تناقل الأخبار الكاذبة يعطي صورا نمطية عنصرية عن المهاجرين

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 7 يناير 2018 - 6:49 صباحًا
تناقل الأخبار الكاذبة يعطي صورا نمطية عنصرية عن المهاجرين

بعض المدونات أو بعض السياسيين على مواقع التواصل الاجتماعي يربطون بين المهاجرين والإجرام أو القتل أو الأعمال الإرهابية. وهذا الخلط يقوم على أخبار كاذبة غالبا ما تكون مصحوبة بصور محوّرة يتم تناقلها على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي. فريق تحرير “مراقبون” لفرانس24 شارك في مشروع لإحصاء وتصنيف الأخبار الكاذبة وفيما يلي أول الاستنتاجات.

الصحافية التركية غولن شاووش من موقع التحقق Teyit.org أطلقت مشروعا صحافيا مع الشبكة الدولية للتحقق من الوقائع (International Fact-Checking Network)، وهو تجمع عالمي لوسائط التحقق حول الأخبار التضليلية بخصوص المهاجرين من أجل إحصاء الأخبار الكاذبة بشأنهم وتصحيحها من خلال كتابة مقالات.

وللقيام بهذا المشروع، قضت هذه الصحافية أسبوعين في باريس للعمل مع صحافيي “مراقبون” لفرانس24 وزارت صحافيي جريدتي لوموند وليبيراسيون المتخصصين في التحقق من الأخبار الكاذبة.

ما الهدف الأساسي؟ إظهار التشابهات والاختلافات بين أساليب التضليل في عدة بلدان أوروبية، ولا سيما فرنسا وتركيا. الوضع في البلدين مختلف. ففي عام 2016، استقبلت فرنسا 304507 من المهاجرين مقابل 379 869 2 في تركيا.

وهذه الدراسة ليست نهائية فنتائجها ستستكمل لاحقا.

تقول غولن شاووش: “الهدف هو إنشاء قاعدة بيانات عن الأخبار التضليلية بخصوص المهاجرين وأن تستطيع كل الوسائل الإعلامية المنضوية تحت الشبكة الدولية للتحقق من الوقائع تغذية هذه القاعدة وكي يستطيع عموم الناس الاطلاع عليها عبر موقع مصمم على غرار محركات البحث.”

خلال هذه الدراسة القصيرة، تسنى إحصاء 162 خبرا كاذبا -تغريدات أو منشورات فيسبوكية أو تصريحات سياسيين أو مقالات صحفية كاذبة- تشكل 81 موضوعا تضليليا عن المهاجرين. وتنقسم هذه المواضيع إلى تسعة أصناف أكثرها شيوعا هي الأعمال الإجرامية (30%) والمعونات الاجتماعية (20%) واجتياح المهاجرين (19%).

وقد كذبت كلها عن طريق وسيلة إعلامية موثوقة. بعضها متاح في عدة روايات لأنها انتشرت عبر مختلف الأشكال في عدة بلدان.

وفيما يلي اخترنا أبرز الأمثلة.

نقطة انطلاق الدراسة: فيديو روسي تم تناقله في فرنسا وتركيا وإسبانيا

الأخبار الكاذبة يتم تناقلها وتحويرها من بلد إلى آخر وتغذي الروايات الكارهة للأجانب لعدة جماعات مسيّسة. وأحدث مثال بارز -كان انطلاقة هذه الدراسة- يظهر خبايا هذا الأسلوب.

هذا الفيديو الذي نشر في 23 شباط/فبراير 2017 يظهر فيه رجل وهو يضرب عدة ممرضات في مستشفى بروسيا بمدينة نوفغورود. غير أنه حوّر في ثلاثة بلدان على الأقل.

في فرنسا أكدت صفحات مقربة من اليمين المتطرف انطلاقا من 18 آذار/مارس 2017 أن الأمر يتعلق بمهاجر اعتدى على ممرضات في مستشفى فرنسي.

وفي تركيا ادعت صفحة علمانية أن الفيديو يظهر فيه سوري يهاجم طبيبة في مستشفى مشيرة إلى أنه في تركيا.

أما في إسبانيا فقد قال بعض مستخدمي الإنترنت عبر تويتر إن الفيديو يظهر مسلما في مركز صحي في إسبانيا.

من الصعب معرفة الطريقة التي تؤثر بها هذه الصفحات في بعضها البعض وأين وجدت هذا الفيديو.

