انتخابات حاسمة وسط انقسامات عميقة في المشهد السياسي العراقي … بقلم: د. عبدالإله بن سعود السعدون

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 20 يناير 2018 - 1:20 مساءً
انتخابات حاسمة وسط انقسامات عميقة في المشهد السياسي العراقي … بقلم: د. عبدالإله بن سعود السعدون

المواطن العراقي الذي يتطلع الى التغيير السياسي في بلاده بعد أن أصابه اليأس من العملية السياسية المعتمدة أساساً على الطائفية وتقسيم الاستحقاقات الانتخابية وفق قوائم مذهبية ومكونات عرقية ومذهبية لا يشعر بأن هدف السياسي المنتخب بأصواته سيعمل من أجله والوطن، بل تأكد من خلال التجربة الطويلة السابقة لأكثر من عقد للوضع الجديد في العراق سلبية التقييم لكل ما جرى نظرا الى انتشار الرشوة والفساد المالي والإداري وحرمان الشعب العراقي من الخدمات العامة.

إن الانتخابات القادمة في منتصف مايو القادم قد تعطي أبناء الشعب العراقي الفرصة لتوجيه أصواتهم الانتخابية نحو الكتل الوطنية العابرة للطائفية وغير الحزبية الضيقة وفرز شخصيات وطنية هدفها من العمل السياسي خدمة الوطن والمواطن وتأسيس دولة مؤسسات تعتمد المواطنة كمظلة فعلية لكل مؤسساتها والعمل بجد وإخلاص من أجل وضع خطط الإعمار والتشغيل وتهيئة فرص العمل للعديد من العاطلين عن العمل من أبناء الوطن والاهتمام بالزراعة والصناعة وتنشيط الاقتصاد الوطني.

وهنا ينبغي ان يكون العمل بأمل من أجل المحافظة على وحدة التراب والوطن الموحد، بعد أن عصفت به ويلات الحروب التي كان مرتكزها الصراع على الكرسي الحكومي بقصد ممارسة الفساد بعيداً عن خدمة الوطن والشعب الذي مازال يعاني من ذل الهجرة والتهجير والتأخير المقصود لعودة المواطنين المهجرين الى مدنهم وبيوتهم وإبقائهم في الخيم تحت قسوة الطبيعة من مطر وبرد وجوع ومرض.

لقد أهينت كرامة مواطني تلك المناطق التي تعرضت لصراعات مع الإرهابيين، وكل مؤشرات التحليل السياسي أكدت للمواطن العراقي ترجيح مشاركة جهات سياسية وعسكرية عراقية ذات صلة بالعمالة لملالي طهران في تسهيل دخول هذه الشرذمة الإرهابية المجهولة المصدر للأرض العراقية وتسلطهم على عامة المواطنين الأبرياء من شعبنا العربي، وهي مجموعات معروفة من قبل من موّلها وهيأ لها المال والسلاح والتشكيل العسكري لدرجة سك العملة المعدنية لها باسم خلافتهم المزعومة، كما ان مستشفيات إيران فتحت أبوابها لتضميد جرحاهم.. والآن بكل وقاحة يعلنون تمسكهم بالاتفاقيات والمواثيق الدولية لمحاربة الإرهاب.

منذ عام 2003م لم يستطع القادة السياسيون الوصول إلى مرحلة أولية للمصالحة الوطنية وفتح صفحة جديدة من الثقة والمحبة بين كل أبناء الرافدين، ومحاولة غلق كل ملفات الإسقاط السياسي الذي كانت شخصيات عراقية عربية وطنية ضحية له خلال تلك الحملة الطائفية السياسية.

وقد عرف المشهد السياسي تشظي العديد من الكتل السياسية العرقية والمذهبية، ففي إقليم كردستان انقسم الشارع الكردي بين مؤيد للاستفتاء العام الهادف الى خيار الوطن القومي الكردي والعودة الى ماضي جمهورية مهاباد، وهذا الشعار رفعه الزعيم الكردي مسعود البرزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني والذي تعرض لرفض شديد من الجوار العراقي، ومن ثم كان لاتحاد القوى المعارضة الكردية في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي أسسه الرئيس العراقي الراحل جلال الطالباني الصديق المقرب من النظام الإيراني دور في إحباط خطة بارزاني.

