ايران تتنافس مع ايران في العراق! …خيرالله خيرالله

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 20 يناير 2018 - 1:20 مساءً
ايران تتنافس مع ايران في العراق! …خيرالله خيرالله

تكمن اهميّة ايران بنظامها الحالي في مراهنتها على ان الوقت يعمل لمصلحتها. انتظرت طويلا في اليمن كي تقطف ثمار استثمارها في الحوثيين. كان في استطاعة الحوثيين قتل الرئيس علي عبدالله صالح بعيد سيطرتهم على صنعاء في الواحد والعشرين من أيلول – سبتمبر 2014، لكنّهم انتظروا الى أواخر العام 2017 قبل الاقدام على خطوتهم القاضية بالانتهاء من الرجل الذي كان فقد عمليا كلّ أدوات السلطة منذ تسليمه الرئاسة الى نائبه عبد ربّه منصور هادي في شباط – فبراير 2012. لم يكن من همّ لدى عبد ربّه منصور، الذي يدّعي انّ علي عبدالله صالح اساء معاملته طوال خمسة عشر عاما، سوى تصفية حساباته الشخصية مع الرئيس اليمني السابق. وهي تصفية حسابات صبّت عمليا في مصلحة الحوثيين (انصار الله)، أي في مصلحة ايران.

كان العراق، وليس اليمن، منطلقا جديدا لاحياء المشروع التوسّعي الايراني الذي فقد زخمه في مرحلة معيّنة، خصوصا بعد شبه الهزيمة الايرانية في حرب السنوات الثماني مع العراق بين 1980 و 1988، وهي حرب لم تؤد سوى الى تراجع إيراني موقت. كان التراجع تمهيدا للانقضاض مجددا على دول الجوار، على رأسها العراق، حيث ارتكب صدّام حسين حماقة ليس بعدها حماقة تمثّلت في احتلال الكويت في صيف العام 1990، غير مدرك لعواقب مثل هذه المغامرة التي ستعيد احياء العدوانية الايرانية وروح الانتقام من كلّ ما هو عربي في المنطقة بكلّ اشكالهما.

ليست الانتخابات العراقية المقبلة التي ستجري خلال اشهر قليلة سوى استكمال لمشروع وضع اليد الايرانية على العراق بطريقة دستورية وذلك بعد تسليم جورج بوش الابن البلد على صحن من فضّة الى ايران في العام 2003. انتظرت ايران خمسة عشر عاما للوصول الى انتخابات 2018 التي ستتوّج بها سيطرتها على العراق، كما تأمل في ذلك. تتمثّل تلك السيطرة برئيس للوزراء تابع لها يحظى في الوقت ذاته بغطاء أميركي. هل افضل من الدكتور حيدر العبادي للعب هذا الدور المعدّ له سلفا بعد اجباره على ان يكون حليفا لبعض تشكيلات “الحشد الشعبي” الذي ليس سوى مجموعة ميليشيات مذهبية ذات عناصر عراقية تابعة لـ”الحرس الثوري” الايراني؟ انضمّ الجزء الأكبر من “الحشد” الى العبادي. ما لبث هذا القسم الأكبر ان أعاد النظر في تحالفه مع رئيس الوزراء. لا بدّ من ممارسة ضغوط على العبادي بين وقت وآخر لاقناعه بانّ لا مجال للخروج من تحت الوصاية الايرانية وان طهران ممسكة بكلّ خيوط اللعبة العراقية.

يمثّل “الحشد الشعبي”، إيرانيا، مستقبل العراق ويجسّد المشروع الايراني في البلد. معظم قياديي “الحشد” قاتلوا مع ايران ضد العراق في حرب ما بين 1980 و 1988. هؤلاء إيرانيون قبل ان يكونوا عراقيين. هؤلاء تابعون للوليّ الفقيه ولا ولاء لهم سوى لغيره. ليس افضل من هؤلاء ليكونوا حراسا لإيران على العراق وعلى من هو في موقع رئيس الوزراء.

شكّل حيدر العبادي تحت اشراف “حزب الدعوة” الذي ينتمي اليه تحالفا لخوض الانتخابات المقبلة. سيكون منافسه نوري المالكي الذي يشرف “حزب الدعوة” أيضا على التحالف الذي انشأه تحت تسمية “دولة القانون”. انّها “دولة القانون” التي جاءت بـ”داعش” الى الموصل في العام 2014 من اجل تبرير عملية تدمير احدى المدن العراقية الأكثر عراقة والأكثر تنوّعا.