في هذه البلدان الثلاثة تأتي الكلمات لتمرير رسائل مختلفة: في فرنسا يكون الهجوم على المهاجر الأجنبي وفي تركيا يستهدف السوري -الذي يتمتع بوضع إداري خاص كلاجئ- وفي إسبانيا تستهدف الهوية الدينية فيجري الحديث عن “مسلم”. أما ناشرو هذه الأكاذيب فهم يقصدون ربط هذه الأصناف بفكرة السلوك العنيف وبنوع من نكران الجميل إزاء “المزايا الاجتماعية” التي يستفيدون منها.

المهاجر “الإرهابي”
هذه الصورة ربما هي “دليل” على أن العديد من الإرهابيين موجودون بين المهاجرين الوافدين إلى أوروبا [“مهاجرو الدولة الإسلامية” (بصيغتها كما وردت) حسب بعض مستخدمي الإنترنت] ويهاجمون الشرطة الألمانية ويرفعون أعلام تنظيم “الدولة الإسلامية” الجهادي في الشوارع.

وقد راجت على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي في ستة بلدان على الأقل: فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية والسويد والجمهورية التشيكية ومقدونيا بين أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر 2015، فيما أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن رغبتها في صرف 6 ملايين يورو لاستقبال 000 800 طالب لجوء.

ومن الواضح أن الصورة قد التقطت في ألمانيا لكنها أخرجت من سياقها. فهي تظهر متظاهرين إسلاميين يعترضون على مسيرة لليمين المتطرف قرب مدينة دوسلدورف بألمانيا في 2012 -أي قبل بداية أزمة الهجرة- كما يوضح لنا زملاؤنا في Libération Désintox (موقع ليبيراسيون لمكافحة الأخبار التضليلية).

وهدف ناشري هذه الأخبار الكاذبة لبلدان أخرى هو التنديد بسياسة استقبال اللاجئين التي التزمت بها ألمانيا والتنبيه إلى “المخاطر” المزعومة التي تنتظرهم من جراء استقبال المهاجرين. باختصار، يريدون إشاعة فكرة الخلط بين طالبي اللجوء وأفراد تنظيم “الدولة الإسلامية” والقول بأن ألمانيا بلد متساهل يستطيع هؤلاء التظاهر فيه بكل سهولة.

المهاجر “مغتصب الأوروبيات”

هذه الصورة المركبة تظهر 16 امرأة يقال إن مهاجرين في أوروبا اغتصبوهن واعتدوا عليهن. وقد راجت الصورة على نطاق واسع في ست بلدان مختلفة: ألمانيا واليونان وإيطاليا وهولندا والمملكة المتحدة وفرنسا.

ويندرج هذا الخبر الكاذب في صنف أوسع نطاق يربط المهاجرين بالأعمال الإجرامية. 30% من أصل 162 خبرا كاذبا يتمحور حول هذا الموضوع مع أحداث غير حقيقية تحكي قصص اغتصابات وجرائم قتل وتستهدف أساسا النساء الأوروبيات، وأحيانا الطفلات.

هذه النساء الـ16 في الصور لسن ألمانيات ولم يتعرضن للاعتداء في ألمانيا كما يقول موقع التحقق النمساوي Mimikama الذي وجد مصدر الصور الأصلي. معظمها من المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة الأمريكية حيث تعرضت هذه النساء للتعنيف الزوجي أو لتعنيف الشرطة أو للاعتداءات. ومن ناحية أخرى فالصورة الظاهرة يمينا في الصف الثالث ليست لامرأة بل هو رجل إنكليزي تعرض لهجوم في بيته عام 2014.

المهاجر المسلم الذي “يرفض المساعدات الغذائية غير الحلال”

المهاجرون في الـ162 خبرا كاذبا الذين كانوا محل دراسة يشار إليهم على أنهم “مسلمون” في 20% من الحالات تقريبا. ويأتي هذا الوصف بعد وصفي “مهاجر” أو “لاجئ” (59% من الأخبار الكاذبة) على لسان رواد الأخبار التضليلية.

وعدا كره الأجانب، هناك أيضا معاداة الإسلام وكلها تصب في “عدم توافق” هؤلاء الأشخاص مع “الثقافة الأوروبية”. ومن هذا الباب، تدعي العديد من الأخبار الكاذبة أن “مهاجرين مسلمين” خربوا ودنسوا كنائس في السويد أو أنهم تهجموا على شجرة عيد الميلاد في مركز تجاري بالولايات المتحدة الأمريكية أو أنهم تظاهروا في لندن للمطالبة بتطبيق الشريعة. وكل هذه الأحداث غير صحيحة طبعا والصور المرفقة بها قديمة وخارجة عن سياقها.

وهذه أيضا حال هذا الفيديو المعروض في ثمانية بلدان ويظهر فيه مهاجرون مسلمون على الحدود بين اليونان ومقدونيا وهم يرفضون المساعدة الغذائية من الصليب الأحمر لأنها كما قيل “غير حلال” أو بسبب الصليب الظاهر على الطرود الغذائية.

في الواقع، هؤلاء المهاجرون يرفضون تناول الأغذية التي توزعها الشرطة احتجاجا على إغلاق الحدود والظروف السيئة التي ينتظرون فيها، كما يوضح زملاؤنا الإيطاليون في Il Post الذين استطاعوا الحديث مع الجهات الفاعلة الإنسانية الموجودة في عين المكان والصحافي صاحب الفيديو.

المهاجر “يجتاح” أوروبا وسيأتي قريبا كي “يستحوذ على مكان” الأوروبيين

هذه المجموعة من الصور هي أكثر ما استخدم للاستدلال على نظرية المؤامرة التي تتحدث عن “الاستحواذ الكبير”، ومفادها أن المهاجرين من البلدان المغاربية أو أفريقيا جنوب الصحراء سيأتون للاستحواذ على مكان الأوروبيين على المستوى الديمغرافي والثقافي و/أو الديني وسيؤدي ذلك إلى انهيار “الحضارة الغربية”. وقد كان موضوع “الاجتياح” هذا حاضرا في الـ162 خبرا كاذبا موضوع الدراسة، بمعدل 20% تقريبا.

وقد تم تناقلها على نطاق واسع عبر مواقع اليمين المتطرف مثل Riposte laïque في فرنسا، وتشاركتها الأحزاب السياسية “التقليدية”، مثل حركة الإصلاح في بلجيكا التي من أعضائها رئيس الوزراء شارل ميشيل. وفي الولايات المتحدة، يقول مستخدمو الإنترنت إن هذه الصور تظهر جموع المهاجرين في ليبيا المتوجهين إلى إيطاليا. وفي إيطاليا، نشر نائب رئيس مجلس الشيوخ هذه الصورة مع نفس الأكاذيب.

في الحقيقة، هذه الصور لا علاقة لها بوصول المهاجرين المغاربيين أو المهاجرين الأفارقة إلى أوروبا في السنوات الأخيرة. فقد التقطت في عام 1991، عندما كان آلاف الألبان يفرون من بلدهم في خضم الاشتباكات المسلحة ونقص الأغذية سعيا للوصول إلى إيطاليا.

المهاجر “القوي ذو العضلات” الذي “أتى ليحارب”

في ظل التعاطف الهائل الذي أثارته صورة الطفل السوري إيلان الذي وجد ميتا على شاطئ في تركيا، حاول مستخدمو الإنترنت من خلال عدة وسائل تفنيد صورة المهاجر الواقع في خطر فريسة للجوع والبرد والذي يهجر بلده حيث تدور رحى الحرب. ما الهدف؟ وقف نزعات التضامن التي كانت سائدة آنذاك.

وكانت المحاولة الأولى هي اتهام وسائل الإعلام بتزوير وتحوير قصة هذا الطفل السوري الذي مات أثناء عبور البحر الأبيض المتوسط، لأن وسائل الإعلام “مؤيدة” و”متواطئة مع أصحاب نظرية الاستحواذ الكبير”، وفقا لمواقع معادية للمهاجرين. وتدعي صفحات نظرية المؤامرة مثلا أن جثة إيلان نقلها الصحافيون الذين أرادوا تقديم صورة “أكثر استدرارا للعواطف”. وهذا غير صحيح، كما يوضح هنا زملاؤنا في Décodeurs الخاص بصحيفة لوموند.

هذه الصور هي مثال آخر على التلاعب لبث الشك في أذهان مستخدمي الإنترنت. في إيطاليا وبولندا والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، نشر مستخدمو الإنترنت هذه الصور موضحين بأن المهاجرين أو السوريين “لا يموتون جوعا”، وأنهم “جنود للجهاد”. والغرض من هذا التضليل هو نقل صورة عن المهاجرين بأنهم خطر محدق وهم الذين يُزعم أنهم مستعدون للقتال ويمكن أن ينقلبوا في أي لحظة ضد البلدان المضيفة.

لكن هؤلاء الرجال ذوي العضلات ليسوا مهاجرين قدموا إلى أوروبا حديثا. فهذه الصور قد التقطت في أستراليا بجزيرة كريستمس عام 2013، ثم نشرت على هذه المدونة، غير أن هوية هؤلاء الأشخاص الذين أوقفتهم الشرطة الأسترالية لم تحدد بوضوح.

المهاجر “العالة” الذي يعيش على المعونات الاجتماعية
يضم هذا الصنف معلومات خاطئة عن المعونات الاجتماعية التي يتلقاها المهاجرون. في تركيا، كما في فرنسا، ادعت الجماعات المناهضة للمهاجرين والسياسيون المقربون من اليمين المتطرف أن اللاجئين يحق لهم الحصول على بطاقة ائتمان تشحن كل شهر بعدة مئات من اليوروهات. وفي فرنسا، نشر أعضاء حزب اليمين المتطرف “الجبهة الوطنية” هذه الكذبة مستدلين بالصورة.

صحيح أن فرنسا تخصص معونة اجتماعية لطالبي اللجوء لكنها تبلغ 6.80€ في اليوم للفرد الواحد وهناك مبلغ تكميلي قدره 4.20€ إذا كان الشخص لا يستطيع الحصول على سكن، كما توضح مجلة L’Obs. أما لبلوغ 40€ التي تحدث عنها هذا العضو في الجبهة الوطنية، فيجب أن تكون الأسرة مكونة من 10 أفراد وأن تتقاضى بالضبط مبلغ 37،40€ في اليوم.
“في اليسار، سوريون ينتظرون تلقي مرتبهم أمام مكتب البريد…وفي اليمين مواطنون من بلدي يبيعون الخضر والفواكه ببضعة قروش”..هذا ما كتب في تغريدة نشرت في 23 شباط/فبراير 2017.

وفي تركيا نفس الأسلوب. منشورات عديدة تروج على نطاق واسع وتقول إن اللاجئين السوريين يتقاضون راتبا من مكتب البريد التركي الحكومي. ولإثبات هذا الادعاء يرفقونه بعدة صور لسوريين مصطفين أمام البريد التركي.

هؤلاء الأشخاص يأتون بالفعل لتقاضي معونات اجتماعية ولكنها ليست رواتب بل بطاقات تشحن بالنقود تصدرها مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين مرة واحدة في فصل الشتاء، كما يقول موقع التحقق من صحة الوقائع التركي Teyit. وقد وزعت نحو 50000 بطاقة من هذا النوع وشحنت بـ600 إلى 900 ليرة تركية (130€ إلى 200€ تقريبا).

الاستنتاجات الأولية لهذه الدراسة

– من أصل 162 خبر كاذب تمت دراسته، يمكن ملاحظة وجود ذروتين، واحدة في صيف 2015 وأخرى في تشرين الأول/أكتوبر 2016، وهما فترتان تكثف فيهما تركيز الإعلام على المهاجرين مع بداية أزمة الهجرة في أوروبا وتفكيك المخيمات العشوائية في غابة منطقة كاليه الفرنسية، تزامنا مع حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
– الأخبار الكاذبة الأكثر تداولا كانت في الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وتركيا والسويد وكانت تتحدث أساسا عن ألمانيا وفرنسا والسويد.

– في تركيا أكثر ما تحدثت عنه الأخبار الكاذبة هو موضوع السوريين فيما كان الموضوع الأكثر رواجا في الولايات المتحدة الأمريكية هو عن المسلمين.

– أهم الأصناف بالترتيب هي: الأعمال الإجرامية والمعونات الاجتماعية واجتياح المهاجرين للبلدان.

المنهجية المتبعة:

لقد أحصينا عدد المقالات التي تتحقق من صحة الأخبار ورجعنا إلى مصادر الأخبار الخاطئة التي تم تكذيبها. ثم حاولنا أن نرى إذا كانت قد انتشرت في بلدان أخرى عبر البحث أولا عما إذا كتبت مقالات تحقق أخرى أو إذا كانت الصور المستخدمة قد انتشرت في بلدان أخرى أو بلغات أخرى.

ولهذا الغرض، استخدمنا عدة أدوات من أدوات البحث المعاكس مثل InVid وصور غوغل.

نتوجه بالشكر إلى Adrien Sénécat من لوموند وPauline Moullot من ليبيراسيون على مساعدتهما في إنجاز هذه الدراسة.

ترجمة: عائشة علون
FRANCE 24

رابط مختصر