عدالة منقوصة … المحاسبة على جرائم “داعش” في العراق

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 5 ديسمبر 2017 - 2:55 مساءً
عدالة منقوصة … المحاسبة على جرائم “داعش” في العراق

أنهت القوات المسلحة التابعة للحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان – بدعم من مختلف الشركاء الدوليين، ومنهم

تعتمد السلطات القضائية التابعة للحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان على محاكم مكافحة الإرهاب للإسراع في محاكمة جميع المشتبه في انتمائهم إلى داعش بتهم بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، وغالبا ما تنحصر التهم في الانتماء إلى التنظيم، دون أي تفريق من حيث درجة خطورة التهمة ودون أي جهود لإعطاء الأولوية للجرائم الأكثر خطورة. قال قاضٍ عراقي في محكمة مكافحة الإرهاب بنينوى، ومهمتها محاكمة عناصر داعش المقبوض عليهم في الموصل، إن المحكمة بدأت محاكمات بحق 5,500 شخص يُشتبه في انتمائهم لداعش، وأدانت أو أصدرت أحكاما ضدّ 200 منهم على الأقل، في الفترة ما بين فبراير/شباط وأواخر أغسطس/آب 2017.

تعلم “هيومن رايتس ووتش” بوجود 7,374 شخصا تحاول السلطات القضائية في العراق وإقليم كردستان إدانتهم أو أدانتهم فعلا، وقد أعدمت منهم 92 شخصا منذ 2014، علما أن هذا يمثل جزءا صغيرا من العدد الكلي للمحتجزين المشتبه بانتمائهم إلى داعش.

يسلّط هذا التقرير الضوء على فحص الأشخاص المشتبه في انتمائهم إلى داعش في العراق واحتجازهم والتحقيق معهم ومحاكمتهم. في كل مرحلة من هذه المراحل، خلُص التقرير إلى وجود أوجه قصور قانونية خطيرة تُقوّض جهود تقديم مقاتلي وعناصر داعش إلى العدالة.

الأهمّ من ذلك هو أن هيومن رايتس ووتش خلصت في أبحاثها إلى أنه لا توجد استراتيجية وطنية خاصة بالملاحقات القضائية لداعش تضمن محاكمات شاملة وذات مصداقية للمتورطين في أخطر الجرائم التي ارتكبها التنظيم، مع مشاركة فعالة للضحايا بهدف إعداد سجلّ قضائي شامل لهذه الجرائم. في نفس الوقت، ستحول المحاكمات الفضفاضة لجميع المنتمين إلى داعش، مهما كانت مشاركتهم ضئيلة، دون تحقيق مصالحة مجتمعية وإعادة الاندماج مستقبلا، وستثقل المحاكم والسجون العراقية لعقود قادمة.

الفحص
يثير التقرير مخاوف بشأن سلامة الإجراءات أثناء عملية الفحص التي تعتمدها قوات الأمن والقوات العسكرية العراقية وقوات إقليم كردستان العراق، لفرز الأشخاص المغادرين للمناطق الخاضعة لسيطرة داعش. تعبّر هيومن رايتس ووتش عن قلقها من أن المعلومات المُعتمدة لإدانة الأشخاص وغموض الإجراءات المعتمدة في تحديد المشتبه بانتمائهم إلى داعش، والتي تستند إلى قوائم بالمطلوبين أو اتهامات صادرة عن السكان المحليين دون أي أدلة إضافية، قد تؤدي إلى تحديد خاطئ للأشخاص، وإلى احتجاز أطفال ورجال ليسوا – أو لم يكونوا – منتمين إلى داعش. كما تؤكد أبحاثنا، فإن الأشخاص الذي يتم تحديدهم بشكل خاطئ أثناء عملية الفحص على أنهم مشتبه بانتمائهم إلى داعش قد يقضون شهورا رهن الاحتجاز الجماعي التعسفي أثناء فترة التحقيق القضائي.

ظروف الاحتجاز
ظروف الاحتجاز والاستجواب لا تخلو من مشاكل أيضا. وجدت أبحاثنا أن السلطات العراقية تحتجز المشتبه بانتمائهم إلى داعش في أماكن مكتظة وأحيانا في أوضاع لاإنسانية؛ لا تفصل الأطفال عن المحتجزين البالغين؛ وتنتهك منهجيا سلامة الإجراءات التي تنص عليها حقوق المشتبه بهم. تشمل انتهاكات سلامة الإجراءات تجاهل الضمانات المكفولة في القانون العراقي لعرض المحتجز على قاضٍ في غضون 24 ساعة؛ الاتصال بمحامٍ طيلة فترة الاستجواب؛ وإعلام العائلات باحتجاز أقاربها والسماح لها بالتواصل معهم. إضافة إلى ذلك، زعم العديد من المحتجزين أن السلطات عذبتهم لإجبارهم على الاعتراف بالانتماء إلى داعش. ولما سُئل مسؤولون عراقيون عن هذه الادعاءات، أجابوا بأنهم حققوا فيها، دون أن يقدموا أي دليل على ذلك.

المحاكمات
تُعتبر أعمال داعش تهديدا أمنيا خطيرا للدولة العراقية، فقد شنّ التنظيم مجموعة واسعة من الهجمات، منها هجمات ضدّ المدنيين، وارتكب أعمالا إجرامية أخرى في كافة أنحاء العراق. يحق للسلطات العراقية وسلطات إقليم كردستان إجراء محاكمات على هذه الجرائم لضمان أمن المواطنين وتحقيق العدالة للضحايا، ولكن هذا التقرير وجد عددا من أوجه القصور في محاكمات بمقاتلي التنظيم والمنتسبين إليه.

غياب استراتيجية وطنية
خلص التقرير إلى أنه لا توجد استراتيجية وطنية خاصة بمحاكمات داعش، وأن التهم الموجهة إلى المُشتبه بانتمائهم إلى التنظيم لا تشمل مجموعة واسعة من الجرائم التي ارتكبها داعش. قال قضاة من العراق وإقليم كردستان إن محاكم مكافحة الإرهاب في العراق والإقليم تعمل بالتوازي. ولكن عند سؤالهم عن الخطة العامة لمحاكمة جرائم داعش، قال القضاة لـ هيومن رايتس ووتش إنه لا توجد خطة وطنية لتنسيق هذه المحاكمات أو إعطاء الأولوية لمحاكمة المتورطين في أكثر الجرائم خطورة. بدل ذلك، تعمد السلطات العراقية وسلطات الإقليم على ما يبدو إلى محاكمة عناصر داعش المشتبه بهم بموجب قوانين مكافحة الإرهاب الخاصة بكل منهما، بتهمة الانتماء إلى التنظيم، دون أي تمييز ودون أي أولوية من حيث خطورة الجرائم المتهمين بارتكابها.

الاعتماد على قوانين مكافحة الإرهاب
سمحت قوانين مكافحة الإرهاب المعتمدة من قبل الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان للقضاة بتوجيه تهم إلى مجموعة واسعة من الأشخاص، بعضهم غير متورطين في أعمال عنف محددة، لكن يُنظر إليهم على أنهم قدموا مساعدات لداعش، مثل الأطباء الذين عملوا في مستشفيات خاضعة لداعش والطباخين الذين أعدّوا الطعام للمقاتلين. تنصّ قوانين مكافحة الإرهاب على أحكام قاسية، حتى لمجرّد الانتماء إلى داعش، تتمثل في السجن المؤبد أو الإعدام.

اتهام المشتبه بانتمائهم إلى داعش بخرق قوانين مكافحة الإرهاب، وليس أي تهم أخرى بموجب قانون العقوبات، يكون في الغالب أسهل من ناحية إثباتها. تحتاج السلطات في هذه القضايا فقط إلى إثبات الانتماء إلى داعش أو المشاركة في إدارته أو القتال مع قواته كأساس لمحاكمة المشتبه بانتمائهم إلى التنظيم بدل إثبات تورطهم في أعمال إجرامية محددة – وهو تحدٍ باعتبار أن هذه الجرائم حصلت في خضمّ فوضى الحرب. لكن الاعتماد على قوانين مكافحة الإرهاب يثير مشاكل، لأنه لا يعطي الأولوية لمعاقبة أخطر الجرائم التي ارتكبت في ظلّ التنظيم.

إضافة إلى ذلك، ورغم أن الانتماء إلى منظمة إرهابية أمر مُجرّم في أغلب الدول ولا يوجد في القانون الدولي ما يمنع العراق من محاكمة عناصر داعش، فإن هذا الكمّ الهائل من المحاكمات قد لا يكون مناسبا في العراق بالنظر إلى حجم الأراضي والمراكز السكانية التي بسط عليها داعش سلطة عسكرية أو مدنية. في ذروة قوّته، اعتمد داعش على عشرات آلاف العراقيين المحليين لحُكم السكان والمناطق الخاضعة له. من شأن إعطاء الأولوية لأكثر الجرائم خطورة خلق مواءمة استراتيجية مع موارد العراق المحدودة.

إعداد سجلّ قضائي ومشاركة الضحايا
محاكمة الأشخاص بالاعتماد على قوانين مكافحة الإرهاب فقط يثير مشاكل أيضا، لأن ذلك لا يساعد على إعداد سجلّ قضائي بمختلف الجرائم التي ارتكبت ضدّ عدد لا يُحصى من المواطنين العراقيين، وجمع الأدلة المتعلقة بها وبالشهود والضحايا. رغم أن الضحايا ما انفكوا يطالبون بالعدالة، والمحاكمات العراقية عادة تسمح بمشاركة الضحايا والشهود، فإن السلطات لم تبذل أي جهد لضمان مشاركة الضحايا في المحاكمات، سواء بالحضور فقط أو كشهود أو لتقديم رواياتهم أو توجيه أسئلة إلى المشتبه فيهم.

لكن بدل ذلك، يبدو أن السلطات ركّزت فقط على منح الضحايا تعويضات. فيما يتعلق بالجرائم ضدّ الإيزيديين، تم تشكيل لجنة مختصة للتدقيق. وحتى في هذه المبادرات المحدودة، لم يحصل تواصل يُذكر مع الناس. ذكر بعض ممثلي الضحايا أنهم لا يعلمون بالخطة الخاصة بالتعويضات. قالت السلطات في بغداد إنها أنشأت هيئة قضائية مُكلّفة بالتحقيق في الجرائم ضدّ الإيزيديين بهدف محاكمة الجرائم المرتكبة ضدّ هذه الطائفة، ولكنها قالت إن هذه الهيئة ليس لها ميزانية أو مقرّ. رغم أنها قالت إن الهيئة قابلت ضحايا وجمعت دعاوى جنائية، فإن قادة المجتمع الإيزيدي قالوا إنهم لم يتواصلوا أبدا مع هذه الهيئة.

محاكمة الأطفال
احتجاز أطفال مشتبه بانتمائهم إلى داعش ومحاكمتهم قد يكون انتهاكا لالتزامات العراق الحقوقية المتعلقة بمعاملة الأطفال، والتي تنصّ على مراعاة مصالح الطفل الفضلى، واللجوء إلى الاحتجاز كملاذ أخير، مع إعطاء الأولوية لإعادة التأهيل والنظر في بدائل عن الاحتجاز.

قانون العفو الصادر عن الحكومة العراقية
قد يحق لعناصر داعش المُدانين في محاكم تابعة للحكومة العراقية الإفراج عنهم بموجب “قانون العفو العام” الصادر في أغسطس/آب 2016 (القانون رقم 27/2016)، لكن القضاة لا يطبقون هذا القانون باستمرار. يمنح القانون عفوا لكل شخص يستطيع إثبات أنه التحق بداعش أو أي تنظيم متطرف آخر ضدّ إرادته ولم يرتكب أي جرائم خطيرة، مثل حيازة أو استخدام متفجرات أو أعمال تشويه أو قتل، قبل أغسطس/آب 2016. كما يمنح القانون عفوا لأشخاص متهمين بمجموعة أخرى من الجرائم.

قال مكتب رئيس “مجلس القضاء الأعلى” لـ هيومن رايتس ووتش إن السلطات أفرجت عن 9,958 محتجزا بين أغسطس/آب 2016 وأكتوبر/تشرين الأول 2017 بموجب قانون العفو، دون أن يحدد عدد الذين كانوا يواجهون تهما بموجب قانون مكافحة الإرهاب. قال قضاة يتعاملون مع معظم قضايا مكافحة الإرهاب إنهم يرفضون تطبيق هذا القانون. على سبيل المثال، قال قاضٍ بارز في قضايا مكافحة الإرهاب في نينوى إنه يعتقد أن الذين ساندوا داعش، حتى بمهام صغيرة مثل الطبخ، مدانون مثل مقاتلي التنظيم، وإنه لا يهتم بمزاعم المتهمين بأنهم انضموا إلى داعش دون إرادتهم. قال لـ هيومن رايتس ووتش إنه يرفض تطبيق قانون العفو لأنه لا يعتقد أن أحدا ممن ساعدوا داعش يستحق العفو. لم تتبنَّ حكومة إقليم كردستان قانون عفو خاص بالمدانين أو المشتبه بانتمائهم إلى داعش، وأكد المتحدث باسم الإقليم أنه لا يوجد قانون قيد الدرس.

رغم أن الحكومات غير ملزمة بمنح العفو، فإن القانون الإنساني الدولي يشجع السلطات على تنفيذ أكبر قدر ممكن من العفو في نهاية النزاعات المسلحة غير الدولية تجاه المشاركين في النزاع، باستثناء الجرائم الأكثر خطورة مثل جرائم الحرب، الجرائم ضدّ الإنسانية، أو غيرها من الجرائم الدولية. كما يحظر القانون الإنساني الدولي محاكمة الموظفين في القطاع الطبي على أداء مهام طبية متسقة مع أخلاقيات مهنة الطب.

الخطوات التالية
السلطات العراقية وسلطات إقليم كردستان العراق
تساند هيومن رايتس ووتش الجهود الرامية إلى تحقيق عدالة ذات مصداقية لكل المتورطين في جرائم خطيرة، وتقرّ بالتحديات التي يواجهها نظام العدالة العراقي بسبب حجم وعدد هذه الجرائم. لكن ما لم تحترم الإجراءات القضائية المعايير الدنيا لسلامة الإجراءات والمحاكمة العادلة، وما لم تتبنَّ سلطات الحكومة العراقية وإقليم كردستان استراتيجية وطنية تعطي أولوية لمحاكمة الجرائم الأكثر خطورة، بما يشمل تبني قوانين تُجرّم جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية، فإن المسار المعتمد حاليا لن ينتج عنه توثيق قضائي لهذه الجرائم ولن يحقق العدالة للضحايا.

على السلطات العراقية وسلطات إقليم كردستان اعتماد ونشر استراتيجية وطنية عاجلة تعطي الأولوية لمحاكمة مرتكبي أخطر الجرائم باتهامهم بجرائم محددة، مع تحديد دور واضح للضحايا. أما فيما يتعلق بالمشتبه بانتمائهم إلى داعش دون أي أدلة على ارتكابهم جرائم خطيرة، وخاصة الأطفال، فعلى السلطات النظر في اعتماد بدائل عن الملاحقات الجنائية، بما في ذلك آليات كشف الحقيقة. تتسبب المحاكمات الجارية في عرقلة نظام القضاء والسجون دون أن تحقق العدالة للضحايا أو تساعد العراق على الانتقال إلى مستقبل أكثر سلاما.

على السلطات إسقاط التهم الموجهة إلى كل من ساهم عمله مع داعش في حماية حقوق المدنيين، كحدّ أدنى. إن كانت السلطات مصرّة على الاستمرار في أكبر عدد ممكن من المحاكمات، بما يشمل الانتماء إلى داعش دون ارتكاب جرائم أخرى، فإن عليها أولا إعطاء الأولوية وبأسرع وقت ممكن إلى محاكمة أولئك الذين يواجهون أخطر التهم، والإفراج سريعا عن كل من يشمله قانون العفو. فيما يتعلق بالأطفال تحديدا، فعلى السلطات النظر في بدائل عن الاحتجاز والملاحقة الجنائية، واعتماد برامج إعادة تأهيل وإدماج لمساعدتهم على العودة إلى المجتمع.

اعتماد نهج يعطي الأولويّة لمحاكمة أخطر الجرائم، ويقترح بدائل عن المحاكمة في الجرائم الأقل خطورة، قد لا يُرضي أقارب الضحايا الذين يطالبون بعدالة عاجلة بحق كلّ من شارك في إدارة داعش مدنيا وسياسيا وأمنيا وعسكريا. لكن السلطات تستطيع التخفيف من ذلك عبر السعي إلى إشراك الضحايا في المحاكمات الجارية ضدّ مرتكبي الجرائم الخطيرة، والتواصل بشكل علني ومنتظم بشأن الإدانات والمحاكمات المتعلقة بالمشتبه في انتمائهم إلى داعش. ستُؤكد هذه الإجراءات أن نظام العدالة يحقق المحاسبة، وستساعد على إعداد رواية تاريخية دقيقة.

على السلطات أيضا تطوير آليات لكشف الحقيقة لها صلاحيات وسلطات واسعة، تشمل الحق في استدعاء الشهود، لمعالجة الانتهاكات التي ارتكبتها جميع أطراف النزاع.

إضافة إلى ذلك، على السلطات العراقية وسلطات إقليم كردستان زيادة الجهود لضمان إتاحة خطة التعويضات العراقية الحالية لجميع الضحايا، وتطوير الخطّة إلى برنامج تعويضات أوسع يراعي الفوارق بين الجنسين من خلال عملية شفافة وتشاركية تشمل جميع ضحايا الانتهاكات الخطيرة لقانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني المُرتكبة أثناء النزاع، بما يشمل العنف الجنسي. لقد عملت عدّة بلدان على إعادة ممتلكات الأشخاص إلى أصحابها لمعالجة الانتهاكات التي شملت تهجير الناس من ديارهم وأراضيهم. إعادة الممتلكات ستساعد النازحين بسبب داعش على استرجاع منازلهم وأراضيهم وستعزّز العدالة الانتقالية. دعت المجالس المحلية والعشائرية في كافة أنحاء البلاد إلى اعتماد برامج للقضاء على التطرف و”إعادة تأهيل” المتعاطفين مع داعش، ولكن ذلك لم يحصل إلى اليوم.

المساءلة والمصالحة

الإفلات من العقاب على الجرائم الخطيرة، الذي تتمتع به قوات الأمن العراقية وقوات إقليم كردستان، يُعتبر مشكلة كبيرة أمام تحقيق العدالة والمحاسبة في العراق، وأمام جهود المصالحة بشكل أشمل. على حدّ علم هيومن رايتس ووتش، لم تُدن المحاكم في العراق وإقليم كردستان أي عراقي أو قوات مناوئة لداعش على أي انتهاكات لحقوق الإنسان أو لقوانين الحرب. تشمل هذه الانتهاكات الموثقة بشكل جيّد القتل، الإعدامات الجماعية، الإخفاء القسري، الخطف، التعذيب، وهدم منازل السُنّة على نطاق واسع في المناطق التي استرجعت من داعش. طلبت هيومن رايتس ووتش معلومات من السلطات الكردية في مناسبات متعددة حول نتائج تحقيقاتها في الانتهاكات التي ارتكبتها القوات العراقية وقوات الإقليم، لكنها لم تحصل على أي ردّ. على السلطات التحرّك بشكل عاجل لمحاسبة القوات المسيئة، وإلا ستواجه نزاعا آخر مع المجتمعات المحلية التي ليس لديها ثقة كافية في عدالة حكومتي العراق وإقليم كردستان.

العمل الدولي

حاول عدد من الفاعلين الدوليين إطلاق عدد من المبادرات الرامية إلى تحقيق العدالة لبعض ضحايا داعش، بما في ذلك فريق التحقيق الجنائي “لجنة العدالة والمساءلة الدولية”، ودول أخرى، وفريق التحقيق الذي أنشأه مجلس الأمن مؤخرا، لكن هذه المبادرات ليس لها علاقة واضحة بمحاكمات داعش الجارية في العراق. بل ربما تنتهي هذه المحاكمات قبل انطلاق هذه المبادرات الدولية. على الفاعلين الدوليين دعم عدد من الأنشطة لتحسين الممارسات المتعلقة بالاحتجاز والمحاكمة، ومعالجة الانتهاكات المتعلقة بسلامة الإجراءات وغيرها من الانتهاكات الموثقة في هذا التقرير. يجب أن تشمل هذه الأنشطة مراقبة حقوق الإنسان والمحاكمات في السجون والمحاكم التي يُحتجز فيه عناصر داعش المشتبه بهم. على شركاء الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان العمل على إقناع نظاميهما القضائيين بضرورة توثيق الجرائم بموجب القانون الجنائي أثناء التحقيق، حتى لو كانت التهم الموجهة إلى المشتبه فيهم بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، وإلغاء و/أو تعليق عقوبة الإعدام. عليهم أيضا تسهيل نقل عائلات الضحايا للمشاركة في المحاكمات.

في 21 سبتمبر/أيلول 2017، اعتمد “مجلس الأمن” بالإجماع قرارا يخوّل الأمين العام إنشاء فريق تحقيق لجمع الأدلة المتعلقة بالجرائم الخطيرة وحفظها، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية التي ارتكبها داعش في العراق لاحتمال استخدامها مستقبلا في إجراءات جنائية في العراق أو ربما في محاكم وطنية أخرى. لكن بما أن المحاكم العراقية ومحاكم إقليم كردستان تسمح بعقوبة الإعدام في حق المشتبه بانتمائهم إلى داعش، فإن على فريق التحقيق عدم مدّها بالأدلة التي يجمعها لاستخدامها في المحاكمات الجارية، اتساقا مع سياسة “الأمم المتحدة” الراسخة بعدم دعم أو المساعدة في الإجراءات التي قد تؤدي إلى عقوبة الإعدام. في 10 أكتوبر/تشرين الأول، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس: “لا مكان لعقوبة الإعدام في القرن الـ 21″، ووصفها بـ “الممارسة البربرية”.

بدل ذلك، على الأمم المتحدة حث السلطات العراقية على تعليق تنفيذ عقوبة الإعدام – كحدّ أدنى – في هذه المحاكمات، التي حصلت سوابق مماثلة لها حديثا، حيث وافقت الحكومة اللبنانية على تعليق عقوبة الإعدام في إجراءات “المحكمة الخاصة بلبنان” كجزء من اتفاق بين الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة.

المقاتلون الأجانب

من المحتمل أن تؤثر إساءة المعاملة وانتهاكات سلامة الإجراءات بحق المشتبه بانتمائهم إلى داعش على عناصر التنظيم الأجانب في العراق. سأل الباحثون حكومتي العراق وإقليم كردستان عن عدد المشتبه بانتمائهم إلى داعش من الأجانب المحتجزين لديهما، وعدد المشتبه فيهم الذين رُحّلوا. رغم أن السلطات العراقية لم تقدّم أي معطيات عن عدد المشتبه بهم الأجانب المحتجزين لديها، إلا أن رئيس الوزراء حيدر العبادي صرّح في 17 سبتمبر/أيلول أن السلطات تحتجز فتاة ألمانية ومواطنين من بلجيكا، فرنسا، سوريا، وإيران. أخبر محامٍ بارز في مكافحة الإرهاب هيومن رايتس ووتش بوجود 3 أجانب آخرين محتجزين بانتظار محاكماتهم. أشارت تقارير إعلامية إلى وجود مقاتل روسي كان محتجزا لدى القوات العراقية، ولكنه أدين وأعدم.

ذكر متحدث باسم إقليم كردستان العراق شخصين رُحّلا من الإقليم إلى بلديهما، ولكن السلطات العراقية في بغداد مازالت لم تنشر أي معلومات حول هذه الترحيلات. قال 4 قادة عراقيين لـ هيومن رايتس ووتش إن قواتهم قتلت مقاتلين أجانب في ساحة المعركة، وصدرت عن شركاء التحالف الأمريكي البريطاني الفرنسي تعليقات تشجع على قتل مقاتلي داعش من الأجانب تحديدا. يُعتبر قتل المقاتلين الذين يستسلمون أو الذين لا يقاتلون جريمة حرب. على الدول الأجنبية التي لها مواطنون يُحاكمون في العراق بشبهة الانتماء إلى داعش، العمل على ضمان محاكمة عادلة لهم تُحترم فيها سلامة الإجراءات، بما يشمل تمكينهم من مساعدة قنصلية، المساعدة في تعيين تمثيل قانوني لهم، مراقبة ظروف الاحتجاز والمحاكمات، ودعوة الحكومة العراقية في السرّ والعلن إلى إلغاء عقوبة الإعدام و/أو تعليقها في هذه المحاكمات.
المنهجية

ي رحلات إلى أربيل، محافظة نينوى، وبغداد من نوفمبر/تشرين الثاني

قابل الباحثون أيضا 100 عائلة على الأقل لمشتبه بانتمائهم إلى داعش، وعشرات الرجال والنساء والأطفال ممن تعرّضوا لانتهاكات خطيرة على يد داعش أو فقدوا أقارب لهم نتيجة لهذه الانتهاكات. لم تسمح السلطات للباحثين بمقابلة مشتبه بانتمائهم إلى داعش رهن الاحتجاز، متذرّعة بمخاوف أمنية.

تحدث باحثو هيومن رايتس ووتش إلى جميع من أجروا معهم مقابلات تقريبا على انفراد وباللغة العربية. كما أجروا بعض المقابلات في أربيل بالكردية مستعينين بالترجمة. أعلم الباحثون جميع من قابلوهم بالهدف من المقابلات وطبيعتها الطوعية، وبطرق استخدام المعلومات، وحصلوا على موافقتهم جميعا، وكانوا على بيّنة بأنهم لن يحصلوا على أي تعويضات لقاء مشاركتهم. لأسباب تتعلق بالأمن الشخصي، أخفت هيومن رايتس ووتش أسماء بعض الذين قابلتهم والمعلومات المتعلقة بهوياتهم.

في 31 أغسطس/آب، أرسلت هيومن رايتس ووتش إلى السلطات العراقية وسلطات إقليم كردستان قائمة أسئلة، والتمست منهم معطيات حول عدد ونوع الإجراءات المتخذة في المحاكم العراقية ومحاكم الإقليم بشأن المشتبه بانتمائهم إلى داعش. بينما لم تردّ سلطات بغداد حتى نشر هذا التقرير، تم تضمين المعلومات ذات الصلة التي أرسلتها سلطات الإقليم في هذا التقرير. تحافظ هيومن رايتس ووتش على حوار مع الحكومة العراقية وسلطات إقليم كردستان، وهي ممتنة للتعاون الذي حصلت عليه لتقييم المعطيات المقدّمة في هذا التقرير وأي توصيات تنتج عنه.

العودة إلى الأعلى

I.الخلفية

يعود بروز داعش وانتشاره السريع في سوريا والعراق إلى عوامل متعددة تتراوح بين الغزو الأمريكي للعراق في 2003 وسياسات “اجتثاث البعث” التي جلبها معه؛ السياسات الطائفية التي انتهجتها الحكومات العراقية المتعاقبة؛ وتسهيل الحكومات الإقليمية لبروز حركة التطرّف.[1] يبقى الحجم الحقيقي لكل عامل من هذه العوامل موضوع جدل لدى المحللين.

ظهر داعش من رحم تنظيم “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” (القاعدة في العراق)، وهو شبكة مقاتلين سُنّة نشطت في العراق عقب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في 2003، وضمّ مقاتلين عراقيين وأجانب معارضين للاحتلال الأمريكي والحكومة العراقية ذات الأغلبية الشيعية.[2] منذ 2004، شنت القاعدة في العراق سلسلة من الهجمات، في شكل تفجيرات انتحارية غالبا، استهدفت قوات الأمن والمؤسسات الحكومية والمدنيين العراقيين.[3]

تصاعد العنف الطائفي في العراق بين 2006 و2008، وتحديدا بعد تفجير مسجد العسكري في سامراء، أحد أقدس الأماكن لدى الشيعة. نتج عن ذلك موجة من الهجمات الانتقامية نفذها الشيعة، كانت تعقبها هجمات مضادة من السنة.[4]

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2005، بدأت محكمة خاصة سُميت “المحكمة العراقية العليا” محاكمة متهمين من حكومة الرئيس الأسبق صدّام حسين على الانتهاكات المُرتكبة في فترة حكمه.[5] كانت للمحكمة العراقية العليا ولاية خاصة على العراقيين والأجانب المقيمين في العراق المتهمين – من بين جرائم أخرى – بارتكاب إبادة جماعية، جرائم ضدّ الإنسانية، وجرائم حرب بين يوليو/تموز 1968 ومايو/أيار 2003. في أولى المحاكمات، أدين صدّام حسين و6 متهمين آخرين بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية، وحُكم عليه وعلى متهمين اثنين بالإعدام شنقا.[6] خلصت هيومن رايتس ووتش في تقرير أصدرته في نوفمبر/تشرين الثاني 2006 إلى أن المحاكمة لم تحترم المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة.[7]

عمّقت الحكومة، التي كان نوري المالكي على رأسها من 2006 إلى 2014، انقسام البلاد بين معسكرين سنّي وشيعي متناحرين تورطا في هجمات طائفية دموية.[8]

لم تتمكن الحكومة على امتداد عقد من معالجة أيّ مظالم ضدّ الطائفة السُنية التي كانت تشتكي من مشاركتها الضئيلة في العمليّة السياسية، ومن عدم تنفيذ إصلاحات حقيقية لحملة “اجتثاث البعث” العقابية والفضفاضة ولقوانين مكافحة الإرهاب. تعمّق شعور السُنة بالظلم مع تزايد سيطرة رئيس الوزراء على السلطة المركزيّة؛ تعامل الشرطة الوحشي؛ الاعتقالات الجماعية؛ المحاكمات الجائرة؛ وتفشي التعذيب في السجون العراقية.[9]

تقلّصت قوّة القاعدة في العراق منذ 2007 بعد أن بدأت عشائر سُنية – بتمويل أمريكي – بإنشاء ميليشيات تُسمى “مجالس الصحوة” لطرد القاعدة في العراق من أراضيهم. رغم تقلّص حجمها، استمرت شبكة القاعدة في العراق في النشاط، بما في ذلك عبر أشخاص محتجزين في مراكز احتجاز تديرها الولايات المتحدة، لا سيما معسكر بوكا الشهير، الذي التقى وتعرف فيه بعض أهم القيادات المستقبلية لداعش.[10]

انتعش تنظيم القاعدة في العراق في 2011، لأنه استخدم النزاع السوري الذي اندلع ذلك العام كمجال للتدريب والتجنيد. في أبريل/نيسان 2013، أكّد أبو بكر البغدادي، الذي كان زعيم القاعدة في العراق، الحضور الجديد للتنظيم في سوريا عبر تغيير اسمه إلى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش).[11] تسبب افتقار الحكومة العراقية إلى الشمول، وإخفاقاتها الأمنية، في استعادة القاعدة في العراق مكانتها.

لمّا حاول السُنة العراقيون التظاهر سلميا ضدّ التهميش في 2012-2013، تعاملت معهم قوات الأمن الحكومية بقمع عنيف.[12]

سيطر داعش على أراض في سوريا، بدءا بالسيطرة على مدينة الرقة أواخر 2013. في يناير/كانون الثاني 2014، سيطر على مدينة الفلوجة في العراق، ثم واصل صيف 2014 هجومه في العراق، فسيطر على الموصل، واتجه جنوبا ليسيطر على أجزاء من محافظات صلاح الدين، كركوك، ديالى، والأنبار.[13]

على امتداد السنوات الثلاثة الأخيرة، حكم داعش مناطق في العراق وسوريا، وروّج لانتهاكاته ليزرع الخوف ويحافظ على سيطرته على السكان الذين كان أغلبيتهم من السُنة.[14] كما حاول إدارة هذه المناطق بشكل فعال من خلال ترك العديد من الإداريين المحليين الذين عملوا مع الحكومة العراقية في وظائفهم، مثل المعلمين، موظفي المستشفيات، وموظفي البلديات مثل عمال التنظيف.[15]

غير أن القوات العراقية والسورية، المدعومتين من تحالف مناوئ لداعش بقيادة الولايات المتحدة، إيران، وروسيا، تصدّت بقوّة للتنظيم حتى فقد معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها في منتصف 2017.[16] تسبب القتال الدائر على امتداد السنوات الثلاث الماضية في تهجير أكثر من مليون مدني في العراق وحده، ودفع مئات الآلاف إلى الفرار من البلاد بحثا عن اللجوء في الخارج.[17]

سجلّ الانتهاكات

انتهاكات قوّات داعش

منذ 2014، ارتكبت قوات داعش انتهاكات لحقوق الإنسان، جرائم حرب، جرائم ضدّ الإنسانية، وما خلُصت “لجنة التحقيق الدولية المستقلّة بشأن الجمهورية العربية السورية” التابعة للأمم المتحدة إلى أنه إبادة جماعية في مناطق مختلفة من العراق.[18] من أبرز هذه الأعمال الهجمات التي شنها داعش في 3 أغسطس/آب 2014 على قرى وبلدات في كافة أنحاء سنجار مستهدفا السكان الإيزيديين.[19] قتل مقاتلو التنظيم ما لا يقلّ عن 2,000 شخص، وأسروا 6,417 آخرين.[20] ثم عمد داعش إلى سجن الإيزيديين، ومارس نظاما من الاغتصاب المنظم، الاعتداء الجنسي، الاسترقاق الجنسي، أشكال أخرى من التعذيب وسوء المعاملة، الزواج القسري من مقاتلي التنظيم، والعمل القسري بحق النساء والأطفال الإيزيديين.[21] كما أجبرت قوات داعش الإيزيديين على تغيير ديانتهم، وجنّدت أطفالهم.[22] وجد تقرير للأمم المتحدة أدلة على نيّة داعش تدمير السكان الإيزيديين كمجموعة كاملة عندما ارتكب ضدّهم هذه الأعمال، وخلُص إلى أن مثل هذه “التصرّفات قد تبلغ درجة الإبادة الجماعية”.[23]

كما استهدف المقاتلون مجموعات أخرى مثل الشيعة. في واحدة من أكبر المجازر، قتل مقاتلو داعش في يونيو/حزيران 2014 المئات من مُجنّدي الجيش الشيعة في قاعدة سبايكر، قرب تكريت.[24] وفي حادثة قتل جماعي أخرى في نفس الشهر، قتل عناصر داعش مئات السجناء الشيعة وكذلك عددا من الأكراد والإيزيديين في سجن بادوش قرب الموصل.[25]

استهدف داعش الأقليات العراقية بشكل منهجي، بما يشمل الإيزيديين، الشيعة الشبك، الشيعة التركمان، والمسيحيين.[26] كما أمر مسيحيي مدينة الموصل باعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو الهروب أو مجابهة “حدّ السيف”.[27]

منذ 2011، نشر داعش جنوده، ومنهم أطفال، لتنفيذ مئات العمليات الانتحارية والتفجيرات بالسيارات المفخخة، ما تسبب في مقتل آلاف المدنيين.[28] كما عمد مقاتلوه – في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم – إلى سوء المعاملة، بما في ذلك العنف الجنسي والإعدامات العلنية وغيرها من عمليات القتل وأعمال التعذيب كطريقة للحكم بالترهيب.[29] كما فرض “ديوان الحسبة” (شرطة الآداب) التابع للتنظيم، قيودا وعقوبات على المناطق ذات الأغلبية السُنية، شملت إعدامات بحق مثليين مزعومين، رجم أشخاص بسبب زنا مزعوم، ومنع استخدام الهاتف الخلوي والتدخين. فرض أيضا قيودا مشدّدة على لباس الفتيات وحريّة الحركة في المناطق الخاضعة لسيطرته.[30] قالت نساء وفتيات سُنيات لـ هيومن رايتس ووتش إنه كان يُسمح لهن بمغادرة منازلهن فقط عندما يرتدين النقاب وبصحبة محرم. تسببت هذه القوانين، التي نُفذت بالضرب وفرض الغرامات على أقاربهن الذكور، في عزل النساء عن العائلة والأصدقاء والحياة العامة.[31]

فرض داعش أيضا ضرائب على العائلات التي تعيش تحت سيطرته؛ صادر ممتلكات الفارّين؛ هاجم البنوك وسرق المال والذهب وأغراض ثمينة أخرى.[32] كما هدم المساجد، الأضرحة، الكنائس، التماثيل، القبور، وغيرها من المواقع الدينية والأثريّة في كل المناطق التي سيطر عليها، ونهب أعمالا ثقافية قيّمة لتمويل عملياته.[33] هذه الأعمال هي جرائم حرب.

نفذ داعش أيضا – في معركته ضدّ القوات المناوئة له – هجمات كيميائية، وأطلق ذخائر أرضية على مناطق سكنية مدنية.[34] كما اختبأ مقاتلوه بين المدنيين في أماكن مثل المستشفيات، المحميّة بموجب القانون الإنساني الدولي، واستخدموا المدنيين كدروع بشرية أثناء عملياتهم. أطلق قناصو التنظيم النار على المدنيين الذين حاولوا الهرب.[35] وفي خضمّ معاركه، نفذ داعش إعدامات جماعية ضدّ مدنيين خاضعين لسيطرته، تاركا وراءه العديد من المقابر الجماعية.[36]

انتهاكات القوات المناوئة لداعش

إساءة المعاملة والإعدامات
رغم التاريخ الطويل من الانتهاكات التي ارتكبتها مختلف القوات العراقية وقوات إقليم كردستان العراق، وكذلك الوحدات العسكرية الشيعية التي دمجت في القوات العراقية النظامية والمعروفة بـ “قوات الحشد الشعبي”، فإن المعركة ضدّ داعش منحت هذه القوات مجالا واسعا لارتكاب انتهاكات تحت مُسمى مكافحة الإرهاب.

وثقت هيومن رايتس ووتش بشكل متكرر أعمال تعذيب وإعدام خارج إطار القضاء على يد القوات العراقية أثناء حربها ضدّ داعش، شملت التعذيب والقتل بإجراءات موجزة أثناء عملية استعادة الفلوجة في 2016، وكذلك أثناء عمليات استعادة الموصل في 2016-2017، عندما عذبت وقتلت المقبوض عليهم داخل ساحة المعركة وحولها دون محاسبة، وأحيانا بعد نشر صور وفيديوهات عن الانتهاكات على مواقع التواصل الاجتماعي.[37]

القصف العشوائي
في معركتها ضدّ داعش، نفذت القوات العراقية وقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة حملة قصف استهدف أعيانا مدنية، منها منازل ومستشفيات.[38] أطلقت هذه القوات ذخائر أرضية غير دقيقة (وبالتالي عشوائية بطبيعتها)، شملت قذائف هاون، صواريخ “غراد”، وذخائر مرتجلة مدعومة بصواريخ، على مناطق مدنية مكتظة بالسكان.[39] إضافة إلى ذلك، ألقت الطائرات ذخائر متفجرة تمتد آثارها على مناطق واسعة في نفس الأماكن.[40] رغم أنه لا توجد تقديرات دقيقة للضحايا المدنيين، بما في ذلك أثناء المعارك الكبرى ضدّ داعش التي حصلت في مناطق حضرية في الفلوجة والموصل، إلا أنه يُتوقع أنها قتلت الآلاف.[41] بحسب ما اعترف به التحالف، فإن طائراته قتلت على وجه الخطأ 624 مدنيا على الأقل.[42] كما قال رئيس الوزراء في بيان آخر إن 970 إلى 1,260 مدنيا قتلوا أثناء معركة استرجاع الموصل، لكنه لم يقدّم أي تفاصيل عن كيفية الحصول على هذه الأرقام.[43]

هدم المنازل والتهجير القسري
منذ 2014، نفذت وحدات تابعة لإقليم كردستان العراق وقوات الحشد الشعبي العراقية هدما جماعيا لممتلكات مدنية في المناطق التي استُرجعت من داعش. على سبيل المثال، هاجمت وحدات تابعة للحشد الشعبي في أواخر أغسطس/آب ودمّرت عشرات القرى المجاورة لآمرلي بعد استعادة المدينة من داعش.[44] بعد استعادة السيطرة على تكريت في مارس/آذار 2015، أحرقت وحدات تابعة لقوات الحشد الشعبي وفجرت مئات المباني، وهدمت أجزاء كبيرة من قرى الدور والبوعجيل والعلم.[45]

كما وثقت هيومن رايتس ووتش ارتكاب قوات إقليم كردستان العراق لعمليات هدم غير قانونية لمنازل عربية وأحيانا قرى عربية بأكملها، فضلا عن ترحيل السكان في 21 قرية على الأقل في محافظتي كركوك ونينوى.[46] لم تسمح سلطات الإقليم للنازحين بالانتقال إلى داخل الإقليم والمناطق المتنازع عليها بحرية، وأجبرتهم على البقاء في مخيمات وفرضت قيودا مشددة على تنقلاتهم.[47] كما جنّدت بعض القوات المناوئة لداعش الأطفال واستخدمتهم في القتال؛ من هذه القوات وحدات شيعية وسنية تابعة للحشد الشعبي.[48]

العودة إلى الأعلى

II. محاكمة مقاتلي وأعضاء وتابعي داعش

بدأت القوات العراقية وقوات حكومة إقليم كردستان بمحاكمة آلاف المعتقلين، بينهم مئات الأطفال، بالتزامن مع

تعرب هيومن رايتس ووتش عن قلقها من أن القوات الحكومية احتجزت البعض دون وجود أدلة أو أسباب كافية، وفي بعض الحالات فقط بناء على كلام أفراد من المجتمع المحلي يقول إن الموقوفين ينتمون إلى داعش، دون تحريات إضافية، أو لأن الشخص الموقوف يتشابه اسمه مع اسم مُشتبه به.

عملية المحاكمة التي تديرها سلطات العراق وإقليم كردستان القضائية مهولة الحجم، كما تحتجز السلطات بعض المشتبه بانتمائهم إلى التنظيم في أماكن شديدة الازدحام، وفي بعض الحالات في ظروف لاإنسانية تؤدي إلى وفيات رهن الاحتجاز. في حين لا يوقف قانون مكافحة الإرهاب أي من جوانب قانون أصول المحاكمات الجزائية، فالسلطات التي تتولى هذه القضايا لا يمكنها أو هي غير مستعدة لاتباع القواعد الإجرائية، التي تتطلب ألا يُحتجز المشتبه به إلا بعد صدور أمر توقيف من المحكمة المختصة، وأن يُعرض على قاضٍ خلال 24 ساعة من توقيفه، وأن يحضر معه محامٍ على امتداد عملية التحقيق. هناك احتجازات تعسفية كثيرة لمشتبه بانتمائهم إلى داعش، ومزاعم كثيرة بالتعرض للتعذيب أثناء استجواب قوات الأمن، ويبدو أن عملية الاستجواب مصممة بالأساس لانتزاع اعترافات، دون بوادر على تدخل القضاة بعدم الأخذ بهذه الاعترافات.

بالرغم من ذلك، تمضي التحقيقات والمحاكمات قدما ضد آلاف المشتبه بانتمائهم إلى داعش، في إجراءات مستعجلة للغاية بما يحول دون ضمان سلامة الإجراءات. تستند الاتهامات بالأساس إلى الاعترافات التي تم انتزاعها بالإكراه، وإلى شهادات الشهود المكتوبة. كثيرا ما لا يُتاح للدفاع فرصة حقيقية للطعن بالأدلة. وتنتهي العديد من المحاكمات بحكم بالإعدام.

تتهم السلطات القضائية عناصر داعش المشتبه بهم بموجب تشريع مكافحة الإرهاب بالانتماء إلى أو تقديم الدعم لداعش، وتهم بالقتل وأعمال أخرى تنص عليها نصوص قانون مكافحة الإرهاب. بحسب قضاة ينظرون القضايا، فهم لا يتهمون المشتبه بهم في جرائم قد تُرتكب بموجب قوانين جنائية أخرى، مثل الاغتصاب أو الاختطاف. كما أن الجرائم الدولية الخطيرة مثل الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة الجماعية غير مُجرمة في القوانين العراقية.

بالطبع، من الأسهل الاعتماد على قوانين مكافحة الإرهاب فيما يخص الأدلة. لملاحقة المشتبه بهم، ليس على السلطات بموجب هذه القوانين سوى إثبات العضوية في تنظيم داعش، أو المشاركة في جهاز داعش الإداري أو القتال في صفوف التنظيم. لكن هذا النهج يقلل من فرص أن تؤدي العملية برمتها إلى سجل قضائي متكامل للجرائم المرتكبة، ومن فرص جمع الأدلة على هذه الجرائم من الشهود ومن الضحايا. يقلل الاعتماد الزائد على قوانين مكافحة الإرهاب أيضا من فرص تقديم الأولويات والمعاقبة على أكبر الجرائم التي ارتكبها داعش.

تطور النظام القضائي العراقي بصورة مختلفة في إقليم كردستان العراق عن سائر أنحاء البلاد. في الإقليم، أصدرت الحكومة الكردية قوانينها الخاصة وطبقتها منذ 1992، ولها الولاية على محافظات دهوك وأربيل والسليمانية. يضم نظام المحاكم في جميع أنحاء العراق محاكم جزائية متخصصة أو دوائر بمحاكم مختصة بقضايا مكافحة الإرهاب، بموجب قوانين مكافحة الإرهاب المستخدمة في الإقليم وفي سائر أنحاء العراق، بما يشمل محاكمة عناصر داعش المشتبه بهم. تتبع المحاكم والسلطات في السلطتين مجلس القضاء الأعلى ومجلس القضاء الكردي على التوالي، وهما الهيئتان اللتان تديران وتشرفان على شؤون القضاء. في النظامين قضاة مختصون بقضايا الأحداث الذين يواجهون اتهامات تتصل بمكافحة الإرهاب.

وفقا لقضاة ينظرون في هذه القضايا على الجانبين، فالنظامين يعملان بالتوازي، لكن التنسيق بينهما مقتصر على مثل هذه القضايا. وفقا لبعض كبار المسؤولين على الجانبين، لا توجد استراتيجية أو خطة وطنية لتنسيق مقاضٍاة عناصر داعش المشتبه بهم أو إيلاء أولوية للقضايا الخاصة بالجرائم الأكثر خطورة. نتيجة لهذا استندت محاكمات داعش إلى الآن إلى عضوية المشتبه بهم المحتملة في التنظيم، دون أي تمييز أو ترتيب أولويات بناء على جسامة الجرائم التي ربما ارتكبها المشتبه بهم المختلفون. يسمح قانون عفو صادر عن الحكومة العراقية للقضاة بمنح المشتبه بأنهم من داعش العفو، إذا أظهروا أنهم انضموا للتنظيم رغما عن إرادتهم، ولم ينفذوا أعمال عنف إجرامية أخرى. لا تُطبق حكومة إقليم كردستان قانونا للعفو، وقال ناطق باسم الحكومة الإقليمية إنه لا يجري حاليا النظر في قانون كهذا.[49]

رغم مطالبة مجتمعات الضحايا في العراق بالعدالة، فالمحاكمات الجارية لا تتيح للضحايا فرصا حقيقية بالمشاركة، بما يشمل حضور الجلسات والشهادة وتقديم أسئلة للمشتبه بهم. بحسب علم هيومن رايتس ووتش، لم تنفذ أية منظمات وطنية أو دولية أعمال مراقبة للمحاكمات.

التوقيفات والاعتقالات الموسعة

تمثل قوات داعش تهديدا أمنيا خطيرا على الدولة ومواطنيها، وتنفذ جملة من الهجمات والأعمال الإجرامية الأخرى في سائر أنحاء العراق، ويحق للسلطات ملاحقة التنظيم قضائيا لحماية أمن السكان وضمان العدالة للضحايا. كجزء من الحملة القائمة لهزيمة داعش، تفحص القوات الأمنية والعسكرية التابعة لحكومتيّ العراق والإقليم الأفراد الذين يغادرون معاقل داعش واحتجاز من يتم التعرف عليهم كمشتبه بانتمائهم إلى التنظيم. في حين أن بعض هؤلاء الأفراد مدنيون لا تربطهم صلات بداعش ويفرون من النزاع في معاقل التنظيم، فمن الممكن أن يكون بعضهم الآخر مقاتلين لداعش تمكنوا من العبور إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان ويتحملون مسؤولية انتهاكات وقعت. الحقيقة أن العديد من مقاتلي داعش تمكنوا من العبور إلى أراضٍ خاضعة لسيطرة الحكومة العراقية وحكومة الإقليم، ونفذوا مئات الهجمات القاتلة ضد قوات عسكرية ومدنيين. لكن تعرب هيومن رايتس ووتش عن قلقها إزاء عملية التعرف المبهمة على الأفراد بصفتهم ينتمون لداعش، والتي تستند إلى قوائم مطلوبين أو أقوال أفراد من المجتمعات المحلية، دون أدلة إضافية، وإمكانية أن تؤدي هذه العملية إلى معلومات خاطئة واحتجاز صبية ورجال لا علاقة حقيقية تربطهم بداعش، أو على الأكثر نفذوا رغما عنهم أنشطة مدنية داعمة للتنظيم.

تلقى باحثو هيومن رايتس ووتش ادعاءات كثيرة من أهالي مشتبه بانتمائهم إلى داعش تم توقيفهم، بأن الجيران وأفراد آخرون اقترحوا إضافة الأفراد إلى إحدى “قوائم المطلوبين” فقط بسبب خلافات قبلية أو عائلية أو خلافات على أراض أو خلافات شخصية.[50]

لفحص الأفراد المغادرين لمعاقل لداعش أو المتواجدين في مناطق تم استردادها من التنظيم، تدقق قوات الإقليم والقوات العراقية في أسمائهم وتقارنها بالأسماء على مختلف “قوائم المطلوبين” المشتبه بعضويتهم في داعش، والتي تم العمل على تحضيرها منذ 2014. اعتمدت السلطات على مصادر عدة لإعداد هذه القوائم، بما يشمل على سبيل المثال معلومات عامة حول أعضاء داعش، نشر التنظيم بعضها بنفسه. لكنها اعتمدت بالأساس على الأفراد الذين غادروا معاقل داعش في تزويدهم بأسماء المشتبه بانتمائهم إلى التنظيم في مجتمعاتهم.[51]

يحتجز الأفراد الذين يتبين بعد فحصهم وهم يغادرون معاقل للتنظيم أن أسمائهم على “قوائم المطلوبين”، فيما يحقق المسؤولون في مزاعم انتمائهم إلى داعش.

من نوفمبر/تشرين الثاني 2016 إلى يونيو/حزيران 2017، رصدت هيومن رايتس ووتش قيام القوات العراقية على الحواجز الأمنية بفحص بطاقات هوية الرجال والصبية بينما يغادرون أراض خاضعة لداعش وتحتجز من يظهر اسمه على قائمة من قوائم المطلوبين. بحسب عشرات النازحين، تفحص مختلف القوى الأمنية والعسكرية الأفراد بالاستعانة بقوائم مطلوبين مختلفة عند الحواجز الأمنية المختلفة ولدى مخيمات النازحين داخليا، قبل إخلاء طرفهم والسماح لهم بالاستقرار في المخيمات.

بحسب ناطق باسم حكومة إقليم كردستان، فمن أجل تقييم مصداقية أقوال “المخبرين”، تطالبهم قوات الأمن “بالقسم على القرآن بأنهم يقولون الحق”.[52] بعدها، تعرض قوات الأمن الأقوال على قاضٍ لاستصدار أمر توقيف لاحتجاز واستجواب الشخص المعني.

في 6 أغسطس/آب 2017، طلب وزير الداخلية من جميع أجهزة الأمن العراقية تقديم “قوائم المطلوبين” إلى “مديرية تحقيق الأدلة الجنائية” بالوزارة لعمل قاعدة بيانات مركزية.[53]

لاحقا رصدت هيومن رايتس ووتش احتجاز السلطات رجال عند حواجز أمنية أو من مخيمات النازحين بناء على أقوال سكان من المخيم أو أحياء هؤلاء الأفراد، كانوا يسافرون معهم وبلغوا بأنهم منتمين لداعش. حصل ذلك رغم عدم وجود أسمائهم على قوائم المطلوبين. في بعض الحالات، قال أشخاص نازحون تعرضوا للفحص إن السلطات جلبت “مخبرين مقنّعين” عند الحواجز الأمنية للتعرف على ما إذا كان الأفراد عناصر داعش مشتبه بهم، واحتجزوا من تعرفوا عليهم.[54]

سبق أن أثارت هيومن رايتس ووتش مخاوفها إزاء ما شهدت عليه من قيام جهات مختلفة بالمشاركة في عمليات فحص واحتجاز عناصر داعش المشتبه بهم، ومن هذه الأطراف الجيش، “المخابرات العسكرية”، “جهاز مكافحة الإرهاب”، “الأمن الوطني”، “إدارة أفواج الطوارئ”، “الشرطة الاتحادية”، “فرع المخابرات بوزارة الداخلية”، “قوات الحشد الشعبي”، “الأسايش” (قوات الأمن بإقليم كردستان العراق)، و”البشمركة” (القوات العسكرية لإقليم كردستان العراق).[55]

أوقفت قوات إقليم كردستان مئات العوائل الفارة من معاقل داعش، ومنها الحويجة (60 كيلومتر كم جنوب الموصل) وتلعفر (55 كم غرب الموصل) لأسابيع أو شهور متصلة عند حواجز الأمن، في بعض حالات كان الاعتقال على جبهات القتال، متذرعة باعتبارات أمنية تتمثل في وجود مقاتلين لداعش بين الأفراد أو أشخاص تربطهم صلات بالتنظيم، وفي حالات عديدة منعت عنهم المساعدات الإنسانية.[56]

بموجب أصول المحاكمات الجزائية العراقية، التي لا زالت سارية بالكامل لأن الحكومة لم تفرض حالة الطوارئ، يحق للشرطة احتجاز المشتبه بهم فقط بعد صدور أمر توقيف من المحكمة، ولابد من مثول المشتبه به أمام قاضٍ خلال 24 ساعة ليقرر استمرار احتجازه.[57] عمليا، طلبت الحكومة من القوات العراقية التي تحتجز المشتبه بأنهم من داعش أثناء النزاع أن تسلمهم إلى فرع مخابرات وزارة الداخلية. مما رصدته هيومن رايتس ووتش، كثيرا ما احتجزت قوات الأمن الأفراد دون أوامر توقيف صادرة عن المحاكم، دون أن تسلمهم بالضرورة للسلطات المختصة أو تضعهم في منشآت احتجاز رسمية، مع عدم إحالة المحتجزين إلى قضاة خلال 24 ساعة. أثناء رحلة إلى نينوى في يوليو/تموز 2017، وثقت هيومن رايتس ووتش أيضا استمرار الاحتجاز لفترات لا تقل عن 4 أشهر للعشرات على الأقل من المشتبه بانتمائهم إلى داعش دون أوامر توقيف ودون إبلاغ أهاليهم.

أصدرت السلطات العراقية قرارين يذكّران القوات الأمنية بالحاجة إلى استصدار أوامر قبل التوقيف، في إقرار واضح بهذا الأمر. في 13 يوليو/تموز أصدرت وزارة الداخلية قرارا يذكر قواتها بألا تحتجز الأفراد إلا بموجب أصول المحاكمات الجزائية التي تطالب بوجود أمر توقيف.[58] في 6 أغسطس/آب، صدّق رئيس الوزراء العبادي على القرار، ذاكرا أن على مسؤولي المخابرات عدم الأخذ بأوامر الاحتجاز أو التوقيف التي لا تلتزم بمعايير قانون أصول المحاكمات الجزائية.[59]

بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية، الذي عدلته حكومة إقليم كردستان في 2010، فإن على سلطات الإقليم بدورها أن تحيل المحتجزين إلى قاضٍ خلال 24 ساعة من التوقيف، وبعدها يمكن للقاضٍي إصدار أوامر بتمديد الاحتجاز لفترات تصل لغاية 6 أشهر.[60] يمكن لقوات الأسايش احتجاز واستجواب الأفراد أثناء تحضير القضية لعرضها على قاضي التحقيق. بعد 6 أشهر، لابد من تحويل القضية إلى المحاكمة.[61] لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تحديد مدى التزام سلطات الإقليم بهذه الإجراءات، بسبب عدم القدرة على مقابلة المحتجزين. لكن ناطق باسم حكومة الإقليم أقر بأن هناك تأخيرات في الإجراءات القانونية في “قضايا قليلة” بسبب كثرة أعداد النازحين المتوافدين إلى إقليم كردستان العراق.[62]

قال 5 من كبار القضاة وناطق باسم الإقليم لـ هيومن رايتس ووتش، إنه رغم عدم وجود نصوص بذلك في القوانين المحلية، فالسلطات مُلزمة أيضا بإخبار الأهالي عند احتجاز قريب لهم والسماح للمحتجزين بالتواصل معهم، بموجب التزامات العراق بالقانون الدولي لحقوق الإنسان.[63] لكن قالت 100 عائلة على الأقل لمشتبه بهم محتجزين على ذمة الانتماء لداعش لـ هيومن رايتس ووتش، إن السلطات العراقية أو سلطات الإقليم لم تبلغهم أبدا بأماكن احتجاز المشتبه بهم.[64] كما قال محامٍ يتعامل مع عشرات قضايا الأحداث المحتجزين إن في كل قضية وصلته من نينوى، لم يكن الأهالي يعرفون أماكن أبنائهم. قال إن جميع السلطات ملزمة أيضا بتسجيل المحتجزين في قاعدة بيانات مركزية، لكن في حالات عدة وجد المحامي محتجزين لم تُسجل أسماؤهم في قاعدة البيانات، ما صعّب أكثر على الأهالي العثور عليهم.[65]

بينما يمثل النزاع المسلح الدائر – وأعداد المحتجزين الكبيرة – تحديا كبيرا للوفاء بحقوق المحتجزين، فعلى السلطات أن تبذل كل ما بوسعها لضمان قيام قوات ملتزمة بالقانون بتنفيذ عمليات الاحتجاز، بما يتسق مع قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي والتزامات العراق بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وأن يُبلغ أهالي المحتجزين باحتجازهم، عن طريق الشرطة المحلية وإدارات المخيمات ووسطاء آخرين إذا لزم الأمر.

محاكمات تشوبها عيوب في المحاكم العراقية

بحسب قضاة نظروا في هذه القضايا، تعتمد السلطات العراقية على مادة واحدة من قانون مكافحة الإرهاب (رقم 13/2005) لمقاضاة جميع المشتبه بانتمائهم إلى داعش، دون نسب اتهامات منفصلة بشأن أية جرائم بموجب قانون العقوبات. يقوم الادعاء بنسب تهمة الانتماء إلى داعش، حتى في حالة الذين لم يرتكبوا جرائم أخرى، دون وجود استراتيجية واضحة لتحديد الأولوية في نظر القضايا.

محاكمات تشوبها عيوب: غياب استراتيجية أو أولويات في محاكمات داعش

كما ذكر سابقا، فإن قوات داعش مسؤولة عن جملة عريضة من الجرائم في العراق، ومنها جرائم مثل القتل، التعذيب، الاختطاف والاغتصاب، فضلا عن جرائم خطيرة بموجب القانون الدولي، وتشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. لكن المحاكم العراقية تُحاكم عناصر داعش المشتبه بهم فقط على جرائم نص عليها قانون مكافحة الإرهاب، دون وجود ملاحقات قضائية على جرائم أخرى نص عليها قانون العقوبات العراقي، مثل الاسترقاق أو التعذيب أو الاغتصاب. كما لا يمكن للسلطات القضائية العراقية النظر في جرائم دولية مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية نظرا لعدم نصّ القوانين الوطنية عليها. حسبما تبين لباحثي هيومن رايتس ووتش من رصدهم للمحاكمات، يبدو أن المحاكم العراقية تُحاكم مجموعة عشوائية من عناصر داعش المشتبه بهم، بتهمة الانتماء إلى التنظيم، دون إعطاء الأولوية لمحاكمة المسؤولين عن الجرائم الأكثر خطورة. يبدو أن السلطات تستهدف بالمقاضاة حتى من كان دورهم الوحيد هو إدارة خدمات أساسية مثل الكهرباء أو تقديم الرعاية الطبية للمرضى تحت حكم داعش.

حاليا، تنعقد أغلب القضايا ضد عناصر داعش المشتبه بهم بالمحاكم الخاضعة لسلطة حكومة بغداد في محافظة نينوى، حيث تقع مدينة الموصل. هناك أعداد كبيرة من عناصر داعش المشتبه بهم تم القبض عليهم أثناء أعمال القتال وتم احتجازهم هناك. تقع محكمة مكافحة الإرهاب بنينوى حاليا في بلدة تل كيف على بعد 10 كيلومتر شمال الموصل، وقد كان مركزها في الموصل حتى 2014. في 6 يوليو/تموز، زار فريق من هيومن رايتس ووتش محكمة مكافحة الإرهاب في نينوى، وحينها كانت المحكمة منعقدة ببيت مهجور في بلدة الحمدانية، وحضر الفريق محاكمتين. هناك محاكم لمكافحة الإرهاب في محافظات أخرى، وتنعقد دائرة مكافحة الإرهاب في بغداد ضمن أعمال “المحكمة الجنائية المركزية”.

لحين كتابة هذا التقرير، كان بالمحكمة 11 قاضيا دائمين، لديهم جميعا خبرات سابقة في النظر بقضايا مكافحة الإرهاب، وكانوا ينظرون في قضايا ضد مشتبه بانتمائهم إلى التنظيم، ضمن ولاية نينوى القضائية.[66] طبقا للإجراءات الرسمية، فعندما توقف قوات الأمن عناصر داعش المشتبه بهم تسلمهم لقوات الاستخبارات بوزارة الداخلية، التي تحتجزهم وتستجوبهم، وتعد ملفات قضاياهم، ثم تحيلهم إلى أحد القضاة الـ 11 لعقد جلسات تحقيق. للمشتبه بهم جميعا الحق في حضور محامٍ خاص أو محامٍ تعينه الدولة أثناء الجلسات. إذا رأى القضاة أن هناك أدلة كافية، يُحال المشتبه به للمحاكمة. قالت سلطات قضائية لباحثي هيومن رايتس ووتش إنهم لا يراعون دائما استخدام أوامر توقيف صادرة عن محاكم، رغم المطلب القانوني بوجود أمر توقيف.

في الفترة بين فبراير/شباط وسبتمبر/أيلول 2017، نفذت المحكمة جلسات التحقيق الفردية لجميع عناصر داعش المشتبه بهم الـ 5,500 بمحافظة نينوى وأحالتهم لجلسات النطق بالحكم، بحسب قول قاضٍ رفيع المستوى لـ هيومن رايتس ووتش.[67] قال لـ هيومن رايتس ووتش في 27 سبتمبر/أيلول إنهم قد نفذوا بالفعل 200 عقوبة إعدام. لم يتمكن القاضٍي من ذكر أعداد عناصر داعش المشتبه بهم المفرج عنهم دون اتهام، لكن قال إن المحكمة ردّت أقل من 5% من القضايا التي نظرت فيها. أغلب القضايا التي ردت تخص أفرادا احتُجزوا لتشابه الأسماء مع أشخاص على قوائم “المطلوبين” من داعش، على حد قوله. قال إن بسبب مصادر المحكمة المحدودة، فعلى مدار الشهور القليلة الأولى من العملية العراقية العسكرية لاسترداد الموصل، قام القضاة بمحكمة نينوى بإحالة محتجزين بعد جلسات التحقيق الأولى إلى بغداد لمحاكمتهم، لكن منذ فبراير/شباط 2017 زاد عدد المحققين والقضاة في نينوى، ما أدى إلى وقف الإحالات لبغداد وأصبحت هيئة محكمة نينوى تُصدر أحكامها على عناصر داعش المشتبه بهم بنفسها.[68]

وقعت المحاكمة الأشهر لعناصر داعش المشتبه بهم في يوليو/تموز 2015، حيث حوكم 40 رجلا اتهموا بالانتماء إلى داعش وبالمشاركة في مذبحة بحق مئات الطلاب العسكريين الشيعة في كامب سبايكر في تكريت، في يونيو/حزيران 2014، بموجب المادة 4 من قانون مكافحة الإرهاب.[69] انتهت المحاكمة في فبراير/شباط 2016 بإصدار أحكام إعدام ضد 36 رجلا، لكنها كانت لا ترتقي لمعايير المحاكمة العادلة.[70] مع ذلك، صدقت “محكمة التمييز الاتحادية” على أحكام الإعدام في 7 أغسطس/آب 2016 ونفذ المسؤولون الإعدامات في 21 أغسطس/آب 2016.[71] في 8 أغسطس/آب 2017 في مجموعة محاكمات ثانية، حكمت “المحكمة الجنائية المركزية” بالإعدام على 27 رجلا بموجب قانون مكافحة الإرهاب لتورطهم في المذبحة.[72]

بحسب وزير العدل العراقي حيدر الزاملي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، و3 من قضاة مكافحة الإرهاب رفيعي المستوى، تنسب السلطات الاتهامات إلى عناصر داعش المشتبه بهم فقط بموجب قانون مكافحة الإرهاب العراقي (رقم 13/2005). يغطي القانون جملة عريضة من الجرائم ومنها العضوية في تنظيم إرهابي أو دعمه، وجرائم مثل النهب أو استخدام المتفجرات والتعذيب والتشويه والاختطاف والاحتجاز غير القانوني والقتل أثناء العمل في تنظيم إرهابي.[73] لا يضم القانون جرائم الاغتصاب والاسترقاق الجنسي وغيرها من الجرائم الخطيرة مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. تنص المادة 4 من القانون على عقوبة الإعدام لكل من ارتكب عملا إرهابيا أو حرض عليه أو خطط له أو موله أو ساعد فيه. المادة نفسها تنص على السجن المؤبد لكل من غطى على هذه الأعمال أو تستر على من شاركوا فيها.[74] قال رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إنه بينما ينص القانون على عقوبتين فحسب، السجن المؤبد والإعدام، يمكن للقضاة بسلطتهم التقديرية إنزال أحكام أخف. لم يحدد ما هو أخف حُكم ممكن.[75]

في حين قال قضاة مختصون بمكافحة الإرهاب إنه يمكن محاكمة الأفراد بصفة منفصلة على جرائم أخرى، فلا تعرف هيومن رايتس ووتش بأي قضية لمشتبه في أنه عنصر من داعش حوكم على أية جرائم بموجب قانون العقوبات، حتى في القضايا التي اعترف فيها المشتبه بهم لقاضي التحقيق بارتكاب جرائم مثل الاغتصاب.[76]

كما يبدو أن المحاكم العراقية تحاكم مجموعة متباينة من عناصر داعش المشتبه بهم، دون منح الأولوية لقضايا من يتحملون مسؤولية أكثر الجرائم جسامة، إضافة إلى محاكمة من كان دورهم الوحيد ربما هو تقديم خدمات أساسية مثل الرعاية الصحية أو إدارة المرافق تحت حُكم التنظيم. وفقا لرئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان و3 من قضاة مكافحة الإرهاب رفيعي المستوى، فالمحاكم العراقية تتهم حاليا عناصر داعش المشتبه بهم الذين دعموا التنظيم رغما عنهم، أو الذين عاونوا التنظيم بصفتهم مدنيين أو في خدمات مدنية.[77] على سبيل المثال، قال قاضٍ رفيع المستوى بمكافحة الإرهاب في سبتمبر/أيلول إنه نسب اتهامات إلى رجل كان يطهو الطعام لمقاتلي داعش، وأوصى بإنزال عقوبة الإعدام به. قال إن المحكمة تنظر في أمر اتهام جرّاح تجميل كان يعمل في مستشفى يديرها داعش.[78] يحظر القانون الدولي الإنساني مقاضاة العاملين بالمجال الطبي جراء قيامهم بواجبات طبية متفقة مع أخلاقيات المهن الطبية.

عندما ذكرت هيومن رايتس ووتش بواعث قلقها من أن المحاكمات لا تشمل نسب اتهامات إلى المشتبه بهم على جرائم مذكورة في قانون العقوبات، قالت السلطات القضائية إن لا حاجة لفرض اتهامات إضافية لأن قانون مكافحة الإرهاب يسمح بأقصى العقوبات الجنائية.[79] قال قاضٍ بمجال مكافحة الإرهاب: “الإبادة الجماعية والإرهاب جريمة واحدة، لماذا إذا نحتاج إلى تهمة منفصلة للإبادة؟”[80]

كما أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية ليست منصوص عليها كجرائم في القوانين العراقية أو قوانين حكومة إقليم كردستان، من ثم لا يسمح النظام بملاحقة مرتكبي هذه الجرائم. في حين قال بعض المسؤولين إن هناك جهودا تُبذل لضم هذه الجرائم إلى القوانين، فحتى وقت كتابة التقرير لم يكن قد طُرح بعد على البرلمان مشروع قانون بهذا الشأن.

محاكمة عناصر داعش المشتبه بهم بموجب قوانين مكافحة الإرهاب أسرع من المحاكمات بالمحاكم الجنائية العادية بموجب الاتهامات التي ينص عليها القانون الجنائي. لكن قانون مكافحة الإرهاب يسمح للسلطات باستخدام محاكم مكافحة الإرهاب المتخصصة التي تقوض سلامة الإجراءات. يمكن للقضاة إدانة عناصر داعش المشتبه بهم سريعا لمجرد إثبات انتمائهم إلى التنظيم، دون الحاجة إلى جمع أدلة إضافية عن جميع الجرائم المرتكبة. كما قال 3 قضاة بمجال مكافحة الإرهاب لـ هيومن رايتس ووتش إن القضايا تستند بقوة إلى الاعترافات وشهادات الشهود المدونة حول انتماء عناصر داعش المشتبه بهم، التي يجمعها ضباط المخابرات. من ثم، فليس أمام قضاة التحقيق فرصة لاستجواب الشهود. استدعت المحكمة في مجموعة صغيرة من القضايا فقط شهودا للشهادة في قضايا تتصل بداعش.

هذا النهج غير كافٍ لتقديم رواية حقيقية وكاملة عن الجرائم التي ارتكبها داعش، وهو الأمر الذي يستحقه العراقيون، ولا يقوم على النزاهة والعدل، إذ يساوي بين أعمال أفراد تختلف أدوارهم في تنظيم داعش بشكل كبير. لا يستند النهج المعمول به حاليا إلى التوثيق القضائي للجرائم أو إنصاف ضحايا هذه الجرائم، حيث أنه لا يقوم على التحقيق والتوثيق والملاحقة على الجرائم الخطيرة التي ارتكبها عناصر داعش المشتبه بهم بموجب القانون الجنائي. نستعرض أدناه غياب الضحايا عن هذه المحاكمات. كما لا يسمح هذا الأسلوب للقضاء بمنح الأولوية للمحاكمات الخاصة بمن يتحملون مسؤولية أخطر الجرائم التي ارتكبها داعش.

إضافة إلى ذلك، فمحاكمة عناصر داعش المشتبه بهم الذين كان دورهم الوحيد هو تقديم الدعم المدني لإدارة التنظيم هي مسألة إشكالية وفضفاضة للغاية. أثناء سيطرة التنظيم على أكبر رقعة من الأراضي، كان التنظيم يتصرف كدولة لها ملايين السكان، ويوظف الآلاف من المعلمين والأطباء ومفتشي الضرائب ومختلف الموظفين المدنيين بتخصصات أخرى.[81] بموجب قانون مكافحة الإرهاب العراقي، فهؤلاء الموظفون المدنيون المنتمون إلى داعش يخضعون للمحاكمة جراء دورهم في مساعدة أو دعم التنظيم الإرهابي. في حين أنه لا شك بأن المشاركة الطوعية في الإدارة المدنية الخاصة بداعش قد مكنت التنظيم من فرض سيطرته على الأرض، يبدو أنه لا توجد مكتسبات تُذكر من محاكمة مجموعة عريضة ومتنوعة من الناس إذا لم يفعلوا أكثر من الانتساب إلى التنظيم أو دعمه ولم يرتكبوا جرائم خطيرة أو يتواطؤوا فيها.

على السلطات إيلاء الأولوية لمحاكمة عناصر داعش المشتبه بهم المسؤولين عن أخطر الجرائم، وأن تنسب إليهم اتهامات على جرائم بعينها، وأن تنظر في أمر إسقاط المحاكمات للمشتبه فقط بعضويتهم في داعش دون أدلة على ارتكابهم جرائم خطيرة أخرى، لا سيما في حالة الأطفال. يجب توفر بدائل للمحاكمات الجنائية، وتشمل آليات لكشف الحقيقة. يجب على الأقل إسقاط الاتهامات عمن كانت أعمالهم في داعش تساهم في حماية حقوق الإنسان الخاصة بالمدنيين أو تحمي سلامة السكان بشكل آخر.

إذا صممت السلطات على محاكمة أكبر نطاق ممكن من المشتبه بهم، بما يشمل المحاكمة لمجرد العضوية في تنظيم داعش دون ارتكاب جرائم أخرى، فعليها أن تسرع عجلة المحاكمة لمن تُنسب إليهم اتهامات صغيرة وأن تفرج سريعا عمن يستحقون الإفراج بموجب قانون العفو (انظر أدناه). اتخاذ نهج كهذا كفيل بالمساعدة في التصدي لمشكلة ازدحام مراكز الاحتجاز. على السلطات النظر في أمر منح العفو لجميع المشتبه بهم المتورطين فقط بالعضوية في داعش دون ارتكاب أي جرائم خطيرة أخرى، وإلغاء وجوب إثبات المدعى عليه أنه انضم إلى التنظيم ضد إرادته.

ليس على السلطات العراقية إلا أن تنظر إلى تاريخها الحديث لتجد دعما لهذه السياسة المقترحة. بعد غزو الولايات المتحدة للعراق في 2003، نظمت سلطة التحالف المؤقتة بقيادة أمريكية حملة للتخلص من البعثية عن طريق طرد الآلاف من أعضاء حزب البعث من الجهاز الحكومي والقوات العسكرية.[82] أدت هذه العملية إلى فصل آلاف الأفراد من عملهم جراء عضويتهم في حزب البعث، وليس بناء على أعمال إجرامية بعينها ارتكبوها. أعمال الفصل هذه، المقترنة بالافتقار إلى سلامة الإجراءات، قوضت الحكومة العراقية، وأججت نيران الإحساس بالظلم في أوساط الأفراد المفصولين وعائلاتهم وأصدقائهم ومجتمعاتهم. أصبحت هذه العملية عاملا مهما أسهم في تفشي النزاع الاجتماعي والسياسي في العراق.[83] لم تكن تلك حملة ملاحقات جنائية، لكنها أدت إلى تهميش قطاع من السكان وزرعت بذور مظالم جديدة.

أخيرا، فالاعتماد على قانون مكافحة الإرهاب يثير مخاطر أن تحرم العملية القضائية الموجزة عناصر داعش المشتبه بهم من سلامة الإجراءات التي يستحقونها بموجب القوانين العراقية والدولية.

النصوص القانونية الخاصة بالعفو

يمكن أن يفرج عن عناصر داعش المشتبه بهم المحتجزين بموجب قانون العفو العام الصادر في أغسطس/آب 2016 (رقم 27/2016).[84] تنص المادة 4 (2) على العفو عن أي شخص يُظهر انضمامه إلى داعش أو أية جماعة متطرفة أخرى ضد إرادته، وأنه لم يرتكب جرائم إرهابية أسفرت عن قتل أو تشويه أو هجمات على مؤسسات الدولة أو قوات الأمن العراقية قبل أغسطس/آب 2016. المادة 4 تنص أيضا على أن المدانين بجرائم أخرى، ومنها الاختطاف والاغتصاب والإتجار بالأشخاص، لا يمكنهم الاستفادة من القانون.

قال رئيس اللجنة القانونية بالبرلمان العراقي، محسن الكركري لـ هيومن رايتس ووتش إن القانون يهدف إلى تناول الاتهامات ضد مجموعات المحتجزين المختلفة، بمن فيهم من يواجهون باقة عريضة من الاتهامات بموجب قانون مكافحة الإرهاب، والإفراج عن آلاف المشتبه بهم المحتجزين في جرائم أصغر.[85] قال رئيس مجلس القضاء فائق زيدان وعضو باللجنة القانونية بالبرلمان زانا روستايي، إن القضاة يمكنهم تقييم ما إذا كان المدعى عليهم يستوفون معايير القانون وإن كان يجب إخلاء سبيلهم.[86] قالا إن الحكومة والبرلمان يناقشان التعديلات، بما يشمل تمديد الفترة التي يغطيها قانون العفو إلى يونيو/حزيران 2017.[87] قال مكتب رئيس مجلس القضاء الأعلى لـ هيومن رايتس ووتش إن بين أغسطس/آب 2016 وأكتوبر/تشرين الأول 2017، أفرجت السلطات عن 9,958 محتجزا بموجب قانون العفو، لكن لم يحدد أعداد من يواجهون اتهامات بموجب قانون مكافحة الإرهاب.

يُلزم القانون جميع قضاة التحقيق والمحاكمة والاستئناف بالنظر في أمر تطبيق قانون العفو على كل من المدعى عليهم، سواء قبل الإدانة أو بعدها.[88] إذا اختار القضاة عدم تطبيق قانون العفو على مدعى عليه، فيمكنه طلب نقل قضيته إلى لجنة العفو بمجلس القضاء الأعلى، إما لطلب تطبيق العفو، أو لطلب إعادة المحاكمة. يراجع القضايا عدة قضاة في اللجنة ويتخذون قرارات بشأنها، دون السماح للمدعى عليه بالمشاركة في المراجعة بأي شكل، بما يشمل عن طريق محاولة إظهار انضمامه للتنظيم رغم إرادته، وأنه لم ينفذ أية جريمة ينص قانون العفو على استثنائها من انطباق العفو.

هناك خطر بأن يتم الإفراج عن عناصر من داعش ارتكبوا أعمال اغتصاب أو إتجار بالبشر أو اختطاف بموجب قانون العفو، لأنه لا يوجد حاليا قضاة ينسبون اتهامات للمتهمين بجرائم بخلاف المنصوص على استثنائها من العفو في المادة 4، بموجب قانون مكافحة الإرهاب.[89] إذا اتهم قاضٍ شخصا بموجب قانون مكافحة الإرهاب ولم يدوّن في ملف القضية أية ادعاءات بقيامه بالاغتصاب أو الإتجار بالبشر أو جرائم أخرى مستثناة من مظلة العفو التي يقدمها قانون العفو، فمن الممكن أن يُفرج مثلا عن مدعى عليه قام بالاغتصاب بعد أن يذكر أنه انضم إلى التنظيم رغم إرادته وأنه لم يقتل، أو يشوه، أو يهاجم مؤسسات الدولة أو قوات الأمن.

ليس من الواضح مدى التزام قضاة مكافحة الإرهاب العراقيين بأحكام قانون العفو. هناك قاضٍ في نينوى قال إن رأيه أن من دعموا داعش حتى بأبسط الأعمال، مثل الطهي، كانوا مذنبين بنفس قدر المقاتلين، وأنه لا يهمه ادعاءات المدعى عليهم بالانضمام للتنظيم رغم إرادتهم.[90] أخبر هيومن رايتس ووتش بأنه رفض تطبيق قانون العفو لأنه يرى أن أي أحد قدم أي دعم لداعش لا يستحق العفو. وقال إن سبب لتقدم داعش وانتصاراتها، برأيه، كان إخلاء سبيل السجناء الذين سبق اتهامهم بموجب قوانين مكافحة الإرهاب في مطلع الألفية. قال: “لو كنا قتلنا جميع هؤلاء السجناء الذين احتجزهم الأمريكان في كامب بوكا، ما كنا لنرى هذه المشكلة قط”.[91]

على السلطات إعطاء الأولوية لمقاضاة عناصر داعش المشتبه بهم المسؤولين عن أخطر الجرائم، وأن تبحث في توفير بدائل للموقوفين لمجرد العضوية في التنظيم دون أدلة على ارتكاب أية جرائم خطيرة أخرى. على السلطات على الأقل إسقاط الاتهامات عمن عملوا تحت سلطة داعش للإسهام في حماية حقوق الإنسان الخاصة بالمدنيين.

هناك جملة من البدائل للمقاضاة في مثل هذه الحالات، ومنها آليات كشف الحقيقة. أطلقت السلطات العراقية مشروعا بدعم من “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” لإنشاء “لجان سلام” محلية ومشروع منفصل لإعداد أرشيف مواطنين، ويمثل المشروعان محفلا للمجتمعات لجمع ومناقشة المعلومات عن الفظائع والانتهاكات المرتكبة ضد المدنيين أثناء النزاع.[92] لكن على حد علم هيومن رايتس ووتش، فمبادرات كشف الحقيقة هذه لا تربطها صلات واضحة بالملاحقات القضائية الجارية، ولا يُتاح للجان السلام الوصول لعناصر داعش المشتبه بهم بما يسمح للمشتبه بهم غير الضالعين في الجرائم الجسيمة استخدام الآلية لتأمين إخلاء سبيلهم عقب مشاركتهم في آليات كشف الحقيقة.

لجان الحقيقة جزء لا يتجزأ من العدالة الانتقالية الوطنية وعملية المصالحة، وهي مفيدة بصفة خاصة عندما لا تتمكن آليات العدالة من ملاحقة جميع الجناة أو إعداد سجل قضائي موثوق بالجرائم المرتكبة جميعا، كما هي الحالة في العراق، حيث يحتمل الحُكم على عشرات الآلاف من عناصر داعش المشتبه بهم بموجب قانون مكافحة الإرهاب.[93] تعد هذه اللجان أيضا مفيدة في تعزيز المصالحة.[94] إضافة إلى تهيئة سجل تاريخي، فلجان الحقيقة يمكنها إجراء التحقيقات وتحصيل الشهادات من الشهود والضحايا والجناة، وأن توصي بآليات لتعويض الضحايا وإصلاحات لمنع تكرر الانتهاكات.

على السلطات تطوير آليات كشف الحقيقة تكون لها ولاية وسلطات واسعة، تشمل الحق في الاستدعاء للشهادة، بحيث تتصدى للانتهاكات المرتكبة من جميع أطراف النزاع. يمكن لهذه اللجان استكمال جهود القضاء وآليات التعويض. كما أن إنشاء لجان الحقيقة لن يحل السلطات العراقية من واجبها بموجب القانون الدولي أن تلاحق المسؤولين عن أخطر الجرائم. لكن يمكن للجان الحقيقة على سبيل المثال تحصيل الشهادات من عناصر داعش المشتبه بهم الأقل خطورة من الضالعين في جرائم صغيرة، كآلية بديلة للمقاضٍاة.

المحاكمات المنقوصة في محاكم إقليم كردستان

كما هو الحال في محاكم الحكومة العراقية، فإن حكومة إقليم كردستان تعتمد حصرا على قانون مكافحة الإرهاب الخاص بالإقليم في ملاحقة عناصر داعش المشتبه بهم جميعا، دون نسب اتهامات محددة على جرائم بعينها انطلاقا من نصوص قانون العقوبات المطبق. تتهم السلطات الأفراد بالعضوية في داعش، ومنهم من يُزعم أنهم لم يرتكبوا جرائم أخرى بخلاف الانضمام للتنظيم. تنفذ الملاحقات القضائية دون استراتيجية ظاهرة لتصنيف أولويات القضايا. في الوقت نفسه، لا يوجد في إقليم كردستان قانون للعفو لإخلاء سبيل عناصر داعش المشتبه بهم الذين يزعمون انضمامهم إلى التنظيم بالقوة مع عدم تبين ارتكابهم جرائم أخرى.

ملاحقات قضائية منقوصة: غياب الاستراتيجية أو الأولويات في محاكمات داعش

أصدرت حكومة إقليم كردستان قانون مكافحة الإرهاب في إقليم كردستان-العراق (رقم 3/2006) حتى يكون لحكومة الإقليم تشريعا خاصا بها لمكافحة الإرهاب، وقد سرى في البداية لمدة عامين.[95] ينص قانون مكافحة الإرهاب بالإقليم على عقوبة الإعدام لكل من ارتكب عملا إرهابيا أو انضم إلى أو أسس أو نسق أو تعاون مع، تنظيم إرهابي، أو حرض على أو خطط أو مول أو عاون في عمل إرهابي. ينص القانون على السجن المؤبد في جملة من الأعمال، منها تدمير البنايات والاختطاف وتمويل الهجمات الإرهابية. كما ينص على عقوبة بالحبس لا تتجاوز 15 عاما لمن نشر مواد دعاية إرهابية أو لم يخبر السلطات بعمل إرهابي.

انتهى سريان قانون مكافحة الإرهاب بالإقليم في 2016 بعد تمديدات عديدة، بسبب تعليق البرلمان الذي لم يتمكن من تجديده. في أواسط سبتمبر/أيلول 2017، عاود البرلمان الانعقاد، لكن حتى كتابة هذا التقرير لم يكن قد جدد سريان القانون. رغم انتهاء نفاذ القانون، تستمر حكومة الإقليم في احتجاز واتهام الآلاف من عناصر داعش المشتبه بهم بالانتماء للتنظيم بموجب هذا القانون. برر قاضيان معنيان بمكافحة الإرهاب في أربيل هذا الأمر بالقول بأن جميع المشتبه بهم اتهموا بارتكاب جريمة الانتماء لتنظيم إرهابي قبل انتهاء سريان القانون.[96] بالنسبة للقضايا الأحدث، قالا إن هناك جملة من الاتهامات الجنائية الأخرى التي يمكن استخدامها في احتجاز المشتبه بهم، بما يشمل القانون الخاص بحيازة واستخدام المتفجرات (رقم 8/1992)، الذي يسمح بفرض عقوبة الإعدام على البالغين.[97]

بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي، على السلطات محاكمة المشتبه بهم على الجرائم المرتكبة في النطاق الجغرافي الذي ارتكبوا فيه الجريمة.[98] على سبيل المثال، عناصر داعش المشتبه بهم الذين يشتبه بارتكابهم جرائم في الموصل يجب أن يحاكموا في محاكم عراقية تابعة لمحافظة نينوى. بموجب القانون العراقي، على قوات حكومة إقليم كردستان إذا نقل عناصر داعش المشتبه بهم المتهمين بالانتماء إلى داعش إلى محافظات خارج الإقليم، لسلطات حكومة العراق، وهو أمر قال رئيس مجلس القضاء الأعلى و3 قضاة عراقيون إنه قد طُلب من السلطات الكردية.

ردا على الطلب، قال قضاة معنيون بمكافحة الإرهاب في إقليم كردستان وناطق باسم حكومة الإقليم، إنه بسبب أن الإرهاب جريمة تُرتكب بحق جميع المواطنين العراقيين، فإن محاكم الإقليم لها السلطة القضائية للنظر في جرائم الإرهاب الخاصة بعناصر داعش المشتبه بهم حتى لو لم تقع الجرائم في أراضي الإقليم.[99] لكن قالوا إنه إذا اتهم الادعاء عناصر داعش المشتبه بهم بأكثر من مجرد دعم التنظيم الإرهابي أو بارتكاب أعمال إرهابية، منها مثلا القتل أو الاغتصاب أو جرائم أخرى، فالمحاكم العراقية صاحبة السلطة القضائية حيث وقعت الجريمة، هي المسؤولة عن نسب الاتهام إلى هؤلاء. ذكر القضاة إنه ما إن يقضي عناصر داعش المشتبه بهم أحكامهم المتصلة بالإرهاب في إقليم كردستان، يمكن لحكومة الإقليم تسليمهم إلى السلطات العراقية المختصة لمواجهة الاتهامات الإضافية على الجرائم المرتكبة في الأراضي الخاضعة لولاية الحكومة العراقية.[100] وأكدوا التعليقات التي أدلى بها القاضي فائق زيدان وقاضٍ في نينوى، اللذان ذكرا أن حكومة الإقليم لا تنقل أغلب عناصر داعش المشتبه بهم المعتقلين إلى السلطات العراقية. كما قال قضاة حكومة الإقليم في أريبل إن على حد علمهم، يفضل عناصر داعش المشتبه بهم البقاء في إقليم كردستان العراق بسبب ظروف الاحتجاز الأفضل، ولأن أحكام السجن قد تكون لفترات قصيرة تصل إلى 3 سنوات.

قال محامٍ موكل بعشرات القضايا الخاصة بأحداث متهمين بموجب قانون مكافحة الإرهاب لـ هيومن رايتس ووتش، إن في حالة استثنائية نادرة نقلت سلطات إقليم كردستان 12 طفلا إلى السلطات الحكومية العراقية أواسط 2017. منذ ذلك الحين لم تسجل السلطات العراقية الأطفال وقد “اختفوا”، حسبما قال المحامي.[101]

قال ناطق باسم حكومة إقليم كردستان في أكتوبر/تشرين الأول 2016، ردا على طلب من “منظمة العفو الدولية” بالحصول على معلومات، إنه منذ 2014 احتجزت قوات الأسايش ووحدة مكافحة الإرهاب أكثر من 9 آلاف شخص بتهم مكافحة الإرهاب.[102] بحسب ناطق باسم حكومة الإقليم أمد هيومن رايتس ووتش بمجموعة من الإحصاءات حتى أغسطس/آب 2017، فسلطات القضاء في أربيل ودهوك والسليمانية وكركوك وكرميان تُحقق مع 672 مشتبه بهم من داعش على الأقل في جرائم تتصل بمكافحة الإرهاب، وقد أفرجت عن 1,818 شخصا على الأقل وأدانت ما لا يقل عن 1,110 شخص بأحكام تراوحت بين السجن 3 سنوات والإعدام. لم يقدم المتحدث باسم حكومة الإقليم أعداد النساء والأطفال المحتجزين والمفرج عنهم والمدانين، ولم يقدم بيانات مفصلة بحسب الأحكام الصادرة.[103]

يبدو أن إدانات قضاة إقليم كردستان ضد عناصر داعش المشتبه بهم صدرت بشكل أسرع وبمعدل أكبر. قال قاضٍ في أربيل إنه أدان 619 رجلا بالانتماء لداعش منذ بداية 2016، وتراوحت الأحكام بين السجن 3 سنوات والإعدام.[104] أثناء فترة الاحتجاز، تحفظت السلطات على المحتجزين الذكور في واحدة من عدة منشآت احتجاز رسمية لوزارة الداخلية في دهوك وأربيل والسليمانية، واحتجزت النساء والأطفال في ما يُشار إليه بمسمى إصلاحيات، التي تديرها “وزارة العمل والشؤون الاجتماعية”.[105] قال قاضٍ من أربيل إنه على حد علمه فالأسايش هي الجهة التي تحتجز أغلب المحتجزين، لنحو 6 أشهر إلى عام، قبل إصدار الحكم الأولي عليهم. قال قاضيان معنيان بمكافحة الإرهاب في أربيل إن القضاء ينظر في جميع القضايا الخاصة بالمحتجزين، وليست لديه استراتيجية معينة لإعلاء أولوية بعض القضايا.[106]

بحسب القاضيان، فالقضايا تعتمد كثيرا على اعترافات المتهمين والشهادات المدونة من الشهود حول انتماء عناصر داعش المشتبه بهم، ما لا يتيح للقاضي الفرصة لاستجواب الشهود.

تعرف هيومن رايتس ووتش بشخصين مشتبه بانتمائهما إلى داعش احتجزتهما سلطات إقليم كردستان، ربما تورطا في جرائم خطيرة متصلة بأنشطة التنظيم، وتشمل الاسترقاق الجنسي. حكمت محكمة في الإقليم على إحداهما، وتعرف باسم أم سياف، وقد تورطت في استرقاق واغتصاب عدة نساء إيزيديات، وقتل عاملة المساعدات الإنسانية الأمريكية كايلا ميلر، وحكم عليها بالسجن المؤبد بموجب قانون مكافحة الإرهاب. على حد علم هيومن رايتس ووتش، لم تُنسب إليها اتهامات منفصلة بالاسترقاق والاغتصاب.[107]

الشخص الثاني هو عمار حامد محمود حسين، المعروف باسم أبو ياسر، وقد أسرته قوات حكومة إقليم كردستان بعد مشاركته في هجوم شنه داعش على مدينة كركوك في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2016. في مارس/آذار 2017، أجرى مقابلة تحدث خلالها عن عدة عمليات قتل واغتصاب ارتكبها.[108] يُحاكم حاليا في السليمانية بناء على اتهامات نص عليها قانون مكافحة الإرهاب.[109]

استنكر قاضٍ عدم توفر أية برامج للتأهيل لمناوئة عقيدة داعش المتطرفة في السجون. طالب المجتمع الدولي بتمويل ودعم مثل هذه البرامج وتقديم الخبرات اللازمة لها.[110] قال عامل بالمساعدات الإنسانية إنه قلق لغياب برامج إعادة إدماج للمحتجزين لدى الإفراج عنهم.[111]

ليس في إقليم كردستان قانون للعفو لعناصر داعش المشتبه بهم، ولم يصدق البرلمان الإقليمي على قانون العفو الصادر عن حكومة العراق.

على سلطات حكومة إقليم كردستان تطوير استراتيجية لإيلاء الأولوية للملاحقات القضائية لمن ارتكبوا أخطر الجرائم، أو لنقل المشتبه بهم إلى سلطات الحكومة العراقية، مع الإفراج عمن يشتبه فقط بعضويتهم في تنظيم داعش دون وجود أدلة على ارتكابهم جرائم خطيرة أخرى بموجب قانون العفو. على السلطات، على الأقل، أن تُسقط الاتهامات عمن أسهموا تحت سلطة داعش في حماية حقوق الإنسان الخاصة بالمدنيين. بالنسبة للمشتبه فقط بعضويتهم، فعلى السلطات إعداد آليات لكشف الحقيقة لها ولاية وصلاحيات موسعة، تشمل الحق في استدعاء الشهود لاستكمال العمليات القضائية وبرامج التعويض.

عدم السماح بمقابلة المحامين أو الأقارب

يمنح القانون العراقي وقانون حكومة إقليم كردستان الحق للمحتجزين في اختيار المحامين، أو في تعيين محامين لهم من قبل الدولة، يمثلهم على امتداد مرحلة التحقيق. كما أن للمحتجز الحق في التواصل مع أقاربه، فضلا عن إبلاغ الأقارب باحتجازه، بحسب القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء الصادرة عن الأمم المتحدة.[112] لا تنص قوانين مكافحة الإرهاب على معاملة المشتبه بارتكابهم جرائم الإرهاب بشكل مختلف، لكن يظهر من بحوثنا أنه عمليا لا يتواجد مع عناصر داعش المشتبه بهم محامون أثناء الاستجواب، ولا تسمح لهم السلطات بالتواصل مع أقاربهم إلى أن تنتهي مرحلة التحقيق.

أقر رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان بالثغرات في المحاكمات الجارية بمحكمة مكافحة الإرهاب في نينوى، بما يشمل غياب المحامين على امتداد فترة التحقيق وعدم التواصل مع الأقارب، وقال إن هذه مشاكل سببها عدم تنفيذ القانون.[113]

تضمن المادة 19 من الدستور العراقي والمادة 123 من قانون أصول المحاكمات الجزائية للمحتجزين الحق في الحصول على محامٍ أثناء الاستجواب والجلسات.[114] بحسب وزير العدل حيدر الزاملي وقاضٍ رفيع المستوى بمحكمة مكافحة الإرهاب في نينوى، لا توفر السلطات لعناصر داعش المشتبه بهم محامين أثناء الاستجواب أو محامين تعينهم الدولة مع بداية المحاكمة.

حضر الباحثون محاكمتين في محكمة مكافحة الإرهاب في نينوى، وخلالها تواجد مع عناصر داعش المشتبه بهم محامون عينتهم الدولة، لكن من غير الواضح ما إذا ما قابل المحامون موكليهم قبل الجلسات. لم يتحدث المحامون ولو مرة واحدة خلال الجلسة، بينما وجه القاضي وكاتب المحكمة الأسئلة إلى المدعى عليه. إلى جانب المحامين المعينين من الدولة، هيومن رايتس ووتش على علم بمنظمة إنسانية واحدة، هي “لجنة الإنقاذ الدولية”، توفر المساعدة القانونية في بغداد ونينوى للمحتجزين المتهمين بموجب قانون مكافحة الإرهاب، بالغالب لمن تم القبض عليهم لتشابه الأسماء مع مشتبه بهم حقيقيين.[115] في يوليو/تموز، قبض على مجموعة من المحامين الذين يدافعون عن عناصر داعش المشتبه بهم في محكمة نينوى، بناء على اتهامات بموجب قانون مكافحة الإرهاب بأنهم ينتمون لتنظيم داعش جراء نشاطهم السابق في الدفاع عن عناصر التنظيم المشتبه بهم قبل يونيو/حزيران 2014. أدى ذلك إلى خوف المحامين من تمثيل هؤلاء المشتبه بهم.[116] قال قاضٍ رفيع المستوى لـ هيومن رايتس ووتش إنه منذ صدور أوامر التوقيف، كف المحامون بالمكاتب الخاصة عن تمثيل مشتبه بانتمائهم إلى داعش يعتقدون أنهم ينتمون حقا إلى التنظيم، ولا يتولون إلا قضايا من يعتقدون أنهم اتُهموا بالخطأ بالانتماء إلى داعش، عادة لتشابه الأسماء.[117]

قال وزير العدل حيدر الزاملي وقاضٍ بمحكمة مكافحة الإرهاب في نينوى، إن السلطات ملزمة بموجب معايير الأمم المتحدة الدنيا لمعاملة السجناء أن تمنح السجناء الحق في إبلاغ أقاربهم باحتجازهم وبالتواصل معهم.[118] لكن عمليا، لم يسمح الادعاء للمحتجزين المتهمين بموجب قانون مكافحة الإرهاب بالتواصل مع عائلاتهم أثناء مرحلة التحقيق.[119]

بحسب قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي، المعدل من قبل حكومة إقليم كردستان في 2010، يمكن لجميع المحتجزين طلب التمثيل القانوني من الدولة.[120] لكن الأطفال الـ19 جميعا، الذين قابلتهم هيومن رايتس ووتش في إصلاحية أربيل للنساء والأطفال في ديسمبر/كانون الأول 2016، قالوا إنهم لم يمثلهم محامون أثناء استجوابهم ولم يعرف أي منهم بما إذا كانوا قد حضروا محاكمة أو قابلوا قضاة بعد.[121] كما أن 4 بالغين محتجزين كمشتبه بانتمائهم إلى داعش، وأُفرج عنهم دون اتهامات من منشآت أخرى بكردستان العراق، قالوا لـ هيومن رايتس ووتش إنهم لم يحضر معهم محامون أثناء جلسات استجوابهم أمام الأسايش.

لا تنص قوانين الإقليم على حق المحتجزين في إخبار عائلاتهم أو السماح لهم بالتواصل معهم، لكن حكومة إقليم كردستان تعهدت بكفالة هذه الالتزامات.[122] في مقابلات هيومن رايتس ووتش مع الأطفال الـ 19 المشتبه بانتمائهم إلى داعش، قال 7 فقط إن سلطات الإقليم سمحت لهم بالتواصل مع عائلاتهم.[123]

على السلطات ضمان أن يمثل عناصر داعش المشتبه بهم أمام قاضٍ خلال 24 ساعة من التوقيف، بحسب القانون الوطني، وأن يُسمح لهم بحضور محامٍ على امتداد فترات التحقيق وأن يُسمح لهم بالتواصل مع عائلاتهم.

الأطفال المشتبه بانتمائهم إلى داعش

تحتجز سلطات العراق وحكومة إقليم كردستان وتحاكم أطفالا مشتبه بانتمائهم إلى داعش أو قتالهم في صفوف التنظيم. في مايو/أيار 2017، قال مسؤول بالسجن في نينوى إنهم يحتجزون 80 طفلا على الأقل يشتبه بانتمائهم إلى داعش، في مكان واحد مع البالغين.[124] في يناير/كانون الثاني 2017، قالت حكومة إقليم كردستان إنها تحتجز 183 طفلا على الأقل مشتبه بانتمائهم إلى داعش، في 3 إصلاحيات للنساء والأطفال.[125] قال خبير مقرب من نظام السجون لـ هيومن رايتس ووتش إنه حتى أغسطس/آب 2017 كانت سلطات الإقليم والحكومة العراقية قد احتجزت نحو ألف شخص قبل بلوغهم سن 18، للاشتباه بانتمائهم إلى داعش.[126]

تمثل معاملة الأطفال الذين جندهم داعش أو ارتبطوا به تحديا كبيرا للعراق. يتحمل بعض الأطفال مسؤولية أعمال عنف، في حين أنهم في الوقت نفسه ضحايا التنظيم. كما أن تاريخ العراق من الإساءات بحق الأطفال المحتجزين – وبحق عناصر داعش المشتبه بهم – يثير التساؤلات حول رفاه الأطفال المحتجزين بناء على اتهامات تتصل بداعش. كذلك احتجاز العراق للأطفال فقط بناء على عضويتهم في داعش لا يتوافق مع التزامات الدولة بموجب القانون الدولي.

في مارس/آذار 2015، قالت “لجنة الأمم المتحدة لحقوق الطفل” إن الأطفال المحتجزين بموجب اتهامات بالإرهاب في العراق يُقال إنهم محتجزون في منشآت غير قانونية، وإن الأطفال أقارب المشتبه بارتكابهم الإرهاب هم بدورهم عرضة للاعتقالات بالخطأ، والاحتجاز دون اتهامات، أو اتهامهم بارتكاب أعمال إرهابية دون سند. كما توصلت اللجنة إلى أن عائلات الأطفال لم تبلغ باحتجاز الأطفال، وإنه عند بلوغ المحتجزين 18 عاما نُقلوا إلى قائمة المحكومين بالإعدام.[127]

لدى حكومة العراق وحكومة إقليم كردستان نُظم قضاء أحداث مختصة بالأطفال. لكن لا يُحتجز جميع الأطفال المشتبه بانتمائهم إلى داعش في مرافق هذه النُظم طيلة مدة التحقيق والمحاكمة. قال محامٍ ينظر في عشرات القضايا الخاصة بأطفال متهمين تحت قانون مكافحة الإرهاب لـ هيومن رايتس ووتش، إن أطفالا عدة احتجزوا في بغداد لشهور في مراكز مكافحة الإرهاب الخاصة بالبالغين، ولم يُحالوا إلى مراكز الأحداث، في حين كان في مركز احتجاز الأحداث الرئيسي بالمدينة ما يزيد عن ضعف قدرته على الاستيعاب من المحتجزين الأطفال.[128]

تنص المعاهدات والمعايير الدولية على عدة معايير أساسية للدول التي تُحاكم أحداث. على سبيل المثال، يجب أن تكون المصلحة الفضلى للطفل هي الاعتبار الأساسي، فضلا عن إعادة تأهيل الطفل وإعادة دمجه بالمجتمع. على الدولة استنفاذ جميع الخيارات البديلة للتوقيف والاحتجاز في حالة الأطفال، وألا يكون احتجاز الأطفال إلا الحل الأخير.[129] يجب ألا يدوم توقيف واحتجاز الطفل لمدة أطول من اللازم، ولابد من التسريع بالنظر في القضية قدر الإمكان. أثناء احتجاز الطفل، له الحق بالمساعدة القانونية الفورية، ويجب أن يكون احتجازه بمعزل عن البالغين ما لم يكن هذا ضد المصالح الفضلى للطفل. أثناء الاحتجاز، للطفل الحق في استمرار اتصاله بأسرته عن طريق المراسلات والزيارات. كما أن للطفل المحروم من حريته الحق في الرعاية والمساعدة الخاصة، وتشمل الحق في التعليم والتدريب المهني والأنشطة الترفيهية.[130]

كذلك، فالمواثيق والمعايير والأعراف المنطبقة على الأطفال في أي نشاط إجرامي تسري في حالة الأطفال المزعوم تورطهم في أنشطة تتصل بالإرهاب. تصدت مجموعة من الخبراء لمسألة عدالة الأحداث في سياق مكافحة الإرهاب، وشددت على ما يلي:

يجب أن يكون للنظام المتخصص بقضاء الأحداث الولاية الرئيسية والمفضلة على الأطفال الجاري التحقيق معهم و/أو اتهامهم بمخالفات تتصل بالإرهاب. في جميع الإجراءات الخاصة بالأطفال، سواء من قبل مؤسسات الدعم الاجتماعي العامة أو الخاصة أو في محاكم أو من قبل السلطات الإدارية أو الهيئات التشريعية، فالمصلحة الفضلى للطفل هي دائماً صاحبة الاعتبار الأول والأساسي. لابد من إيلاء عناية خاصة للبدائل الأخرى بخلاف الملاحقة القضائية. أي إجراء قانوني يُتخذ يجب أن يكون هدفه دمج الطفل بالمجتمع.[131]

قال “مكتب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بالأطفال والنزاعات المسلحة”، في 2011، إنه عند التعامل مع الأطفال المشاركين في جماعات مسلحة، “نشجع على أساليب أكثر فعالية وتناسب، بخلاف الاحتجاز والملاحقة القضائية، بما يمكّن الأطفال من التعامل مع ماضيهم ومع ما ارتكبوا من أعمال”.[132]

تشمل الأدلة الإرشادية الدولية المعروفة بـ “مبادئ باريس” توجيهات صريحة بشأن معاملة الجنود الأطفال المتهمين بجرائم أثناء النزاعات المسلحة.[133] تنص الأدلة الإرشادية الصادرة في 2007 وصدقت عليها 108 حكومات، على أن الأطفال المتهمين بجرائم بموجب القانون الدولي ويُزعم ارتكابهم لها أثناء ارتباطهم بقوات مسلحة أو جماعات مسلحة، يجب اعتبارهم بالأساس ضحايا لانتهاكات القانون الدولي، وليس جناة فحسب. يجب معاملتهم بموجب القانون الدولي في إطار من العدالة التصالحية وإعادة التأهيل الاجتماعي، بما يتوافق مع القانون الدولي الذي يمنح الأطفال حماية خاصة في مختلف الاتفاقيات والمبادئ الدولية.[134]

طالبت مجموعة خبراء أخرى، هي “منتدى مكافحة الإرهاب الدولي”، بدورها بأن تتولى أية محاكمات للأطفال محاكم أحداث متخصصة، حيث أنها مؤهلة أكثر من محاكم مكافحة الإرهاب العادية لتطبيق حقوق الأطفال وجوانب مراعاة الأطفال المختلفة.[135]

يمثل الأطفال المتهمون فقط بالعضوية في تنظيم مثل داعش وليس بأي عمل عنيف محدد، تحديا خاصا. في 2017، قال أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس: “أحث الدول الأعضاء، بما في ذلك أثناء مكافحتها للعنف المتطرف، على أن تعامل الأطفال الذين يُدعى أنهم مرتبطون بالجماعات المسلحة غير التابعة للدول باعتبارهم ضحايا في المقام الأول، وأن تقوم على وجه السرعة باعتماد قواعد تنظم تسليمهم إلى الجهات المدنية المعنية بحماية الأطفال بغية إعطاء الأولوية لإعادة إدماجهم”.[136]

ذكر الممثل الخاص للأمين العام المعني بالأطفال والنزاع المسلح في 2011 إنه يجب ألا يُقاضى الجنود الأطفال “لمجرد ارتباطهم بجماعة مسلحة أو لمشاركتهم في أعمال عدائية”.[137]

فيما أعربت دول عديدة عن قلقها من أن الأطفال الأعضاء بداعش يمثلون خطرا مستقبليا، فإن احتجاز ومقاضاة الأطفال يجب اعتباره دائما حلا أخيرا، ويجب أن يكون غرض أي حُكم هو إعادة تأهيل وإعادة إدماج الطفل بالمجتمع.

على العراق أن يبحث عن سبل أخرى للتصدي للسلوك المسيء من قبل الأطفال، وفي إمكانية تحويل قضايا الأطفال إلى هيئات غير قضائية، لتفادي الآثار السلبية على الأطفال جراء التعامل مع الإجراءات القضائية الرسمية وتفادي أن يكون لديهم سجل جنائي. على العراق اعتماد قوانين تنص على تطبيق آليات بديلة. هذه التدابير البديلة يمكن أن تشمل مكونات خاصة بإبعاد الأطفال عن التنظيمات المتطرفة وتحويلهم بعيدا عن التطرف، وأيضا مكونات تعليمية ودعم نفسي، وتهدف جميعا إلى دعم إعادة الإدماج.

ظروف الاحتجاز

أعدت هيومن رايتس ووتش تقارير عن الازدحام الشديد وظروف الاحتجاز المتدهورة في العراق لسنوات عديدة، وكذلك عن الاحتجاز التعسفي وبمعزل عن العالم الخارجي على نطاق واسع، على مدار السنوات العشر الماضية.[138] أدت إضافة الآلاف من عناصر داعش المشتبه بهم إلى مراكز الاحتجاز متدهورة الحال والمزدحمة، دون شك، إلى مضاعفة الضغوط على النظام القائم، فجميع مراكز الاحتجاز التي زارها الباحثون كانت مزدحمة للغاية. كانت الظروف أسوأ في نينوى، حيث تضرر السجنان الحكوميان الأساسيان في الموصل وعلى مشارفها جراء القتال، فهناك يمكث المحتجزون لفترات طويلة في ما يفترض أنها مراكز احتجاز مؤقتة. لكن لأن قانونيّ مكافحة الإرهاب ينصان على السجن المؤبد أو الإعدام، فعبء مُداني داعش على نظام السجون سوف يستمر. على الحكومة العراقية والفاعلين الدوليين دعم إعادة تأهيل سجون الموصل، بحيث يمكن للسلطات نقل السجناء إلى تلك المرافق بأسرع وقت ممكن.

في مارس/آذار 2017، رصد باحثو هيومن رايتس ووتش الأوضاع المتدهورة في مرافق الاحتجاز المؤقتة التي احتجزت فيها السلطات العراقية مجموعة من عناصر داعش المشتبه بهم في نينوى. رصد الباحثون احتجاز السلطات نحو 1,200 مشتبه بانتمائهم إلى داعش في ظروف من الازدحام الشديد والقذارة، بمجموعة بيوت مهجورة ومركز شرطة محلي في بلدات القيارة – 60 كيلومتر جنوب الموصل – وحمام العليل – 30 كيلومتر جنوب الموصل. كان أغلب عناصر داعش المشتبه بهم رجال وصبية محتجزين معا، دون اتهامات ودون توفر الرعاية الطبية. زارت

هيومن رايتس ووتش زنزانة مساحتها نحو 4 في 6 أمتار بها 114 محتجزا، مكثوا بها 4 أشهر. لم يُتح للمحتجزين الخروج أو الاغتسال بانتظام. كانوا يأكلون ويستخدمون مرحاضا واحدا في الزنزانة. كانت النوافذ مغطاة بالطوب، ودرجة حرارة الحجرة عالية للغاية والرائحة بشعة. مات 4 على الأقل في حالات تتصل – بحسب العاملين بالسجن – بعدم توفر الرعاية الصحية المناسبة والظروف الصحية.[
رصد الباحثون في زيارة ثانية للمرافق المذكورة أن الظروف تحسنت بعد تقارير علنية ظهرت حول مراكز الاحتجاز، بما يشمل تركيب مكيفات هواء ودورات مياه، لكن تبقى الظروف بشكل عام لاإنسانية.[140] بحلول سبتمبر/أيلول 2017، قال قاضٍ في محكمة مكافحة الإرهاب في نينوى إن السلطات العراقية تحتجز 5,500

مشتبه بانتمائهم إلى داعش في تلك المرافق المكتظة أصلا.[141]

توحي الأدلة التي وثقتها هيومن رايتس ووتش بقوة بأن الظروف في مرافق احتجاز القيارة وحمام العليل خطرة وغير مناسبة لاحتجاز محتجزين لفترات مطولة، ولا تستوفي

المعايير الدولية الأساسية. نتيجة لهذا، فإن احتجاز المعتقلين هناك يرقى على الأرجح إلى مستوى المعاملة السيئة. تشكل حالة المرافق وعدم كفاية العاملين خطرا على السجناء وإدارة السجن والمجتمع المحلي.

كما أثارت ظروف احتجاز عناصر داعش المشتبه بهم في إقليم كردستان العراق بواعث قلق. دخل باحثو هيومن رايتس ووتش إصلاحية أربيل، التي يتم التحفظ فيها على نساء وأطفال يُشتبه بانتمائهم إلى داعش، في ديسمبر/كانون الأول 2016. لاحظ الباحثون زحاما شديدا، حيث كان يوجد 6 أضعاف السعة القصوى من المحتجزين ولا يوجد ما يكفي من الثياب والبطانيات، وقصور بالغ في الدعم النفسي-الاجتماعي للمحتجزين الذين يعانون من الصدمة الشديدة.[142] لم تمنح سلطات إقليم كردستان بعد للباحثين حق دخول مراكز احتجاز عناصر داعش المشتبه بهم البالغين الذكور.

على سلطات نينوى أن تمنح الأولوية فورا لإعادة تأهيل سجنيّ الموصل، وهي المرافق الوحيدة الملائمة لغرض احتجاز المشتبه بهم في المنطقة. على السلطات نقل جميع محتجزي نينوى إلى سجون رسمية مبنية لاستيعاب السجناء واستضافتهم، ومجهزة لتلبي المعايير الدولية الدنيا، بما يشمل فصل الأطفال عن البالغين. إلى أن يتحقق هذا، فعلى وزارتي الداخلية والعدل تحسين الأحوال القائمة سريعا. على الوزارتين إجراء فحص طبي لكافة المحتجزين لدى وصولهم لمرافق الاحتجاز، وضمان حصولهم على الرعاية الطبية. على الفاعلين الدوليين الداعمين للعراق دعم جهود إعادة تأهيل سجون الموصل وضمان احترام الحقوق الأساسية الخاصة بالمحتجزين.

في حين يُتاح لـ “اللجنة الدولية للصليب الأحمر” الدخول المنتظم لهذه المرافق، بحسب عاملين بالسجون، فقد منع بعض المسؤولين هيومن رايتس ووتش ومراقبين آخرين من الدخول بانتظام للمرافق المذكورة، ولم يُسمح للباحثين بإجراء مقابلات على انفراد مع المحتجزين. على السلطات ضمان قدرة المفتشين الحكوميين والمراقبين الدوليين لظروف السجون على الدخول بشكل منتظم إلى مرافق الاحتجاز، وإمكانية إجراء مقابلات على انفراد مع المحتجزين. على القضاة توجيه أوامر بالإفراج عن الموقوفين أو السجناء المحتجزين في ظروف لاإنسانية أو مهينة.

إساءة معاملة المحتجزين

في حين لا يمكن لـ هيومن رايتس ووتش تحديد مدى إساءة معاملة السلطات العراقية وسلطات الإقليم لعناصر داعش المشتبه بهم أو تعذيبهم رهن الاحتجاز، بسبب عدم قدرة الباحثين على الوصول إلى المحتجزين، فإن هيومن رايتس ووتش – ومنظمات أخرى – سبق أن وثقت أعمال التعذيب المتفشية وأشكال المعاملة السيئة الأخرى في مراكز الاحتجاز العراقية.[143]

تنص المادة 37 (1) من دستور العراق على أن: “يحرم جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية، ولا عبرة بأي اعتراف انتزع بالإكراه أو التهديد أو التعذيب، وللمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي أصابه وفقاً للقانون”.[144] كما يحظر قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي التعذيب، ولا يمكن للقضاة الاعتماد على اعترافات منتزعة تحت التعذيب.[145] لكن لا ينص القانون صراحة على استبعاد الأدلة الأخرى المنتزعة بالتعذيب.

لا ينص القانون العراقي تفصيلا على كيفية التحقيق في ادعاءات التعذيب، لكن بحسب قضاة بمحكمة مكافحة الإرهاب، فعندما يدعي مدعى عليه بتعرضه للتعذيب أثناء الاستجواب، على القاضي أن يأمر بفحص يجريه الطب الشرعي لتقييم مدى صحة الادعاء وإحالة القضية إلى محكمة أعلى للمراجعة.[146] كما يمنح قانون العفو العام المحتجزين الذين يزعمون استناد إدانتهم إلى اعتراف منتزع بالتعذيب، الحق في طلب إعادة المحاكمة.[147]

حتى كتابة هذا التقرير، كان البرلمان العراقي يبحث في أمر إصدار قانون جديد لمكافحة التعذيب، يطالب القضاة بالأمر بإجراء فحص طبي لأي محتجز يزعم تعرضه للتعذيب في ظرف 24 ساعة من العلم بهذا الادعاء.[148] تنص مسودة القانون على عقوبات جنائية لمن يأمرون بتعذيب الأفراد، مع مطالبة القضاة بعدم الأخذ بجميع الأدلة التي جمعت بطريق التعذيب، وإقصاء الشخص القائم بالتعذيب عن القضية، والمطالبة بحضور المحامين مع جميع المحتجزين على مدار فترة التحقيق.[149]

لكن يبدو أنه في حالة واحدة على الأقل لم يتم تطبيق هذه النصوص القانونية. قال قاضٍ في نينوى لـ هيومن رايتس ووتش إن “الكثير” من عناصر داعش المشتبه بهم ادعوا أمامه بتعرضهم للتعذيب، وأنه أمر بفحص طبي في كل حالة. قال هذا لكن لم يفصح عن تفاصيل عن نتائج الفحص الطبي. لكنه قال إنه لم يحقق مع أي من المحققين ولم يفرض عقوبات عليهم نتيجة لادعاءات التعذيب، رغم إقراره بأنه كان عليه التحقيق في المخالفات التي يرتكبها المحققون.[150] لم تسمح السلطات العراقية لـ هيومن رايتس ووتش بمقابلة مشتبه بانتمائهم إلى داعش أثناء الزيارات البحثية إلى قاعات المحاكم والسجون لأجل إعداد هذا التقرير. لكن تمكن 3 أشخاص من الوصول إلى محتجزين في نينوى وبغداد قالوا إن تعذيب عناصر داعش المشتبه بهم أمر شائع للغاية، وعادة ما يُستخدم لانتزاع اعترافات.

هناك أيضا أسباب للقلق من أن عناصر داعش المشتبه بهم يواجهون التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة في إقليم كردستان. وثقت هيومن رايتس ووتش ادعاءات تعذيب على يد قوات حكومة إقليم كردستان المسؤولة عن احتجاز مشتبه بانتمائهم إلى داعش. من بين 19 طفلا يُشتبه في تبعيتهم لداعش تحتجزهم حكومة الإقليم وقابلتهم هيومن رايتس ووتش، قال 17 طفلا إن قوات الأسايش عذبتهم لانتزاع اعترافات.[151] لم تسمح سلطات حكومة إقليم كردستان للباحثين التحدث مع عناصر داعش المشتبه بهم البالغين بعد.

يحظر قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي، الذي عدلته حكومة الإقليم في 2010، الاعترافات القسرية.[152] لكن قال عامل دولي بالمساعدات الإنسانية على علم بقضايا مكافحة الإرهاب إنه بينما تفشى التعذيب بحق عناصر داعش المشتبه بهم أثناء الاستجواب، لم يتم رصد حالة واحدة حيث أمر قاضٍ بإجراء فحص طبي على محتجز ادعى بالتعرض للتعذيب.[153] كما أنه وبحسب الناطق باسم حكومة إقليم كردستان، فعند الوصول إلى مرافق الاحتجاز، يُفحص المحتجزون فقط للتأكد من عدم إصابتهم بأمراض مزمنة أو معدية.[154] قال الناطق باسم حكومة الإقليم في يناير/كانون الثاني إن 7 محتجزين ادعوا تعرضهم للمعاملة السيئة أثناء الاحتجاز، لكن أخبر هيومن رايتس ووتش فيما بعد بأنه لم يتم نسب اتهامات إلى أي مسؤولين.[155] ينص قانون مكافحة الإرهاب في الإقليم على ضرورة عدم أخذ القضاة بالاعترافات القسرية ما لم تدعمها أدلة أخرى.[156]

على السلطات اتخاذ جميع الخطوات اللازمة لتجنب التعذيب، بما يشمل السماح لباحثي حقوق الإنسان والفاعلين الدوليين المعنيين بالحماية بزيارة مواقع الفحص ومرافق الاحتجاز ومقابلة المحتجزين على انفراد. على مجلس القضاء الأعلى ومجلس القضاء الأعلى لكردستان العراق توجيه جميع القضاة لوقف المحاكمات التي يدعي فيها محتجزون بالمعاملة السيئة، والبدء بتحقيقات مستقلة وكاملة في هذه الادعاءات، وعدم الأخذ بأي اعترافات منتزعة بالإكراه. على السلطات أن تنشر على الملأ معلومات عن أعداد المحتجزين الذين تقدموا بادعاءات بالمعاملة السيئة وأعداد المسؤولين الحكوميين المُنزل بهم إجراءات تأديبية إثر التحقيق في الادعاءات.

عقوبة الإعدام

لطالما كان العراق من الدول صاحبة أعلى معدلات إعدام في العالم، ويأتي تصنيفه الرابع بعد الصين وإيران والسعودية.[157] تسمح السلطات العراقية بإعدام البالغين على عدد من الجرائم، منها جرائم ينص عليها قانون مكافحة الإرهاب. تنفذ حكومة إقليم كردستان العراق، تجميدا – من حيث الممارسة – على عقوبة الإعدام منذ 2008، مع حظره إلا في “حالات محدودة للغاية حيث يعتبر ضروريا”، بحسب ناطق باسم حكومة الإقليم، بما يشمل المدانين بجرائم الإرهاب.[158]

بموجب المادة 224 من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي، فإن جميع القضايا المحكوم فيها على المدعى عليهم بالإعدام، تُحال تلقائيا إلى محكمة التمييز الاتحادية العليا في بغداد لمراجعة الحكم في ظرف 10 أيام.[159]

حاليا، تنفذ السلطات الحكومية العراقية الإعدامات دون الإعلان عن أية أعداد رسمية.[160] تعرف هيومن رايتس ووتش عن تنفيذ 92 إعداما على الأقل بحق مشتبه بانتمائهم إلى داعش.[161] في 2 أغسطس/آب أصدر مجلس القضاء الأعلى بيانا بأن محكمة مكافحة الإرهاب في نينوى أنزلت أحكام إعدام بحق 4 من عناصر داعش المشتبه بهم، 3 منهم كانوا من عناصر شرطة التنظيم وأحدهم مسؤول تجنيد مقاتلين.[162] قال قاضٍ في المحكمة لـ هيومن رايتس ووتش في 27 سبتمبر/أيلول إنه أنزل بالفعل نحو 200 حكم إعدام.[163] تثير الطبيعة المتعجلة للمحاكمات في محكمة نينوى، حيث تم عقد 5,500 جلسة تحقيق في 6 أشهر لمشتبه بانتمائهم إلى داعش ووصلت هذه القضايا مرحلة المحاكمة، التساؤلات حول أعداد أحكام الإعدام الكبيرة التي سيتم إنزالها رغم التخوفات العديدة المتصلة بسلامة الإجراءات.

يحظر قانون العقوبات العراقي استخدام عقوبة الإعدام ضد الأطفال.[164] لكن ذكر رئيس الوزراء العبادي في 16 سبتمبر/أيلول إن القضاة يبحثون في أمر إصدار عقوبة الإعدام بحق فتاة ألمانية أسرتها القوات العراقية في الموصل، بتهمة التواصل مع داعش، تحت طائل قانون مكافحة الإرهاب.[165] في أواسط سبتمبر/أيلول، حكمت محكمة بغداد الجنائية المركزية على رجل روسي بتهمة العضوية في داعش ويُقال إنها أعدمته، بموجب قانون مكافحة الإرهاب.[166]

تُعارض هيومن رايتس ووتش عقوبة الإعدام في الدول كافة تحت أي ظرف. عقوبة الإعدام متفردة في قسوتها وكونها نهائية لا رجعة عنها، وهي مشوبة في كل الأحوال وفي كل مكان بالتعسف والتحيز والخطأ. ألغت أغلب دول العالم هذه الممارسة. في 2012، طالب أمين عام الأمم المتحدة الدول بتجميد استخدام عقوبة الإعدام، مع تقييد استخدامها بشكل تدريجي، وتقليص الجرائم التي يُعاقب عليها بالإعدام، وهذا بغية القضاء على العقوبة في نهاية المطاف. على أجهزة القضاء العراقية وفي إقليم كردستان أن تكف عن فرض عقوبة الإعدام على عناصر داعش المشتبه بهم، وعلى البرلمان العراقي وبرلمان الإقليم إلغاء هذه العقوبة.

عدم مشاركة الضحايا

يحق للضحايا بموجب القوانين العراقية – إذا أرادوا – أن يشاركوا في جميع المحاكمات، ويقدموا شهادات وأسئلة لقاضي التحقيق يمكنه طرحها على المشتبه بهم حول دوافعهم.[167] لكن السلطات العراقية وسلطات إقليم كردستان حاكمت عناصر داعش المشتبه بهم في أغلب القضايا فقط بناء على اعترافات وشهادات شهود مدونة، بشكل أساسي حول انتمائهم إلى داعش. لم تتخذ السلطات تدابير لإخبار مجتمعات الضحايا حول من تجري محاكمتهم ومتى، أو لطلب مشاركتهم في المحاكمات الجارية. نتيجة لهذا، وبحسب الضحايا الذين قابلهم الباحثون من مجتمعات متباينة من شتى أنحاء العراق، يبدو أن المحاكمات الجارية غير لم تقنع للضحايا بأن العدالة تتحقق.

بحسب محامٍ عراقي، فإن الضحايا والشهود عادة ما يختارون أن يكون لهم أدوار أثناء المحاكمات الجنائية العراقية، في عرض شهاداتهم حول الجرائم المرتكبة.[168] يمكنهم أيضا تقديم أسئلة عن طريق المحامين إلى قضاة التحقيق، بحيث يطرحها القضاة على المدعى عليهم. لكن لأن محاكم مكافحة الإرهاب لا تحتاج سوى لإثبات عضوية المشتبه في تنظيم داعش لتحاكمه بموجب قانون مكافحة الإرهاب، فهي لا تحتاج إلى شهادات من الضحايا لإثبات تورط عناصر داعش المشتبه بهم في أية جرائم بعينها بموجب قانون العقوبات، مثل القتل أو الاغتصاب. نتيجة لهذا، يمكن لقضاة مكافحة الإرهاب التخلي عن الأدلة الواردة من الشهود والضحايا. بحسب جميع القضاة الخمسة الذين تمت مقابلتهم، فإن القضاة يعتمدون بالمقام الأول على الاعترافات كسند لأحكامهم بحق عناصر داعش المشتبه بهم، فضلا عن الاعتماد على الشهادات المدونة من أصدقاء أو جيران تؤكد صلة المدعى عليه بداعش.[169]

قال قاضٍ من نينوى لـ هيومن رايتس ووتش إنه بالرغم من أن جميع الجلسات مفتوحة للجمهور، فإن المحكمة لا تسعى لطلب شهادة الضحايا أو مشاركتهم، وهي في الواقع لا تشجع على هذا، قائلا إن هذا يمثل عبء كبير على النظام، بأن يسعى للتواصل مع الضحايا.[170] في بغداد قال رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان واثنان من قضاة مكافحة الإرهاب، إنه ما إن يستقر الوضع في نينوى ويتمكن النازحون من العودة إلى ديارهم، فسوف يتم الترحيب بمشاركة الضحايا، لا سيما أثناء المحاكمات.[171] لم يتحدثوا عن كيفية المشاركة والخطوات التي ستتخذها المحاكم لطلب هذه المشاركة.

هذا الأمر صعب التحقق سواء من حيث القدرة على تبيان ارتكاب المشتبه بانتمائهم إلى داعش جرائم خطيرة بعينها، أو في القضايا التي يُمنح أعضاء داعش المُدانون العفو، ما يمكّن من ارتكبوا جرائم خطيرة من الخروج من الاحتجاز، في ظل عدم علم الشهود أو الضحايا الأساسيين بشأنهم محاكماتهم.

قال قضاة إقليم كردستان إن أغلب جلساتهم تمت في دائرة مكافحة الإرهاب في أربيل، وهي مفتوحة للجمهور، ويُرحب بحضور الجميع، لكن أضافوا أن محاكمهم لم تتخذ أية خطوات للتواصل مع الضحايا لدعوتهم لتقديم شهاداتهم أو حضور الجلسات.[172]

دون مشاركة فعالة من الضحايا، قد تقوم بعض المجتمعات بمحاولة تحقيق العدالة بنفسها. هناك مثال على هذا، ففي يونيو/حزيران 2017 ادعى قادة قبليون سنة إن مقاتلين إيزيديين أسروا وربما قتلوا 52 مدنيا من 8 عائلات من قبيلة سنية، قيل إنهم شاركوا في أسر وأذى نساء إيزيديات بالتواطؤ مع داعش في أغسطس/آب 2014.[173] رغم أن العائلات كانت لا تزال مفقودة وقت كتابة هذا التقرير، فإن المجتمع الإيزيدي رفض الادعاءات.[174] في حين لم تتمكن هيومن رايتس ووتش من تحديد مدى صحة هذه الادعاءات، فهي تسلط الضوء على أن استبعاد الضحايا من العملية القضائية يمكن أن يؤجج رغبة مجموعات مختلفة في تحقيق العدالة بنفسها.

في تطور إيجابي، في مارس/آذار 2017، أصدر العراق قانون حماية الشهود الذي زاد تدابير الحماية المكفولة للضحايا والشهود والخبراء والمخبرين الذين يقدمون معلومات في القضايا الجنائية.[175] يمكن لهذا الإجراء أن يشجع الضحايا على الشهادة ضد عناصر داعش المشتبه بهم المتهمين بجرائم خطيرة، لكن دون إتاحة فرصة للشهادة، فلن يساعد كثيرا.

إذا كانت ثمة رغبة في أن يشارك الضحايا، فعلى أجهزة القضاء العراقية وفي كردستان العراق أن تسعى بهمة إلى إشراك الضحايا في المحاكمات، بما يشمل عن طريق اتخاذ خطوات لإصدار معلومات حول الجلسات المقبلة للمشتبه بهم والتواصل عندما يكون ذلك ممكنا مع مجتمعات الضحايا لدعوتهم للحضور أثناء انعقاد الجلسات المتصلة بهم، وتوفير الدعم المالي لتغطية نفقات الحضور. على أجهزة القضاء أيضا أن تسمح للضحايا باستخدام المحاكمات كفرصة للشهادة حول الأذى الذي تعرضوا له، وتقديم أسئلة إلى المدعى عليهم بحسب القانون. يجب اتخاذ احتياطات لضمان سلامة الضحايا والشهود المشاركين. على المانحين الدوليين دعم مشاركة الضحايا في المحاكمات الجارية، بما يشمل عن طريق تمويل جهود إبلاغ الضحايا بالمحاكمات القائمة وبدلات انتقالهم إلى المحاكم ومنها عند انعقاد الجلسات.

المحاكمات على الجرائم ضد الضحايا الإيزيديين

أعدم مقاتلو داعش ما لا يقل عن 2,000 إيزيدي وأسروا 6,417 آخرين تم احتجازهم وتعريضهم لمنظومة من الاغتصاب والاعتداء الجنسي والاسترقاق الجنسي المنظم، فضلا عن أشكال أخرى من التعذيب، المعاملة السيئة، الزواج القسري بمقاتلي داعش، والعمل القسري.[176] كما أجبروا العديدين على اعتناق الإسلام وجندوا أطفالا منهم كمقاتلين. في حين مات إيزيديون كثيرون في الهجمات وأثناء فترة الأسر التالية، فهناك نحو 3 آلاف فرد فروا من داعش في العراق وسوريا منذ 2014، وأعيد توطين نحو 800 خارج العراق، واستقر البقية في كردستان العراق.[177]

بسبب طبيعة انتهاكات داعش البشعة هذه ضد الإيزيديين، كانت هذه الانتهاكات من بين الأكثر توثيقا وإدانة عالميا. تكرر تأكيد السلطات العراقية وشركاء التحالف ضد داعش على حاجة الضحايا الإيزيديين إلى الحصول على العدالة ضد عناصر داعش المشتبه بهم الذين ارتكبوا انتهاكات ضد مجتمعهم. دعم العديد من الفاعلين الدوليين جهود جمع وحفظ الأدلة الخاصة بجرائم داعش ضد الإيزيديين.[178]

مع هذا، لا تعرف هيومن رايتس ووتش أو “يزدا”، وهي منظمة غير حكومية بارزة تدعم المجتمع الإيزيدي، بأي قضية تنظر فيها محاكم إقليم كردستان أو حكومة العراق ضد مشتبه به من داعش على جرائم محددة ضد أي شخص إيزيدي.[179] قدم قاضيان معنيان بمكافحة الإرهاب في أربيل أسبابا عديدة لهذا: الضحايا الإيزيديون ليست لديهم معلومات قد تقود إلى معرفة الجناة الذين آذوهم، ولم يتقدموا بشكاوى محددة ضد أفراد تحتجزهم حكومة الإقليم حاليا، وأن الانتهاكات وقعت في سنجار، وهي خارج أراضي حكومة الإقليم (رغم أن أمن الإقليم وقواته العسكرية كانت تسيطر على أجزاء كبيرة من هذه المنطقة في الوقت الذي قيل فيه هذا للباحثين).[180] قال قاضي نينوى لـ هيومن رايتس ووتش إن بعض المشتبه بهم الذين نسبت إليهم اتهامات في محكمته ارتكبوا انتهاكات ضد الإيزيديين، لكن وُجهت إليهم – مثل المشتبه بهم الآخرين – تهمة الانتماء إلى داعش بموجب قانون مكافحة الإرهاب.[181]

تظهر مقابلات هيومن رايتس ووتش العديدة مع الضحايا الإيزيديين، وأخرها مقابلة مع 12 ضحية إيزيديين في مايو/أيار 2017 في دهوك، أن بعض الضحايا على الأقل لديهم معلومات مهمة عن هوية الجناة من داعش. قالت 8 من 12 امرأة وفتاة إن قوات داعش احتجزتهن في سوريا، فيما تم احتجاز 4 في العراق، وخضعن جميعا للمعاملة السيئة ومنها العنف الجنسي وجملة من الانتهاكات الأخرى. قالت 3 من النساء والفتيات الإيزيديات اللواتي احتُجزن في سوريا إن لدى عودتهن إلى العراق استدعتهن قوات الأسايش للاستجواب، وقالت اثنتان إن البشمركة قابلت كل منهما أثناء عبورهما الحدود، وقالت 7 إن السلطات لم تقابلهن. من استجوبهن الأسايش قلن إن ضابطا طلب منهن أسماء مقاتلي داعش وأسماء أقاربهن الذين ما زالوا تحت سيطرة داعش، ومعلومات أخرى، دون أن يبدي سببا للأسئلة. قلن جميعا إنهن لم يتواصلن مع السلطات للتقدم بأية شكاوى جنائية.

قالت فتاة عمرها 17 عاما: “أود لو تتحقق العدالة على ما لحق بنا. لكن يقلقني ما سيحدث لثمانية من أقاربي ما زالوا تحت سيطرة داعش. ما إن تخرج عائلتي، أتمنى أن يُحال هؤلاء الرجال إلى المحاكمة”.

في سبتمبر/أيلول 2014 شكلت وزارة الشهداء والمؤنفلين بحكومة إقليم كردستان “اللجنة العليا لتعريف الإبادة الجماعية للكرد الإيزيديين والمكونات القومية والدينية الأخرى”، المكلفة بجمع أدلة عن الجرائم الدولية المرتكبة ضد السكان الإيزيديين وتحديد أفضل السبل لحماية الأدلة وتحليلها.[182] قال القاضي أيمن مصطفى رئيس اللجنة إنه يعكف على جمع الشهادات من الضحايا أملا في استخدام شهادات الشهود في اتهام عناصر داعش المشتبه بهم بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. حتى الآن، بسبب عدم وجود سلطة قانونية في العراق للمحاكمة على هذه الجرائم، لم يحيل معلومات فريقه إلى حكومة إقليم كردستان أو السلطات العراقية التي تحتجز وتحاكم عناصر داعش المشتبه بهم.[183]

يستحق الإيزيديون، مثل جميع ضحايا انتهاكات داعش، العدالة. من شأن المشاورات مع الإيزيديين الناجين والمجموعات الممثلة لمصالحهم، ومنظمات حقوق المرأة غير الحكومية، أن تساعد في التعرف على أية بواعث قلق قد تكون لدى الناجين والشهود وتعمل على تخفيفها، حول التعامل مع أية عملية قضائية قائمة. قد تشمل بواعث القلق هذه مشاكل تتصل بمكان انعقاد المحاكمات والأمان في السفر والانتقال إلى هناك، والمخاطر المحدقة بأقارب ما زالوا أسرى، إذا تمت المشاركة في المحاكمات، وهي أمور أثارها ضحايا إيزيديون مع هيومن رايتس ووتش. تحديدا، على السلطات النظر في سبل لحماية المعلومات وكفالة السرية لمن يخشون الانتقام منهم أو من أقاربهم الذين ما زالوا أسرى لداعش، واعتماد تدابير لمكافحة الوصم.

على حكومة العراق وحكومة إقليم كردستان العمل مع جميع الفاعلين الذين جمعوا أدلة من الضحايا والشهود الإيزيديين، لجمع الأدلة على الانتهاكات والمعلومات الخاصة بالجناة، بشكل كامل ولكن دون إعادة جهود التوثيق السابقة، التي – إذا أعيدت – قد تؤدي لإحساس الضحايا والشهود بالصدمة من جديد. على الأطراف التنسيق مع اللجنة العليا لتعريف الإبادة الجماعية والمبادرات الأخرى التي لديها مثل هذه الأدلة للتعرف على أي عناصر مفترضين في داعش يشتبه في ارتكابهم جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية، وإصدار أوامر توقيف ضد الذين ما زالوا يتمتعون بحريتهم. يجب التماس مشاركة الضحايا والشهود في المحاكمات ضد المشتبه بارتكابهم الجرائم، وتشمل جرائم القتل والاحتجاز والاغتصاب.

الهيئة القضائية المكلّفة بالتحقيق في الجرائم ضدّ الإيزيديين

في يونيو/حزيران 2017، ربما بسبب تزايد الضغوط الدولية والإحباط من عدم كفاية الملاحقات القضائية ضد عناصر داعش المشتبه بارتكابهم جرائم ضد السكان الإيزيديين، أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي عن أنه سيشكل “الهيئة القضائية للتحقيق في الجرائم ضد الإيزيديين”. الهيئة التي ستعمل بمثابة دائرة قضائية خاصة، كان مقرها في البداية هو باج، 30 كيلومتر جنوب سنجار، ثم نُقلت إلى ناحية الشمال، في سنجار، للنظر في القضايا الخاصة بانتهاكات داعش ضد السكان الإيزيديين، والنساء على وجه التحديد.[184] قال رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان في يوليو/تموز إنه رشح بالفعل القضاة لهذه الهيئة، ومدعِ عام إيزيدي، لكن لم يحدد بعد الميزانية أو المقر.[185] قال إن هذه الهيئة ستسمح للضحايا الإيزيديين بتقديم شكاوى بموجب قانون مكافحة الإرهاب بحق أعمال القتل والاختطاف بل وحتى الاغتصاب، وقال إنها جرائم سيتم ضمها عملا للقانون رغم أنه لا يتناولها. قال إن الادعاء والقضاة بالمحكمة سيحققون في القضايا ويباشرون الملاحقات القضائية. توقع أن يلعب الضحايا دورا في الجلسات، لا سيما في مرحلة الإدانة. إذا تقدم الضحايا باتهامات ضد من يشتبه بأنهم من داعش من المحتجزين في أربيل أو في أماكن أخرى، على حد قوله، فهذا سيمثل تحد كبير، ولا يمكنه ضمان نقلهم إلى محكمة تابعة للحكومة العراقية.

قال مراد إسماعيل المدير التنفيذي ليزدا إن المجتمع الإيزيدي لم يتم مشاورته إزاء تشكيل الهيئة، وقد اعترض على بعض جوانب عملها، مثل مقرها، واختيار جميع القضاة من المسلمين، وعدم توفر الخبرات الدولية المتصلة بتحليل الطب الشرعي لأكثر من 40 مقبرة جماعية إيزيدية في سنجار وحولها، وعدم وجود تنسيق مع المبادرات الأخرى بمنطقة كردستان العراق ودوليا.[186] قال:

ما نريده هو لجنة دولية للتحقيق في الإبادة الجماعية للإيزيديين وصياغة تاريخ دقيق لما حدث. نريد أن ينهض هؤلاء الناس ويشرحوا كيف فعلوا ما فعلوه، حتى نتعلم جميعا من هذا. لا نريد أن يتم إسكات الجميع ببساطة وقتلهم.
قال إسماعيل لـ هيومن رايتس ووتش إنه لا يعرف بأي ضحايا إيزيديين تعاملوا مع الهيئة القضائية، وإن السلطات لم تدبر أية جهود ممنهجة ومتكاملة لمقابلة الضحايا والشهود.[187]

التعويض

اتخذ العراق بعض التدابير لتعويض ضحايا “الإرهاب والأخطاء العسكرية” عن طريق قانون صدر في 2009 وعُدّل في 2015.[188] بموجب هذا القانون، شكلت اللجنة لجانا في كل محافظة لتعويض من تضرروا من الإرهاب والعمليات العسكرية والأخطاء العسكرية، عن طريق تقديم تعويضات مادية مقابل التعرض للأذى البدني أو النفسي، وراتب، وشقة أو قطعة أرض أو منحة مالية للمتضررين لبناء بيت.[189] في يناير/كانون الثاني 2016، أعلنت اللجنة أنها دفعت ما لا يقل عن 60 مليون دولار أمريكي في مطالبات على مستوى الدولة خلال 2016.[190] في أبريل/نيسان، أعلنت اللجنة أنها وافقت على أكثر من 3,500 مطالبة عن أضرار في الممتلكات في جميع أنحاء العراق بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2017.[191] في مايو/أيار 2017، ذكرت اللجنة أنها وافقت على دفع أكثر من ألفي مطالبة بالتعويض عن الأضرار التي تسبب فيها داعش وقوات داعش في الأنبار.[192] عندما زار الباحثون مكتب لجنة تعويضات محافظة نينوى في يوليو/تموز 2017، كان في نفس مقر محكمة مكافحة إرهاب نينوى، في بلدة الحمدانية المسيحية بالمحافظة. قال قاضٍ رفيع المستوى هناك لـ هيومن رايتس ووتش إنه بحلول مطلع يوليو/تموز كانت اللجنة قد استقبلت 6 آلاف طلب تعويض بدعوى خسائر في الممتلكات والأقارب.[193] قال مراد إسماعيل إن الضحايا الإيزيديين الذين تواصل معهم لا يعرفون ببرنامج التعويض ولم يحصلوا على أية تعويضات.[194]

لا يستوفي برنامج التعويضات الحالي احتياجات التعويض الكاملة للضحايا. على السلطات إعداد وتنفيذ برنامج تعويض يراعي النوع الاجتماعي، عن طريق عملية شفافة وتشاورية مع الناجيات ومجموعات حقوق المرأة وبموجب المعايير الدولية، لصالح ضحايا الانتهاكات الحقوقية الجسيمة المرتكبة خلال النزاع، وتشمل العنف الجنسي.

المبادرات الدولية

بسبب جسامة الجرائم المرتكبة، ودور الأجانب في صفوف داعش، ودور الحكومات الأجنبية في الحملة العسكرية ضد داعش، فإن على المجتمع الدولي مسؤولية في دعم الجهود القضائية الموثوقة والمحايدة.

على الدول الملتزمة بضمان المساءلة لصالح ضحايا جميع الانتهاكات في العراق التركيز على كيفية تحسين قدرات النظم القضائية التابعة للحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان، المسؤولة عن الملاحقة القضائية في أخطر الجرائم المرتكبة، بشكل نزيه ومحايد وفعال. يمكنها عمل هذا عن طريق حث العراق على قبول الولاية الخاصة بـ “المحكمة الجنائية الدولية”.

على الشركاء الدوليين للعراق دعوة السلطات العراقية إلى ضمان ضمّ الجرائم الدولية إلى قانون العقوبات، بما يشمل أنواع المسؤولية القانونية مثل مسؤولية القيادة. عليها أيضا حث السلطات على التصدي لجملة من خروقات سلامة الإجراءات التي تحول دون حصول المدعى عليهم على محاكمات عادلة، وكذلك تمويل مراقبي المحاكمات في حضور الجلسات. كما أن على شركاء العراق من المجتمع الدولي اتخاذ خطوات لمساعدة الضحايا ومجتمعاتهم على المشاركة في المحاكمات الجارية، وتمويل إنشاء آليات للعدالة الانتقالية، ومنها آليات سرد الحقيقة والتعويض. على الدول المعارضة لعقوبة الإعدام الاستمرار في جهودها الخاصة بحث العراق على إلغاء عقوبة الإعدام.

ظل بعض الفاعلين الدوليين – مع انخراطهم في مبادرات غير قضائية مختلفة تهدف إلى تمهيد الطريق للعدالة الجنائية لصالح ضحايا داعش –صامتين إلى حد بعيد إزاء الحاجة إلى المساءلة لصالح ضحايا القوات المقاتلة لداعش، ولم يتعاطوا مع القضايا القائمة بحق عناصر داعش المشتبه بهم. قال موظفون دوليون في مبادرتين من هذا النوع لـ هيومن رايتس ووتش إن منظمتيهما غير قادرتين على الدعم والتصديق الكاملين للتدابير العراقية بسبب بواعث قلق كبيرة حول نزاهة المحاكمات وسلامة الإجراءات في العراق، وكذلك بسبب وجود عقوبة الإعدام.

فريق التحقيق التابع لمجلس الأمن

في 21 سبتمبر/أيلول 2017، تبنى مجلس الأمن بالإجماع قرارا بإنشاء فريق تحقيق لجمع وحفظ الأدلة الخاصة بالجرائم الخطيرة التي ارتكبها تنظيم داعش في العراق، لكن لم تضم ولاية الفريق ما يتصل بانتهاكات القوات المقاتلة لداعش (انظر أدناه). منح القرار الولاية للأمين العام للأمم المتحدة بإنشاء فريق تحقيق يرأسه مستشار خاص لجمع وحفظ أدلة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، لاستخدام هذه الأدلة في المداولات الجنائية في العراق في المستقبل، أو ربما في محاكم وطنية أخرى. نص القرار على أن “أي استخدامات أخرى” للأدلة التي يجمعها الفريق “تُحدد بالاتفاق مع حكومة العراق في كل قضية على حدة”.

يطالب القرار الأمين العام للأمم المتحدة بأن يحضّر، خلال 60 يوما، اختصاصات “مقبولة لحكومة العراق” لتوجيه عمل فريق التحقيق، على أن يعتمدها مجلس الأمن. ذكر مجلس الأمن أن اختصاصات عمل الفريق يجب أن تنص على تعيين قضاة تحقيق عراقيين وخبراء جنائيين عراقيين آخرين في الفريق، “يعملون على قدم المساواة وجنبا إلى جنب مع الخبراء الدوليين”.

رغم أن قرار مجلس الأمن يشير إلى أن الفريق يجب أن يكمل تحقيقات العراق، فهو غير واضح في ما يخص كيفية تفاعل نشاط الفريق من حيث الممارسة مع التحقيقات الجارية من قبل قوات الأمن العراقية وقوات إقليم كردستان، وكيفية التنسيق مع الجهود غير الحكومية الأخرى في العراق، في ما يخص توثيق جرائم داعش.

على فريق التحقيق أن يضمن أن جهوده لا تُخاطر بمعاودة إحساس الضحايا والشهود بالصدمة، ولا تؤخر كثيرا من إحقاق العدالة لصالح الضحايا والمحتجزين في ظروف لاإنسانية. كما أنه ما إن يبدأ عمل الفريق، فعليه أن يلعب دورا إيجابيا في المطالبة بأن تنسب سلطات العراق الاتحادية وسلطات حكومة إقليم كردستان اتهامات بحق عناصر داعش المشتبه بهم تعبر بالكامل عن الجرائم التي ارتكبها التنظيم، وأن يحسن من فرص توفر حقوق سلامة الإجراءات الخاصة بالمشتبه بهم والمحتجزين، وأن يتبنى مقاربة أكثر تركيزا على الضحايا في إطار جهود المساءلة الوطنية، وأن يلغي و/أو يجمد عقوبة الإعدام. على الفريق أن يسعى إلى إقناع حكومة العراق بالسماح له بتوسيع تحقيقاته لتشمل التحقيق في انتهاكات جميع أطراف النزاع.

لا ينص قرار مجلس الأمن صراحة على استبعاد استخدام الأدلة في المداولات القضائية التي تؤدي إلى عقوبة الإعدام، وهي عقوبة من اثنتين نص عليهما قانون مكافحة الإرهاب الخاص بالحكومة العراقية، وهي العقوبة التي أنزلها القضاة في محاكم الحكومة العراقية وحكومة الإقليم بحق المدانين بموجب قانون مكافحة الإرهاب في نظام إقليم كردستان القضائي. لكن طالما المحاكم العراقية ومحاكم الإقليم تسمح بإنزال عقوبة الإعدام بعناصر داعش المشتبه بهم، فعلى فريق التحقيق ألا يمدها بالأدلة التي يجمعها لاستخدامها في المحاكمات الجارية ضد داعش، اتساقا مع سياسة الأمم المتحدة القائمة منذ زمن، بعدم دعم أو معاونة العمليات التي قد تؤدي إلى عقوبة الإعدام. في 10 أكتوبر/تشرين الأول، قال أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس: “لا مكان لعقوبة الإعدام في القرن 21″، واصفا إياها بأنها “ممارسة وحشية”.[195]

إنما على اللجنة دعوة السلطات العراقية على الأقل إلى تجميد تطبيق عقوبة الإعدام في هذه المحاكمات، وهناك سابقة لهذا حدثت مؤخرا، إذ وافقت الحكومة اللبنانية على تجميد عقوبة الإعدام فيما يتصل بمحاكمات المحكمة الخاصة بلبنان، ضمن اتفاق للحكومة مع الأمم المتحدة.[196]

لجنة العدالة والمساءلة الدولية

توسّعت “لجنة العدالة والمساءلة الدولية”، وهي مجموعة تحقيق دولية تعمل في سوريا منذ تأسيسها في 2012، لتشمل شمال العراق حيث تعمل بموجب مذكرة تفاهم مع حكومة إقليم كردستان.[197] لا تنص مذكرة التفاهم على علاقة مباشرة بين اللجنة وسلطات التقاضي العراقية أو سلطات التقاضي في إقليم كردستان، لكن أوكلت اللجنة ببناء القدرات المحلية وجمع الأدلة وتجميع ملفات القضايا الجاهزة للمحكمة، لاستخدامها في المحاكم الدولية والمحلية.

تقول لجنة العدالة والمحاسبة الدولية التي تمولها المملكة المتحدة، كندا، ألمانيا، النرويج والدنمارك، إنها تحقق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية التي نظمها وارتكبها أعضاء داعش، وفي الوقت نفسه فهي تبني قدرات حكومة إقليم كردستان على إجراء هذه التحقيقات بنفسها. بحسب نيرما جيلاسيتش، ممثلة اللجنة، تجمع اللجنة أدلة على الجرائم (أدلة تُظهر ارتكاب الجرائم)، فهي تركز بالأساس على جمع الأدلة السببية التي تُظهر التورط الجنائي لقيادات داعش ومشاركتهم في الجرائم. قالت جيلاسيتش إن جميع الأدلة تُخزن وتُحلل ثم توضع في ملفات جنائية أشبه بمذكرات ما قبل المحاكمة، بغرض استخدامها في الملاحقات القضائية في المستقبل. حتى الآن، أعدت اللجنة ملفات قضايا ضد داعش حول استرقاق النساء الإيزيدات والأطفال الإيزيديين، وما يخص عملية سنجار العسكرية، على حد قول جيلاسيتش.

أخبرت جيلاسيتش هيومن رايتس ووتش بأن اللجنة مستعدة لتسليم ملفات هذه القضايا إلى المحاكم المحلية والدولية طالما تراعي سلامة الإجراءات ومعايير المحاكمة العادلة، وتحظر عقوبة الإعدام. تركز اللجنة حاليا على تطوير قدرات التحقيق المحلية في العراق وفي الوقت نفسه فهي تعاون السلطات القضائية الوطنية في أوروبا التي قد تفتح قضايا ضد عناصر من داعش تورطوا في جرائم خطيرة، بما يشمل الملاحقات بمبدأ الولاية القضائية العالمية، وبموجبها يمكن للدول محاكمة الأفراد المسؤولين عن جرائم دولية، كجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي تقع في أراضي غير تابعة للدولة.

المحكمة الجنائية الدولية

العراق ليس دولة عضو في “نظام روما الأساسي” المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.[198] ما لم تصادق حكومة العراق على الاتفاقية أو تقبل ولاية المحكمة عن طريق إعلان بالقبول، لا يمكن للمحكمة الجنائية الدولية تحصيل الولاية القضائية على الجرائم الخطيرة المرتكبة هناك، إلا إذا أحال مجلس الأمن الوضع في العراق إلى المحكمة. يمكن لمجلس الأمن، بالاستعانة بما يُسمى “إحالة القضية للمحكمة الجنائية الدولية”، أن يعطي المحكمة ولاية تعود حتى عام 2002، وهي سنة بدء سريان نظام روما.[199]

طالب “الاتحاد الأوروبي” و”مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان” العراق بأن يصبح عضوا في المحكمة الجنائية الدولية، للسماح بالملاحقات القضائية المحتملة على جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية من قبل جميع أطراف النزاع.[200] لكن لم يُظهر العراق أي قبول لعضوية المحكمة. قال رئيس الوزراء حيدر العبادي لـ هيومن رايتس ووتش في مارس/آذار 2016 إن العراق لا يعتزم الانضمام إلى المحكمة، والدافع الظاهر هو أن تفحص المحكمة أيضا الجرائم التي ارتكبتها قوات أمن حكومية.

رغم أن العراق ليس عضوا بالمحكمة الجنائية الدولية، فإن للمحكمة ولاية على الجرائم الخطيرة المزعوم ارتكابها من قبل مواطني دول المحكمة الأعضاء، وهم في هذه الحالة مواطني دول ربما ارتكبوا جرائم خطيرة في العراق كعناصر داعش. لكن – انطلاقا من السياسات المعمول بها – يركز مكتب ادعاء المحكمة الجنائية الدولية على الأفراد الأكثر مسؤولية عن الجرائم الجماعية. في أبريل/نيسان 2015، قالت مدعية المحكمة فاتو بنسودا إن احتمالات قيام مكتبها بالتحقيق مع وملاحقة الأكثر مسؤولية عن الجرائم التي ارتكبتها داعش هي احتمالات محدودة.[201] قالت إن رغم وجود مؤشرات على انضمام “أعداد كبيرة” من مواطني دول أعضاء في المحكمة إلى صفوف داعش كمقاتلين أجانب، فإن قيادة التنظيم مكونة من مواطنين عراقيين وسوريين. في الوقت نفسه، قالت بنسودا إن مكتبها مستعد لاستقبال معلومات إضافية “قد تضيف مزيدا من التوضيح حول مناصب مواطني الدول الأعضاء بالمحكمة في سلسلة قيادة داعش”.[202]

التحقيقات في دول أخرى

تجري حاليا تحقيقات في بعض الدول الأوروبية ضد أفراد اتهموا بجرائم خطيرة في سوريا والعراق، بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية الذي ينص عليه القانون الدولي.[203]

في 2014، فتحت السلطات القضائية الألمانية تحقيقا أوليا واسعا، دون مشتبه بهم محددين، لفحص الجرائم المرتكبة من قبل داعش في كل من سوريا والعراق، بالتركيز على هجوم داعش على الأقلية الإيزيدية في سنجار بالعراق في أغسطس/آب 2014.[204] فضلا عن المذكور، تجري السلطات الألمانية 27 تحقيقا ضد أفراد متهمين بجرائم ارتكبت في سوريا والعراق.[205]

ربما كانت هناك تحقيقات أخرى جارية ولا تتوفر معلومات علنية عنها.

العودة إلى الأعلى
III. إفلات القوات العراقية وقوات إقليم كردستان من العقاب على الانتهاكات في النزاع مع داعش

وثقت انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها القوات العراقية وقوات حكومة إقليم كردستان في معاركها ضد داعش [206] طلبت هيومن رايتس ووتش معلومات من السلطتين حول وقائع عديدة، فيما يخص ما إذا كانت السلطات قد حمّلت القوات العراقية أو قوات حكومة الإقليم المسؤولية عن الانتهاكات، ولم تذكر الردود سوى أنه جاري التحقيق في الانتهاكات، دون معلومات عن نتائج هذه التحقيقات.

أقصى ما تعد السلطات العراقية فيه هو أن تحقق في وقائع الانتهاكات التي ارتكبها قواتها، لكن هذه التحقيقات نادرا، إن حدث من الأساس، ما تسفر عن كشف معلومات عن محاسبة أو معاقبة الجناة. في مثال مروع ظهر مؤخرا، تم نشر مقاطع فيديو بشعة على الإنترنت في مايو/أيار 2017 لعناصر عراقيين من “وحدة الاستجابة للطوارئ” الخاصة التابعة لوزارة الداخلية وهم يعذبون ويعدمون مشتبه بانتمائهم إلى داعش وأقارب لهم.[207] في يوليو/تموز، قال مستشار لرئيس الوزراء لـ هيومن رايتس ووتش إن الحكومة تحتجز 6 ضباط متورطين في مقاطع الفيديو وسوف يتم الإعلان عن الإجراءات المتخذة بحقهم، “لكن ليس قريبا، لأن هذا يتعارض مع رسائل النصر والتهنئة الحالية”.[208] في 17 أغسطس/آب، أصدر مكتب رئيس الوزراء بيانا حول إنشاء لجنة خاصة للتحقيق في أكثر من 20 ادعاء بالانتهاكات في سياق عملية الموصل، بما يشمل ادعاءات ضد عناصر وحدة الاستجابة للطوارئ.[209] وذكر البيان أنه تم توقيف عدد من العناصر الذين يواجهون المحاكمة.

في 17 سبتمبر/أيلول، قال رئيس الوزراء العبادي إن التحقيقات الأولية في ادعاءات الانتهاكات أثناء عملية الموصل توصلت لأن الانتهاكات نفذها أفراد ولم تكن “ممنهجة”.[210] قال لوكالة أنباء “أسوشيتد برس” إن الجنود الذين تبين أنهم مذنبون يُحاسبون، و”في الوقت الحالي نحن نستمع إلى كافة التقارير وكل الادعاءات، ولا يوجد مؤشر على أن هذه انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان”. كما ذكر أن الضباط المتورطين اتُهموا بالأساس بـ “الإهمال”، ما لم يتبين إصدارهم أوامر بارتكاب انتهاكات. وقت كتابة هذا التقرير، لم تقدم السلطات لـ هيومن رايتس ووتش أي تحديث حول المحاكمات بحق أي جنود أو ضباط، وتلقى الباحثون فيديوهات تظهر تورط نقيب وعريف من وحدة الاستجابة للطوارئ المتهمة بالانتهاكات، بشكل مباشر في أعمال تعذيب وإعدام أثناء قيادة قوات والمشاركة في العمليات العسكرية.

لم يكن حال التحقيق في انتهاكات الحشد الشعبي أفضل. في يوليو/تموز 2017، قابلت هيومن رايتس ووتش قاضيين في محكمة استئناف جنايات بغداد. أحدهما، وهو القاضي جبار حسين، مُكلف بالحكم في قضايا انتهاكات الحشد الشعبي، فضلا عن قضايا متصلة بمكافحة الإرهاب وقضايا جنائية أخرى ضد المحتجزين من قبل الشرطة الاتحادية والحشد الشعبي.[211] في حين قال في البداية للباحثين إنه أصدر أحكاما في 57 قضية ضد عناصر الحشد الشعبي، فقد قال بعد هذا إن القضايا كانت في واقع الأمر ضد أفراد تظاهروا بأنهم من الحشد الشعبي، ولم يكونوا كذلك. لم يتمكن من ذكر قضية واحدة لاتهام عنصر من الحشد الشعبي بأية جريمة.

رغم السجل المقلق لانتهاكات الحشد الشعبي ضد المدنيين العراقيين، فإن الحكومة العراقية مستمرة في منهجها إزاء الحشد الذي يتلخص في الإشادة والإطراء بلا تحفظ. في مطلع 2015، وضع مجلس القضاء الأعلى على أوراق مخاطباته الرسمية شعارات تشيد بقوات الحشد الشعبي.[212] اشتملت الشعارات على الجمل التالية: “الحشد الشعبي سند ظهير للجيش العراقي الباسل” و”بجيشنا والحشد الشعبي العراق اقوى وأمضى”.

بالمثل، رغم وعود من سلطات حكومة إقليم كردستان بالتحقيق في تدمير قوات الإقليم لقرى وبيوت عربية سنية، وهي أعمال وثقتها هيومن رايتس ووتش، فعلى حد علم الباحثين، لم تعاقب السلطات أي قادة أو جنود أمروا بالهدم أو شاركوا فيه.[213] أقرت “الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان” في إقليم كردستان العراق بصحة نتائج هيومن رايتس ووتش التي نُشرت في يناير/كانون الثاني 2017 بأن قوات الأسايش عذبت أطفال مشتبه بانتمائهم إلى داعش.[214] قالت سلطات الإقليم لـ هيومن رايتس ووتش إنها فتحت تحقيقا في الادعاءات، لكن حتى أواخر سبتمبر/أيلول 2017 لم تكن التحقيقات على ما يبدو قد أدت إلى نتائج، ولم تكن السلطات قد عاقبت أي ضباط أمروا بالمعاملة السيئة أو شاركوا فيها.[215]

العودة إلى الأعلى

التوصيات

العدالة الانتقالية

على جميع سلطات حكومتيّ العراق وإقليم كردستان المعنية أن تنخرط في نقاشات لإعداد استراتيجية وطنية للملاحقات القضائية لداعش، وفي جملة من المبادرات الأخرى، ومنها آليات كشف الحقيقة والتعويض، من أجل التصدي لجرائم داعش.
يجب أن تشمل الاستراتيجية مكونا للتواصل مع الجمهور حول جميع العمليات القضائية والمطالبة بمشاركة الضحايا.
على السلطات فورا إعداد استراتيجية منسقة لمنح الأولوية للمحاكمات بحق من ارتكبوا الجرائم الأخطر، عن طريق نسب اتهامات عن كل الجرائم المرتكبة، مع وجود دور واضح لمشاركة الضحايا.
على السلطات إعطاء الأولوية لمحاكمات المشتبه بانتمائهم إلى داعش المسؤولين عن أخطر الجرائم، عن طريق نسب اتهامات حول هذه الجرائم تحديدا.
بالنسبة للمشتبه بعضويتهم في داعش فقط، دون وجود أدلة على ارتكاب جرائم خطيرة أخرى، لا سيما الأطفال، على السلطات التفكير في بدائل للمحاكمات الجنائية، وهو الأمر الذي يعيق نظام القضاء ويسبب ازدحام السجون، ولا يوفر العدالة للضحايا أو يساهم في انتقال العراق نحو مستقبل أكثر سلما.
على السلطات – في الحد الأدنى – أن تُسقط الاتهامات ضد من كانت مهامهم في صفوف داعش المساعدة في حماية حقوق الإنسان الخاصة بالمدنيين.
إذا صممت السلطات على محاكمة أكبر نطاق ممكن من المشتبه بهم، بما يشمل المحاكمة لمجرد العضوية في تنظيم داعش دون ارتكاب جرائم أخرى، فعليها أن تسرّع عجلة المحاكمة لمن تُنسب إليهم اتهامات صغيرة وأن تفرج سريعا عمن يستحقون الإفراج بموجب قانون العفو. سيساعد هذا في التصدي لمشكلة ازدحام السجون.
كبديل للملاحقات القضائية، على السلطات إعداد آليات لكشف الحقيقة، تكون لها ولاية وصلاحيات كبيرة، بما يشمل حق استدعاء الشهود، والتصدي للانتهاكات المرتكبة من قبل كافة أطراف النزاع، لتكمل العمليات القضائية وآليات التعويض القائمة.
على السلطات إعداد وتنفيذ برنامج تعويض يراعي النوع الاجتماعي، عن طريق عملية شفافة وتشاورية مع الناجيات ومنظمات حقوق المرأة واتساقا مع المعايير الدولية، لصالح جميع ضحايا الانتهاكات الحقوقية الجسيمة المرتكبة أثناء النزاع، وتشمل العنف الجنسي.
أعمال الفحص والتوقيف والاحتجاز

إلى القوات العراقية وقوات إقليم كردستان المسؤولة عن الاحتجاز

عدم احتجاز سوى الأفراد الذين أصدرت بحقهم المحاكم أوامر توقيف.
عدم احتجاز الأطفال إلا كحل أخير.
إدخال أسماء جميع المحتجزين في قواعد البيانات ذات الصلة التي تُخزن أسماء المحتجزين.
الإحالة السريعة لجميع المحتجزين إلى قضاة يمكنهم النظر في قانونية احتجازهم وضرورته، بحسب كل حالة على حدة.
ضمان اتهام المحتجزين جميعا على الفور أو الإفراج عنهم.
إلى وزارة الداخلية العراقية

ضمان أن القوات التي لديها ولاية قانونية بالفحص والاحتجاز هي فقط التي تقوم بذلك.
ضمان الالتزام بقرار رئيس الوزراء الصادر في 5 يونيو/حزيران 2017، الذي طالب فيه وزارة الداخلية بإبلاغ أهالي المحتجزين في عملية الموصل بأماكن احتجازهم.
ضمان الالتزام بقرار وزير الداخلية الصادر في 13 يوليو/تموز 2017، الذي طالب فيه قوات الوزارة بعدم احتجاز الأفراد إلا بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي (رقم 23/1971)، مادة 93.
إلى وزارات العدل والصحة والداخلية العراقية وفي حكومة إقليم كردستان

إبلاغ أهالي المشتبه بانتمائهم إلى داعش بأماكن احتجازهم، بما يشمل بمساعدة الشرطة المحلية وإدارة المخيمات والوسطاء الآخرين إذا دعت الحاجة.
ضمان تواجد محامين مع عناصر داعش المشتبه بهم، إما المعينين من الدولة أو من يوكلوهم، أثناء جميع جلسات الاستجواب والمحاكمة.
إصدار معلومات علنية ومنتظمة ومحدثة عن تدابير الاحتجاز والاتهامات والإدانات لعناصر داعش المشتبه بهم.
ضمان تنفيذ أعمال احتجاز عناصر داعش المشتبه بهم بما يتسق مع قوانين أصول المحاكمات الجزائية ذات الصلة، والمطالبة بوجود أوامر توقيف صادرة عن المحاكم، ومثول المحتجزين أمام قضاة في ظرف 24 ساعة.
ضمان إيداع المحتجزين في مرافق مفتوحة أمام التفتيش الحكومي والمراقبين الدوليين لظروف الاحتجاز والأقارب والمحامين بصورة منتظمة.
إجراء فحص طبي لجميع المحتجزين لدى وصولهم، وتوفير الرعاية الطبية المناسبة.
تمكين المفتشين الحكوميين والمراقبين الدوليين لظروف الاحتجاز من الوصول إلى كافة المنشآت حيث يوجد محتجزين.
نشر معلومات علنية عن عدد ادعاءات المعاملة السيئة للمحتجزين، وعدد المسؤولين الحكوميين المحكوم عليهم إثر التحقيق في الادعاءات.
إلى وزارات العدل والداخلية والعمل والشؤون الاجتماعية بالحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان

إعداد بدائل للملاحقات القضائية والاحتجاز للأطفال المشتبه بانتمائهم إلى داعش، بما يشمل برامج مناسبة لإعادة التأهيل وإعادة الدمج لمساعدتهم على العودة للمجتمع.
إلى وزارات العدل والصحة والداخلية العراقية

ضمان أن كافة المحتجزين الأطفال يتواجدون في منشآت مناسبة للأحداث، وأنهم منفصلون عن البالغين، وأن تُتاح لهم برامج التعليم وإعادة التأهيل.
نقل جميع محتجزي نينوى إلى السجون الرسمية المخصصة لاستضافة المحتجزين، والمجهزة لتلبي المعايير الدولية الدنيا، وتشمل فصل الأطفال عن البالغين، وتوفير دورات المياه الكافية والمناسبة وإتاحة مرافق الاستحمام بانتظام، وإتاحة الرعاية الصحية الفورية. إلى أن يتحقق هذا، إيلاء الأولوية لتحسين الظروف القائمة.
تأهيل سجني الموصل بحيث يمكن نقل محتجزي نينوى إلى مرافق احتجاز ملائمة مبنية لهذا الغرض، من أجل تقليل الظروف اللاإنسانية الحالية للاحتجاز.
إلى وزارتي العدل والداخلية العراقيتين ومجلس القضاء الأعلى

إخلاء سبيل المستحقين للعفو بموجب قانون العفو العام، والنظر في أمر منح العفو في كل القضايا التي لم يتورط فيها الأفراد في جرائم جسيمة بخلاف العضوية في داعش.
الاستمرار في إصدار بيانات علنية محدثة بانتظام حول أعداد من أُفرج عنهم بموجب قانون العفو العام، مع إتاحة معلومات عن الاتهامات المنسوبة إليهم.
إلى برلمان إقليم كردستان العراق

التفكير في إصدار قانون للعفو بنهاية أعمال القتال مع داعش، كما يقترح القانون الإنساني الدولي، على أن يُستثنى من القانون من ارتكبوا جرائم خطيرة مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
إلى مجالس القضاء في العراق وإقليم كردستان العراق

توجيه القضاة إلى الأمر بنقل المحتجزين أو السجناء الذين يتواجدون في ظروف مهينة ولاإنسانية إلى مرافق تراعي المعايير المناسبة، وإذا أمكن، التفكير في بدائل للاحتجاز.
توجيه القضاة لوقف المحاكمات التي يدعي فيها المحتجزون بتلقي معاملة سيئة وفتح تحقيقات كاملة ومستقلة في الادعاءات، وعدم الأخذ بأي اعترافات انتزعت بالإكراه.
إصدار توجيهات للقضاة والادعاء حول القضايا الواجب ملاحقتها وتلك التي يجب إسقاطها.
إصدار توجيهات للقضاة والادعاء باتهام الأفراد بكل الجرائم التي ارتكبوها، بموجب قانون العقوبات، أو على الأقل توثيق الجرائم كما وردت في قانون العقوبات، أثناء مرحلة التحقيق، حتى إذا كان سيُتهم المشتبه بهم فقط بموجب قوانين مكافحة الإرهاب.
توجيه القضاة للأمر بإخلاء سبيل كل الأطفال الذين لم تنسب إليهم بعد اتهامات رسمية.
ضمان تقديم القضاة جميع قضايا الأطفال المدانين بالعضوية في داعش إلى لجنة لتقييم استحقاقهم للترشح للعفو.
مقاضاة المشتبه بهم الأطفال فقط كحل أخير، مع الالتزام التام بالمعايير الدولية لعدالة الأحداث، وبغرض أن تكون أي عقوبة مفروضة تهدف إلى التأهيل وإعادة دمج الطفل بالمجتمع.
توجيه القضاة لإسقاط عقوبة الإعدام في مختلف القضايا التي أدين فيها أفراد بجرائم متصلة بداعش.
الكشف علنا عن جميع إجراءات المحاكمة والإدانات لتحري الشفافية، لإظهار أن النظام القضائي قابل للمحاسبة أمام مجتمعات الضحايا، ولدعم تهيئة سردية تاريخية دقيقة عمّا وقع من جرائم.
توفير تدريب للقضاة يراعي النوع الاجتماعي، بما يشمل التعامل مع جرائم العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
إلى وزارات العدل والداخلية ومجالس القضاء في العراق وإقليم كردستان العراق

السعي إلى ضمان مشاركة الضحايا والشهود في المحاكمات، بما يشمل اتخاذ خطوات لإصدار معلومات معلنة عن المحاكمات المقبلة للمشتبه بهم، وعند الإمكان، الاتصال بمجتمعات الضحايا لطلب حضورهم أثناء المحاكمات المتصلة بهم، وتمويل وتيسير انتقال أهالي الضحايا للمشاركة في المحاكمات.
اتخاذ خطوات لضمان المشاركة الآمنة، بما يشمل إتاحة تقديم الشهادات مجهولة الهوية، إذا لزم الأمر.
السماح للضحايا باستخدام المحاكمات كفرصة للشهادة حول الأذى الذي تعرضوا له، وطرح أسئلة على المدعى عليهم، بموجب القانون.
التحقيق في جميع الجرائم المزعومة، ومنها القتل غير القانوني والتمثيل بالجثث، من قبل أي طرف في النزاع، بشكل فوري وشفاف وفعال، وحتى أعلى المناصب، ومقاضاة من تتبين مسؤوليته الجنائية.
التشاور مع الناجين والمجموعات المعنية الأخرى، ومنها منظمات حقوق المرأة، في إعداد مقاربة تركز على الضحايا لتحقيق العدالة، بما يشمل ضمان سرية المعلومات والبيانات، وسياسة متكاملة للتعويض تتفق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما يشمل برامج للتعامل مع وصم الضحايا.
إلى الرئيس العراقي ورئيس حكومة إقليم كردستان

تعليق تطبيق عقوبة الإعدام وتجميد هذه العقوبة.
تخفيف العقوبات بحق من يواجهون عقوبة الإعدام إلى السجن المؤبد.
إلى البرلمان العراقي وبرلمان إقليم كردستان العراق

التصديق على نظام روما الأساسي ليصبح العراق عضوا في المحكمة الجنائية الدولية.
ضمّ جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية إلى قانون العقوبات.
إلغاء عقوبة الإعدام.
الانضمام إلى “البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب”.
إلى البرلمان العراقي

إصدار مشروع قانون مكافحة التعذيب الذي ينظر فيه البرلمان.
إلى الفاعلين الدوليين الداعمين لإنصاف الضحايا في العراق

دعم تأهيل سجون الموصل.
تمويل مراقبين دوليين لظروف الاحتجاز في السجون المحتجز بها عناصر داعش المشتبه بهم، الذي يجب عليهم نشر تقاريرهم.
الضغط على سلطات العراق وسلطات إقليم كردستان لفتح ملاحقات قضائية في أخطر جرائم داعش، وإعداد بدائل للملاحقات الجنائية ضد من يشتبه فقط بعضويتهم في داعش، دون ارتكاب جرائم إضافية.
الضغط على سلطات العراق وإقليم كردستان لبدء ملاحقات قضائية تشمل جميع الجرائم المرتكبة، بما يشمل الجرائم التي ينص عليها قانون العقوبات، وعلى الأقل، توثيق الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات أثناء مرحلة التحقيق، حتى إذا اتُهم المتهمون بموجب قوانين مكافحة الإرهاب فقط.
دعوة السلطات العراقية إلى ضمان حصول جميع المدعى عليهم – ومنهم مواطني الدول المختلفة – على محاكمات عادلة تراعي الحق بسلامة الإجراءات، وعدم إنزال عقوبة الإعدام، سواء كانت المحاكمات في العراق أو بلاد أخرى.
حث السلطات العراقية على ضمان إتاحة الخدمات والدعم القنصلي لمواطني الدول الأخرى الذين يواجهون اتهامات، وتوفير تمثيل قانوني لهم.
دعم أهالي الضحايا للمشاركة في المحاكمات الجارية، بما يشمل من خلال تمويل جهود إبلاغ الضحايا بالمحاكمات القائمة ودفع رسوم انتقالهم إلى ومن المحاكم المنعقدة بها الجلسات.
المطالبة بضم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية إلى قانون العقوبات، بما يشمل المعاقبة لمختلف مستويات المسؤولية الجنائية، مثل مسؤولية القيادة.
المطالبة بتصديق العراق على نظام المحكمة الجنائية الدولية والبروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب.
تمويل أنشطة تدريب قضاة مكافحة الإرهاب على الحاجة للتحقيق في وملاحقة عناصر داعش المشتبه بهم على مخالفاتهم لقانون العقوبات.
تمويل الفاعلين الدوليين لتنفيذ مراقبات للمحاكمات في محاكم الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان.
المطالبة بمحاكمات لعناصر القوات المقاتلة لداعش المشتبه بارتكابهم جرائم في سياق المعركة ضد داعش.
دعم البرامج التي تقدم بدائل للاحتجاز والمحاكمة، ومنها آليات كشف الحقيقة، والتأهيل والدمج بالمجتمع للأطفال المشتبه بانتمائهم إلى داعش.

رابط مختصر