اطلق العبادي تسمية “نصر العراق” على التحالف الذي يخوض به الانتخابات والذي يعتبره تحالفا “عابرا للطوائف”. عاجلا ام آجلا، سيتبيّن الى أي حدّ هناك قدرة لدى أي سياسي عراقي على التملّص من الوصاية الايرانية…

باختصار شديد، تتنافس في الانتخابات العراقية ايران مع ايران. يتنافس العبادي مع نوري المالكي. يتنافسان على ايّ منهما اكثر إيرانية من الآخر. ميزة العبادي انّه يوفّر غطاء اميركيا لإيران في العراق. وهذه نقطة تعمل لمصلحته. الثابت في المعادلة كلّها هو “الحشد الشعبي” المطلوب ان لا يكون مستقبل العراق وحده، بل مستقبل كلّ دولة تسعى ايران الى ان تكون تحت وصايتها. فـ”الحشد الشعبي” في العراق هو الميليشيات الايرانية في سوريا التي أبقت بشّار الأسد في دمشق وان في دور الواجهة للايرانيين والروس. و”الحشد الشعبي” هو ايضا “انصار الله” في اليمن و”حزب الله” في لبنان والميليشيات الايرانية التي تهدّد البحرين من داخل…

نجحت ايران في لبنان، خصوصا بعدما حوّلت “حزب الله” الى أداة فعّالة على الصعيدين الإقليمي والعالمي. لكنّ نجاحها الأساسي يبقى في العراق. انّه النجاح الذي سمح لها بتغيير التوازن الإقليمي تغييرا جذريا. لم يكن الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران الذي هبّ لمساعدة العراق في حربه مع ايران في العام 1981 مخطئا في ذلك الزمن. قال بكل بساطة في تبريره لدعم نظام على رأسه صدّام حسين، على الرغم من انّه لم يكن معجبا به بايّ شكل، ان الحدود بين العراق وايران هي حدود بين حضارتين كبيرتين وليست مجرّد حدود بين دولتين. انّها حدود عمرها مئات السنوات بين الحضارة الفارسية والحضارة العربية. هذه الحدود، على حدّ تعبير الرئيس الفرنسي الراحل، تتحكّم بالتوازن الإقليمي. انهارت تلك الحدود لمصلحة ايران في ربيع 2003. انهار معها كلّ التوازن الإقليمي بعدما قرّر جورج بوش الابن اجتياح العراق ونفّذ ذلك بالتفاهم الضمني مع ايران. لم يعد للاكراد الذين شاركوا في عملية الانتهاء من نظام صدّام حسين مكان في العراق الجديد الذي قرّرت ايران إعادة تشكيله بضوء اخضر أميركي. كان من بين ابرز الدلائل على وجود هذا الضوء الانسحاب العسكري الاميركي من العراق في عهد باراك أوباما. ترافق الانسحاب مع استسلام اميركي كامل لنوري المالكي، رئيس الوزراء وقتذاك (في العام 2010)، وهو استسلام لإيران ورغباتها.

تتنافس ايران مع ايران في الانتخابات العراقية المقبلة. ما يشهده العراق حاليا هو تتويج لجهود بدأت في العام 1979 وقادها وقتذاك آية الله الخميني الذي اعتقد ان العراق سيكون لقمة سائغة لإيران. الخوف كلّ الخوف من انّ ما تقوم به ايران في العراق سينسحب على لبنان المتوقّع ان يشهد انتخابات نيابية في ايّار – مايو المقبل بموجب قانون وُضع على قياس “حزب الله”.

تركّز ايران على تعميم تجربتها في المنطقة، وهي تجربة تقوم أساسا على قتل القوى الحيّة في المجتمع وجعل السلطة أسيرة “الحرس الثوري”. من هذا المنطلق، لا يمكن الاستخفاف بايّ شكل بما يجري في العراق وما يحضّر له في لبنان. اذا كان العراقيون بلغوا مرحلة لم تعد لديهم فيها خيارات كثيرة… هل يستسلم اللبنانيون ويستعدون من الآن لدخول مرحلة الوصاية الايرانية المغطاة بمجلس نيابي يمتلك فيه “حزب الله” مع حلفائه أكثرية النصف زائدا واحدا، وهي أكثرية يستطيعون من خلالها عمل الكثير؟

كلمات دليلية
رابط مختصر