوات، وأيضاً متغلباً على التصنيف الذي كان يلقاه اليهود بكونهم مستوطنين لأراضي الفلسطينيين.

وقرر أسيدون التفرغ بشكل كامل لخدمة القضية الفلسطينية، ومناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني، وبالأخص الترويج لمقاطعته اقتصادياً.

– لم أولد مناهضاً للصهيونية

يقول أسيدون إنه اقتنع بـ”أكاذيب الصهيونية” في سنة 1967، وهو في الثلاثين من عمره، وذلك بالموازاة مع تعمقه في فهم الشيوعية، والاقتناع بأفكارها.

وأوضح في مقال سابق كتبه حول مناهضته للصهيونية، أنه “لم يولد مناهضاً للصهيونية”، مشيراً إلى أنه نشأ في عائلةٍ مغربية يهودية، “وبما أن آبائي لا صلة لهم بالفكر الشيوعي، فحظوظي كانت ضئيلة لأعي منذ صغري وتلقائياً حقيقة الأمور. وهكذا، مرّت سنواتٌ قبل أن أُصدم وأهتز وأخرج اضطراراً من قالب النظرة المكتسبة ومن الإحساس المبتذل للتضامن الطائفي”، بحسب قوله.

وأكد أن “المنحدر العادي يملي أن أبقى سجين الإيديولوجية الطائفية، أعمى البصيرة مثل عدد كبير من الشبان من جيلي”.

ويرجع أسيدون التحول في حياته وأفكاره من مُناصر لـ”الإيديولوجية الطائفية”، إلى مناهض للصهيونية، إلى ظرفين كان لهما الفضل في هذا التحول الكبير، بحسب قوله.

وكان لماركس وأفكاره الشيوعية دور كبير في حياة أسيدون، ما جعله يعتقد أن “الصهيونية” ليست حلاً للمسألة اليهودية، بل “أسوأ إجابة حولها”، يعلق المتحدث الذي لفت إلى أنه في تلك الفترة بدأت التساؤلات تحل تباعاً على عقله الشاب.

ويضيف أسيدون أن الظرف الثاني هو حينما انتقل إلى المغرب سنة 1967، والتي كانت حاسمة بالنسبة لمواقفه من الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ أسهم نضاله “الثوري” ضمن اليسار المغربي لإحداث تغيير في البلاد، ساهم بشكل كبير في فهمه لمعاناة الفلسطينيين.

وقال: “اليسار الجديد في المغرب، كما في باقي العالم العربي، هو مولود 1967، وقد شكّلت القضية الفلسطينية جزءاً لا يتجزأ من نضالنا”.

– قصته مع القضية

تعلُّق أسيدون بالقضية الفلسطينية، وإيمانه بشرعيتها، توطد خلال اعتقاله في السجون المغربية بسبب نضالاته رفقة اليساريين بالمغرب.

ولم يكن اليهودي الوحيد حينها المناهض للصهيونية بالمغرب، بل رافقه حتى أبراهام السرفاتي، اليهودي الذي يعتبر من المؤسسين البارزين لليسار المغربي، والذي توفي سنة 2010.

ويحكي أسيدون لـ”الخليج أونلاين”، أنه خلال فترة محاكمته، عام 1973 رفقة نشطاء يساريين، قال للقاضي: “هل من المقبول بعد 17 سنة من نهاية الاستعمار في بلدنا السماح للصهاينة بتنظيم الهجرة نحو إسرائيل لمواطنين مغاربة منتمين للطائفة اليهودية؟”.

ويضيف: “في الحياة السجنية اليومية استطعنا بعد معارك متكرّرة الحصول على الكثير من الكتب والمطبوعات، منها المنشورات الفلسطينية. وهكذا، من “شؤون فلسطينية” إلى “كل العرب”، كنا نتابع الأحداث والنقاشات”.

وأورد: “تعلمت جغرافيا لبنان وأسماء أماكن في بيروت من خلال مجلات الحرية والهدف”، معتبراً أنها “كانت أماكن عادية بالنسبة للبنانيين، لكنها بالنسبة لي أسماء سحرية لمعارك المقاومة”.