فقد تواطأ حزب طالباني مع قوات الجيش العراقي والحشد الشعبي ضد البارزاني، ما أدى إلى إرجاع محافظة كركوك النفطية الى السلطة الاتحادية، وبهذا الدعم من الجناح الكردستاني المعارض سقط الاستفتاء الكردي وانتهى دور الكتلة الكردية في تحديد مستقبل الحكم في العراق بعد وقوع الفرقة الظاهرة بين الكتل السياسية الرئيسية.

فحزب الاتحاد الوطني الكردستاني انقسم إلى ثلاثة تيارات سياسية، فحزب الاتحاد الوطني نزل للانتخابات القادمة بقائمة مستقلة يرأسها نجل الرئيس الراحل جلال الطالباني، وأعلن برهم صالح القيادي الكردي المعروف الذي شارك في الحكومات الاتحادية بمنصب نائب رئيس الوزراء بقائمة انفصلت عن حزب الاتحاد الوطني، وكذلك برزت قائمة التغيير بمنافسة الأحزاب الكبيرة في كردستان وتوحدت الأحزاب الإسلامية بقائمة انتخابية واحدة.

من جانب آخر، ستشهد الكتل الجديدة دخول الحشد الشعبي كقوة سياسية جديدة سيكون لها قوة جذب شديدة لمنح كرسي رئاسة الوزراء للجهة التي تميل الى ميزانها وستدخل العملية السياسية تحت عنوان كتلة «المجاهدون» المكونة من المليشيات المسلحة والتي ترتبط مذهبياً بولاية الفقيه تحت قيادة علي خامئني، وجميع زعمائها تجندوا مع الجيش الإيراني وقاتلوا ضد الجيش العراقي في معركة القادسية عام 1980م حتى ان أحد زعمائه البارزين ابومهدي المهندس يفتخر بأنه جندي تحت قيادة الجنرال الإيراني قاسم سليماني الذي سمته الحكومة العراقية المستشار العسكري تغطية لأحد العناصر البارزة للنفوذ الإيراني في الدولة العراقية.

ويضم هذا التكتل الجديد عددا من مليشيات الحشد الشعبي كحزب الله العراقي والنجباء ومنظمة بدر والعصائب، أما باقي تشكيلات الحشد فستؤيد مرجعها المذهبي السيد السيستاني ومن مرشحيه حزب الدعوة والحكمة والأحرار وستظهر القوى المذهبية الشيعية على حقيقتها من الصراع السياسي حين حلول الانتخابات البرلمانية منتصف مايو القادم.

المحلل السياسي للمشهد العراقي لا يمكنه أن يغفل أهمية طهران كمركز توجيه لتلك القوى السياسية الشيعية سواء المنضوية في التحالف الوطني والتي ينتمي اليها رئيس الوزراء حيدر العبادي أو تحالف «المجاهدون» الجديد ومرشحه القيادي هادي العامري رئيس الحشد الشعبي ومنظمة بدر والذي عرض اسمه تحت مسمى فتح كرديف وداعم للعبادي، والذي تؤكد معظم القوى السياسية أنه رجل المرحلة القادمة وذلك لمساندة السيد مقتدى الصدر للعبادي أيضاً وزعيم التيار الصدري ودوره الحاكم في حركة الشارع السياسي العراقي، والذي بندائه يستطيع تحريك مظاهرة مليونية في ساحة التظاهر البغدادية ومعظم المحافظات الوسطى والجنوبية من العراق.

علاوة على ذلك هناك اتفاقات (غير ناضجة) لقوى عربية للتحالف مع الدكتور العبادي بعد ابتعاد الصوت الانتخابي الشيعي عن التيار المذهبي الإسلامي للأحزاب المتسلطة على الحكم حالياً والتي نبذها مجموع الشعب لتخاذلهم في إدارة كفة الحكم طيلة خمس عشرة سنة بعد توليهم السلطة في بغداد. وابتعد الناخبون عن رموزه لعدم رضاهم عن الأداء الحكومي المتدني أمنياً واقتصاديا وتفشي الفساد الإداري والمالي بين صفوف ممثليه في الأجهزة الحكومية، كما أن انفتاح العراق على جواره الجغرافي بتوازن تام سيؤدي إلى متسع من الحرية للقوى المؤيدة للتوجه العربي بالعمل من اجل زيادة مقاعدها النيابية على حساب التكتل الجديد المدعوم إيرانياً.

وتم تشكيل تحالف نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي مع الدكتور صالح المطلق ورئيس مجلس النواب سليم الجبوري في ائتلاف عربي إسلامي شعاره الانتخابي المواطنة ومحاربة الفساد، ومن جهة اخرى يتطلع التيار العروبي العراقي الى تحالف نائب رئيس الجمهورية وأحد عشر حزباً مكوناً من التيار العربي برئاسة الشيخ خميس الخنجر والدكتور أحمد المساري والعديد من الشخصيات العربية الجديدة على المسرح السياسي العراقي.

وأنتج تحسن العلاقات مع دول الجوار العربي ثقة المواطن العراقي وارتياحه بشأن نمو علاقة العراق مع بيته العربي. ومن المنتظر في القريب ظهور مؤشرات إيجابية عدة لتحول الاتجاه السياسي العراقي نحو الانفتاح على جواره العربي.

وفي جنوب العراق يظهر اتجاه جديد عروبي يتمثل بالعشائر العربية التي انضوت تحت قائمة انتخابية جديدة شعارها الانتخابي عروبة العراق ومحاربة الفساد والتهميش والبعد عن التدخلات الأجنبية في مؤسسات الدولة وإيقاف النفوذ الإيراني ومنعه من التدخل بالشأن السياسي العراقي، وهذا التيار الوطني الجديد مكون من اتحاد العشائر العربية في جنوب العراق الممثل للقبائل العربية الشيعية التي شعرت بخطورة النفوذ الإيراني على المجتمع العراقي العربي.

إن دوائر الاستطلاع العراقية تؤكد توجه الصوت الانتخابي نحو التكتلات الوطنية العابرة للطائفية والعرقية وانحسار الاتجاهات الإسلامية السياسية وستختفي عن المشهد السياسي أسماء شخصيات كبيرة حامت حولها شبهات الفساد وعدم الخبرة في الحكم، وتظهر عناصر شابة تقود العملية السياسية نحو دولة المؤسسات تحت مظلة المواطنة والوطنية من أجل خدمة المجتمع العراقي.

كما أن الانتصار على «داعش» سيعطي التكتل الذي يتزعمه حيدر العبادي زخماً قوياً نتيجة تأثير منتسبي الحشد الشعبي في توجيه الصوت الانتخابي.. وهناك محاولات حثيثة من قبل التكتلات الوطنية والعربية لتأجيل موعد الانتخابات حتى عودة المهجرين من ديارهم في المنطقة الغربية ذات الأكثرية العربية من أهل السنة في الأنبار وصلاح الدين ونينوى وسهل الموصل وكذلك محافظة ديالى ذات الاختلاط الكردي والشيعي والسني والتي تشهد الآن صراعات طائفية وعرقية.

إن العراق يتجه لتنفيذ إستراتيجية وطنية تعتمد المواطنة أساساً لتشكيل الدولة الأم من دون تمييز طائفي وعرقي، بل حتى التحضير الجاد لخطط مرحلية تدعو الى المصالحة الوطنية للشعب الواحد الموحد الذي يحتضنهم الوطن الجغرافي العربي بحسب عقد اجتماعي جديد شامل لكل العراقيين بديلاً للدستور الحالي المعتمد على المكونات المذهبية والعرقية والمثبت للطائفية السياسية، وسوف يتجه الدستور المعدل إلى ما يحقق الأمن ووحدة الشعب والأرض والاستقرار والازدهار الاقتصادي. لكل العراقيين.

‭{‬ عضو هيئة أمناء منتدى الفكر العربي

– عضو ملتقى الحوار العربي التركي –

عضو جمعية الصحفيين السعوديين

alsadoun100@gmail.com

رابط مختصر