“الجزيرة السورية”.. ما سر نقطة الفراق بين واشنطن وأنقرة؟

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 17 يناير 2018 - 5:23 مساءً
“الجزيرة السورية”.. ما سر نقطة الفراق بين واشنطن وأنقرة؟

مرة أخرى يعود الشمال الشرقي من سوريا، أو ما يعرف بـ”الجزيرة السورية”، لمسرح الأحداث الدولية، إذ يبدو أن إخراج تنظيم “داعش” من مدينة الرقة لن يشكل نهاية للصراع الذي يدور بين العديد من القوى حوله، خصوصاً لدى تركيا التي تخشى دعم واشنطن لفصائل كردية انفصالية.

فخلال الأيام الماضية علت أصوات كبار المسؤولين الأتراك وهم يتوعدون واشنطن، ولعل أقوى التصريحات خرجت من الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي توعد قوة “جيش الشمال” المدعومة أمريكياً بتدمير مدينة عفرين السورية معقل القوات الانفصالية الكردية في سوريا فوق رأسها.

كما قال رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، صراحة إن الولايات المتحدة تناصب تركيا العداء من خلال الوقوف وراء منظمات وصفها بـ”الإرهابية”، قائلاً: “سندافع عن بلادنا حتى آخر قطرة من دمائنا في وجه أي تهديد، مهما كان ومن أي جهة كانت، ولن نعطي الفرصة أبداً لأي تشكيل يستهدف استقلالنا”.

– اتهامات تركية

تقول أنقرة إن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ووكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه)، وقيادة منظمة “بي كا كا” الكردية الانفصالية، كانوا قد استكملوا في وقت سابق عملية تدريب 400 مقاتل، في معسكر “صباح الخير” جنوبي محافظة الحسكة (شرق)، وفي محيط سد تشرين شرقي محافظة حلب (شمال).

وشملت التدريبات معلومات نظرية وتقنية قدمتها الـ”سي آي إيه”، وفق المزاعم التركية، وعمليات إنزال جوي من قبل “البنتاغون”، إلى جانب تدريبات على حمل أسلحة قدمتها قيادات من “بي كا كا”، جاءت من جبال قنديل شمالي العراق.

وبيّنت أن منظمة “بي كا كا” تطلق اسم “جيش الشمال” على تنظيم تسميه البنتاغون والسي آي إيه باسم “حراس الحدود”.

– صمت أمريكي

اللافت هنا كان موقف روسيا الذي اتفق مع المخاوف التركية في تشكيل قوة عسكرية في سوريا، واعتبرته تهديداً لمصالحها، بل وذهب رئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما الروسي، فلاديمير شامانوف، إلى القول إن هدف واشنطن من هذه القوة “هو زعزعة الاستقرار في سوريا، والإطاحة بنظام بشار الأسد، وضمان مصالحها واستمرار وجودها في سوريا”.

كما رفضت إيران تشكيل الولايات المتحدة “حرس حدود” بسوريا، ووصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، بهرام قاسمي، القرار الأمريكي، بأنه “تدخل سافر في شؤون الدول”، حسبما أوردته وكالة “إرنا” الإيرانية الرسمية للأنباء.

وقال قاسمي، الثلاثاء، إن هذا القرار من شأنه تعقيد الأزمة السورية أكثر، فضلاً عن مفاقمة حالة عدم الاستقرار بالبلاد. ولفت إلى أن تركيا وروسيا وإيران، تعمل على إنهاء الأزمة السورية، عن طريق الحوار ومباحثات أستانة، وتشكيل مناطق خفض التوتر.

ودعا المتحدث الإيراني، الولايات المتحدة، إلى سحب قواتها من سوريا بأسرع وقت.

لكن واشنطن حتى الآن تلتزم الصمت ولم يصدر عنها أي بيان رسمي، لكن التحالف الذي تقوده ضد “داعش” وحده أصدر بياناً يتيماً قال فيه إنه يعمل مع الفصائل السورية الحليفة له لتشكيل قوة حدودية جديدة قوامها ثلاثون ألف عنصر، ونصف القوة الجديدة تقريباً سيكون من المقاتلين المخضرمين في قوات سوريا الديمقراطية وتخشاها أنقرة، ويجري حالياً تجنيد النصف الآخر.

وستنتشر القوة- وفق التحالف- على طول الحدود مع تركيا شمالاً والحدود العراقية باتجاه الجنوب الشرقي، وعلى طول وادي نهر الفرات الذي يعد خطاً فاصلاً بين قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، وقوات النظام السوري المدعومة من إيران وروسيا.

وسبق أن أقرت وزارة الدفاع الأمريكية بنشر نحو ألفين من جنودها في سوريا لقتال تنظيم “داعش”، وقالت إنها مستعدة للبقاء في البلاد لحين إعادة الاستقرار إلى سوريا.

– أهمية الشمال

يعتبر الشمال الشرقي من سوريا نقطة صراع بين القوى الدولية، التي تريد تعزيز موقعها على الخريطة السورية؛ وهم تركيا وإيران وروسيا وأمريكا.

صحيح أن التحالف الحالي بين أنقرة وطهران وموسكو في سوريا قوي، لكن العديد من الخبراء السياسيين يرون أنه مرحلي، وأن لحظة الفراق مهما بعدت فسوف تأتي، لذلك تحاول أنقرة قدر الإمكان إيجاد جيوب آمنة تحمي مصالحها في سوريا.

جغرافياً تمتد منطقة الشمال الشرقي من سوريا من الشرق لتضم في حدودها منطقة البادية السورية، وصولاً إلى الحدود العراقية، وتتواصل المنطقة من خط التيفور – تدمر، إلى الميادين – البوكمال على الحدود مع العراق شرقاً، ثم تصعد شمالاً باتجاه الحدود السورية – التركية، وتضم هذه المنطقة مدناً أبرزها تدمر والرقة ودير الزور والحسكة، إلى جانب مئات من القرى والبلدات، وتسمى اختصاراً بـ “منطقة الجزيرة”؛ لكون نهر الفرات يقسمها إلى شقين.

وتحوي “الجزيرة” أهم الثروات الباطنية في سوريا، من مناجم الفوسفات، إلى الملح الصخري، إضافة إلى حقول النفط والغاز، التي تشكل الثروة النفطية لسوريا، وفيها خزان الإنتاج الرئيسي للحاصلات الزراعية.

إذ هي المورد الرئيسي للقمح، والمركز الرئيسي لإنتاج الأقطان، إضافة إلى أنها المجال الرئيسي للثروة الحيوانية، لا سيما الأغنام، وفيها أهم المجاري المائية في البلاد، وعلى نهر الفرات الذي يقطعها من الشمال إلى الوسط قبل أن يتجه شرقاً إلى العراق.

وتتواصل أهمية الشرق السوري في تركيبته الديموغرافية، ورغم وجود أغلبية عربية من السكان هناك، فإن فيه أكبر تجمعات للسوريين الكرد، خصوصاً في محافظتي الحسكة والرقة، كما أن بين سكانه نسبة من المسيحيين السوريين من الآشوريين – السريان والأرمن، إضافة إلى جماعات عرقية أخرى بينهم التركمان.

وخلال حكم آل الأسد كانت المنطقة مهملة ومضطهدة وغابت عنها التنمية، فاضطهد سكانها الأكراد وهمشهم تحت شعارات قومية عربية، كما اتهم النظام السكان العرب بأنهم عملاء لنظام صدام حسين العراقي.

وكان ظهور داعش في المنطقة من العام 2014 وحتى 2017 لحظة مفصلية، إذ أدى ذلك إلى خلق قوات كردية ذات طموح انفصالي، أبرزها قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من واشنطن، وحزب الاتحاد الكردستاني القريب من نظام الأسد، كما عززت تركيا وجودها هناك عبر قوات “درع الفرات”، وكثفت روسيا، بالتحالف مع نظام الأسد وإيران، عملياتها لتعزيز سيطرتها في المنطقة، لكن الوجود الأمريكي حال دون ذلك.