تابع أسيدون وهو في السجن، بواسطة مذياع كان يحتفظ به خفيةً، العدوان الصهيوني على لبنان صيف 1982، وأصدروا حينها بياناً للتنديد بـ”هجمة العدوان”، وهو البيان الذي وقعه “مناضلون محسوبون على الطائفة اليهودية المغربية”، بحسب قوله.

وعند خروجه من السجن بدأ أسيدون بتوطيد علاقاته بمناضلين فلسطينيين مقيمين في المغرب، ليعيش أجواء الانتفاضة الأولى، ثم أوسلو، والتحرك لإطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين في التسعينيات. ثم الانتفاضة الثانية ومعركة جنين، إلى اليوم، ومسيرة مناهضة التطبيع ومقاطعة البضائع الإسرائيلية، يردف المتحدث.

– دعم ميزانية الاحتلال..

يقود أسيدون وشباب جمعية “‏BDS‏ المغرب”، وهي فرع للحملة العالمية لـ”مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها”، حملة مكثفة في المغرب لمواجهة التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل في المغرب.

ومن آخر الحملات التي قادتها الجمعية جولاتها في الأسواق المغربية للتحسيس بوجود أنواع من التمور القادمة من “إسرائيل”، ومحاولة إقناع التجار من جهة بعدم تسويقها، ودعوة المواطنين من جهة ثانية لمقاطعتها.

وفي هذا الصدد، يقول أسيدون لـ”الخليج أونلاين”: “لا نريد أن يكون المغاربة مساهمين في ميزانية الجيش الصهيوني.. لا نريد أن تدخل تمور المحتلين إلى بلادنا، نرفض أن يساهم شعبنا في دعم ميزانية الاحتلال”.

وأضاف: “كل درهم ندفعه مقابل هذه السلع يتحول فيما بعد بشكل أو بآخر لرصاصة تخترق صدور إخوتنا الفلسطينيين”.

– يهود مغاربة..

لا يتجاوز عدد اليهود المقيمين بالمغرب من حاملي الجنسية المغربية ستة آلاف يهودي، إلا أنهم كانوا يُشكّلون عام 1940 نحو 10% من مجموع سكان المغرب، أي في حدود نحو 250 ألف يهودي مغربي. قبل أن يتناقص عددهم بشكل مهول بسبب الهجرة، خُصوصاً نحو “إسرائيل”.

وبحسب المعطيات التي كشف عنها المكتب الإسرائيلي للإحصائيات، سنة 2015، فإن هجرة اليهود المغاربة نحو “إسرائيل” ما زالت مُستمرة، إذ غادر المغرب إلى هناك سنة 2014 نحو 729 مواطناً مغربياً يهودي الديانة.

في حين أن المغاربة اليهود الذين استقروا بـ”إسرائيل” مُنذ 1948 إلى سنة 2014، بلغ 273 ألفاً و101 يهودي مغربي.

ويحرص اليهود، خصوصاً حاملي الجنسية المغربية منهم، على زيارة المغرب بشكل دوري، وذلك لحضور مجموعة من المواسم الدينية التي تقام بأضرحة لحاخامات وربيين بالمغرب.

اقرأ أيضاً :

في زمن “الإصلاح”.. عين “تل أبيب” على سماء السعودية وأرضها

ويحيي اليهود ما يسمى باحتفالات “الهيلولة”، ومعناها “سبحوا الله”، ويأتيها يهود مقيمون بالمغرب، وآخرون في مختلف دول العالم، وعلى رأسها أمريكا، والمستوطنات الإسرائيلية.

وتثير هذه الاحتفالات، والإقبال المتزايد عليها، جدلاً واسعاً، إذ يعتبرها المؤيدون تشبّثاً من “مغاربة إسرائيل” ببلدهم الأصلي، وحرصاً منهم على صلة الرحم معه. في حين تُوجَّه إليها مجموعة من الانتقادات من مُناهضين يعتبرونها “تطبيعاً مع الكيان الصهيوني”، بحسب قولهم.

13total visits,2visits today

تسمح شبكتنا بالتعليق على كافة المواضيع و لكن محررو الشبكة سيقومون بمراجعة التعليقات قبل الموافقة عليها

%d مدونون معجبون بهذه: