نقسموا إلى فريقين متخاصمين: كيف تلقى العراقيون التظاهرات في إيران؟

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 12 يناير 2018 - 1:16 مساءً
نقسموا إلى فريقين متخاصمين: كيف تلقى العراقيون التظاهرات في إيران؟

مصطفى حبيب

لم تمض أيام على أفراح العراقيين بالانتصار على “داعش” وتبادلهم التهاني والفخر بعيدا عن الخطاب الطائفي في واحدة من الأوقات النادرة منذ سنوات، حتى جاءت التظاهرات في إيران لتشق صفوفهم مجددا.

إذا كان العالم اجمع يراقب باهتمام التظاهرات الاحتجاجية في ايران على النظام السياسي هناك، فالعراقيون هم اكثر الشعوب اهتماما بها، ولكنهم انقسموا كالعادة الى فريقين، الأول يرفض التظاهرات ويعتبرها مؤامرة ضد النظام الايراني، والثاني رحب بها وعبر عن أمله بنجاحها في إسقاط النظام.

واندلعت في 30 كانون الأول (ديسمبر) الماضي تظاهرات في عدد من المدن الايرانية بينها مشهد ثاني اكبر المدن احتجاجا على ارتفاع الأسعار وارتفاع البطالة وتطورت الى مشاركة اوسع بين الإيرانيين، وبعد ستة أيام تراجعت التظاهرات مقابل تظاهرات مؤيدة للنظام الإيراني.

وتجنب السياسيون العراقيون التعليق على الاحداث الجارية في إيران في ايامها الاولى، ولكن المواطنين تابعوا هذه التظاهرات منذ ساعاتها الاولى، حتى أصبح الموضوع الأهم على مواقع التواصل الاجتماعي بين العراقيين.

المراقب للجدل الذي دار بين العراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي وحتى في المقاهي والأسواق يلاحظ بوضوح ان هناك طرفين متخاصمين لأسباب مذهبية فحسب، وهو امر متوقع فإيران التي تلعب دورا سياسيا وامنيا ودينيا في العراق بعد العام 2003 لابد ان يراقب العراقيون ما يجري في الدولة الجارة.

ومثلا نشرت صفحات عراقية واشخاص من العامة منشورات موجهة إلى الجمهور والاحزاب الشيعية ايضا، ومن بينها تعليقات تقول “هذه إيران التي يتعاطف الكثير مع نظامها السياسي، اليوم تشهد تظاهرات شعبية ايرانية ضد هذا النظام، ماذا يقول الآن العراقيون الذي يتعاطفون مع هذا النظام”؟

تعليق آخر في الزاوية نفسها يقول “أسلوب احزاب الملالي (النظام الايراني ومؤيدوه) واحد في كل مكان وزمان، إذا خرجت تظاهرة في العراق يقولون إنها مدعومة من حزب البعث، وإذا خرجت تظاهرة في ايران يقولون إنها مدعومة من إسرائيل، لن تدوم عمائمكم الدينية المتسلطة على رقاب الناس في إيران والعراق وان يومكم الاخير بدأ يقترب”.

وانتشر تعليق على نحو واسع بين العراقيين يقول: “عزيزي العراقي الذي تدين بالولاء لإيران، هناك تظاهرات يقوم بها الشعب الايراني الشيعي، هل تجرأ على تأييدها والوقوف مع الظلم الذي يتعرض له الشعب الايراني الشيعي مثلما تؤيدون التظاهرات التي قام بها السكان الشيعة في البحرين واليمن والقطيف؟، إذا لم تدعم التظاهرات الايرانية يعني ذلك انك مع الحكومة الإيرانية وليس مع المذهب الشيعي كما تقولون”.

هذه التعليقات في الحقيقة هي نفسها مواقف الأحزاب والسياسيين العراقيين الرافضين للنفوذ الايراني في بلادهم، وهم في الغالب من الاحزاب السنية وبعض القوى الكردية والشخصيات المنضوية في الحركة المدنية الناشئة في العراق والتي تقود تظاهرات تطالب بالإصلاح السياسي في العراق منذ صيف العام 2015 وحتى اليوم.

وما زال المتظاهرون في التيار المدني ومنظمات المجتمع المدني تتذكر بغضب كيف علّق مسؤولون ايرانيون على التظاهرات التي انطلقت في اب (اغسطس) العام 2015 في ساحة التحرير وسط بغداد، في حينها اتهم رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء حسن فيروز آبادي قادة التظاهرات بانهم غير مسلمين يريدون الاطاحة بالأحزاب الاسلامية في العراق، وهو نفس موقف الاحزاب الشيعية العراقية آنذاك.

في المقابل انتشرت تعليقات عراقية رافضة للتظاهرات القائمة في ايران، وحاولت اعتبار التظاهرات في ايران محاولة لتدمير إيران، ومن بين هذه التعليقات التي انتشرت على فيسبوك يقول “التظاهرات في الانبار جلبت لنا داعش، والربيع العربي في سورية جلب معه العديد من المنظمات الارهابية، ماذا ستنتج التظاهرات في ايران؟”.

وفي احد المنشورات حاول كاتبها انتقاد التظاهرات على طريقته اذ قال “ما حدث من تظاهرات في ايران هي مجموعة اشخاص من محافظة كرمنشاه الكردية، والاكراد دائما ما يسببون المشكلات في بلدانهم وخصوصا في شمال العراق وتركيا وسورية”.

الاخبار الكاذبة كانت احد الادوات التي استخدمها بعض العراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي لدعم موقفهم سواء المؤيدين للتظاهرات او المعارضين لها، صور ومقاطع فيديو قديمة تعود الى سنوات مضت غزت مواقع التواصل الاجتماعي على انها جديدة تعود الى التظاهرات الاخيرة في ايران.

قاسم الربيعي استاذ علم النفس والاجتماع يقول لـ “نقاش” إن “استمرار الانقسام بين العراقيين حول قضايا سياسية خارجية يؤشر الى استمرار الصعوبات التي تواجه بناء سياسة وطنية شعبية واحدة في العراق وهو نتاج سياسات خاطئة بعد 2003 افرزت حساسيات طائفية بين الشيعة والسنة”.

وبرغم ان الانتصار على “داعش” اوجد نوعا من الوحدة الوطنية بين السنة والشيعة الا ان هناك حاجة للمزيد من الخطوات لدعم الشعور الوطني وخلق وعي مجتمعي بان على العراقيين التفكير في مصلحة بلادهم قبل كل شيء، كما يقول الربيعي.

المسؤولون العراقيون تجنبوا التعليق على التظاهرات في ايران، واصدر بعضهم بيانات حذرة حول ذلك، ولكنها في الحقيقة تشير بوضوح الى الانقسام الداخلي في العراق، ومثلا قال نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي المقرب من ايران في بيان ان “ما يحصل شأن داخلي، ولكن أعداء إيران وامتداداتهم في الداخل يحاولون إثارة الشغب والإرباك فيها”.

وقال العضو البارز في “المجلس الاعلى الاسلامي” جلال الدين الصغير خلال خطبة الجمعة ان “التظاهرات متعلقة بأوضاع اقتصادية داخلية ولا شأن لها بالنظام الايراني”، واتهم امراء السعودية والولايات المتحدة واسرائيل في اثارة المشكلات في ايران.

في المقابل قال محافظ نينوى السابق اثيل النجيفي في منشور كتبه على صفحته في فيسبوك إنه “ما زال مبكرا الحديث عن تأثير تظاهرات ايران على نظامها السياسي، ولكن من المؤكد ان تلك التظاهرات ستلقي بآثارها داخل العراق”.

واضاف “من المتوقع ان تقوم ايران بخلق اجواء مقلقة للمصالح الاميركية في العراق، بالاضافة الى محاولاتها للاستفادة من وضعها في العراق لتعزيز اقتصادها المضطرب”.

الانقسام بين العراقيين على المستوى السياسي والشعبي حول ازمات اقليمية ليس جديدا، ومثلا فان محاولة الانقلاب التي جرت في تركيا في يوليو 2015 شهد انقساما ولكن بشكل معكوس، فالسنة في العراق ابدوا امتعاضهم من الانقلاب، بينما رحب به الشيعة، وكذلك الحال مع الازمات في سورية واليمن والبحرين.

كلمات دليلية
رابط مختصر