– مشاريع ومشاريع مضادة

يقول مراقبون إن الولايات المتحدة تريد من حضورها ذاك تعزيز وجودٍ لها في شمال شرق سوريا من خلال قوات كردية انفصالية حليفة لها، لفرض تحكمٍ سياسي واقتصادي، وقطع خط الوصل الإيراني من إيران عبر العراق إلى شاطئ المتوسط في لبنان، بعد أن تعززت سيطرة نظام الأسد على جزء من المنطقة بدعم حلفائه الروس والإيرانيين.

كما أن الرؤية الأمريكية ستكون- وفق محللين- الطاغية على التسوية النهائية التي ستنهي الأزمة السورية، وسترسم مكانة وحجم كل الأطراف الحاضرة في الصراع على سوريا، وذلك بفضل تحكمها بأغنى المناطق السورية.

وفي هذا الصدد يقول الدكتور باسل الحاج جاسم، الخبير في الشؤون الدولية، إن التوتر الحالي بين تركيا وأمريكا ليس الأول ولن يكون الأخير، مبيناً في تصريح لـ”الخليج أونلاين” أن “الحرب على داعش انتهت وباتت هناك مرحلة جديدة هي مرحلة حصاد النتائج، فأمريكا لا تعنيها المعارضة ولا يعنيها النظام، لديها مشروع تريد تحقيقه، وإلا لما كانت تدخلت في الساحة السورية وجعلت من حرب داعش شماعة، واختارت الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني (الانفصالي) حليفاً لها”.

وحول ما إذا كان هدف الولايات المتحدة إنشاء كيان كردي انفصالي في سوريا، أشار الحاج جاسم إلى أن “واشنطن لا تتحدث بذلك، ولكن أفعالها توحي بشي كهذا”، مضيفاً: “لنترك للقارئ التمعن في ما يعنيه تشكيل مجموعة مسلحة داخل الأراضي السورية وبعيداً عن الطرفين السوريين (النظام والمعارضة)، وهذه المجموعة الجديدة عمودها الفقري امتداد لمنظمة تصنفها دولة جارة وحلفاؤها في الناتو بالمنظمة الإرهابية (في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني الانفصالي)”.

ولفت إلى أن “الشمال الشرقي من سوريا هو ضمن إطار مشروع واشنطن الكبير الذي لن يتحقق دون استمرار صراع النظام والمعارضة، وإلهائهم بجولات مكوكية في جنيف، وكذلك استنزاف لروسيا وتركيا على المدى البعيد، ريثما يخلق واقع جديد وتتغير التركيبة الديمغرافية في الجغرافيا التي حددتها واشنطن مسرحاً لمصالحها”.

وتحدث الحاج جاسم أن “الأكراد لا يمتلكون مقومات ديمغرافية أو جغرافية في سوريا تؤهلهم لإقامة كيانهم الانفصالي”، مستدركاً بالقول: إن “ظهور داعش أمن لهم في شق كبير التواصل الجغرافي، لكن عملية درع الفرات أوقفته في نقاط معينة، كما أن العامل الديمغرافي والتركيبة السكانية تحتاج لعامل الزمن، لذلك واشنطن غير مستعجلة وتريد الحفاظ على المكتسبات خطوة خطوة”.

لكن تبقى ردة الفعل التركية المعارضة لأي وجود كردي انفصالي هي الأقوى في وجه واشنطن، خاصة أن الحكومة التركية توعدت باقتحام عفرين معقل القوات الانفصالية الكردية في سوريا، وهي خطوة علق عليها الحاج جاسم بأن “الاحتمالات كلها مفتوحة”، مشدداً على أنه “ليس من مصلحة واشنطن أن تفتح جبهة مع دولة تعتبر حليفة لها، في ظل هذا الاحتقان الإقليمي والدولي ضدها بعد قضية القدس الأخيرة”، مختتماً كلامه بالقول: “بالتأكيد واشنطن لم تنسَ تجربتها في العراق!”.

كلمات دليلية
رابط مختصر