السعودية تحاول منافسة إيران في العراق

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 25 نوفمبر 2017 - 12:02 مساءً
السعودية تحاول منافسة إيران في العراق

قصة غرام» جديدة يتم نسجها بين دولتين بعد 14 سنة من الاغتراب المتبادل. فقد مرت بضعة أشهر منذ إدانة العراق للسعودية وطرد سفيرها، التي مثلت خطوة أخرى في إطار سنوات من العلاقة العكرة. ولكن في الشهر الماضي طرأ تغيير: السعودية برئاسة الملك سلمان أنشأت مع العراق لجنة تنسيق مشتركة قامت فعليا بتوقيع اتفاقات اقتصادية بوجود الراعي الأمريكي، وزير الخارجية ريكس تلرسون. وبعد بضعة أسابيع على إنشاء اللجنة، اجتمعت مرة أخرى لتوسيع التعاون. خلال 27 سنة منذ احتلال الكويت من قبل صدام لم تهبط طائرات سعودية في العراق، وفجأة ظهر وفد سعودي تجاري رفيع المستوى في مطار بغداد، وتم استقباله بحفاوة، أيضا من قبل وسائل الإعلام العراقية.

العودة للعراق لكبح جماح طهران

«الاكتشاف الجديد» للعراق من قبل السعودية لا ينفصل عن الحرب الشاملة التي تديرها المملكة من أجل كبح نفوذ إيران. ولكن مثلما هي الحال في سورية ولبنان، يبدو أن هذه العملية أيضا جاءت متأخرة جدا. لقد كان للسعودية فرص كثيرة من أجل التواصل مع العراق، مباشرة بعد حرب الخليج، لكنها فضلت مواصلة معاقبة العراق على أنه طور علاقات متشعبة مع إيران، حتى تحول إلى دولة تحت وصاية إيران، وإلى الشريك التجاري الأكبر لإيران. الجانب الأهم هو موافقة إيران على العلاقة المتجددة بين العراق والسعودية. يبدو أن سبب ذلك هو أن طهران متأكدة من التزام العراق تجاهها. وأكثر من ذلك، إذا حسن العراق علاقاته مع السعودية وحظي بشرعية أكبر في العالم العربي، فإن هذا يثبت أن علاقته الوثيقة مع إيران لا تحوله إلى دولة منبوذة. هكذا، إذا كانت السعودية مستعدة لاستثمار المليارات في العراق فإن هذا جيد للعراق وإيران أيضا. وهذا هو التكتيك عينه الذي اتبعته إيران تجاه لبنان، الذي كان يحظى باستثمارات سعودية كبيرة من دون أن يؤثر ذلك في قدرة إيران في التأثير في سياسة لبنان.
العلاقة بين السعودية والعراق يمكن أن تدلل على تحول استراتيجي للسعودية بخصوص الأزمة السورية. الافتراض السعودي يرتكز على الواقع السياسي الذي رسخ روسيا وإيران صاحبي بيت في سورية. قدرة السعودية بالتأثير في الحل السياسي الذي ترسمه روسيا يتلخص بتأثيرها في مليشيات المتمردين الذين يحظون برعايتها. يبدو أن السعودية توصلت إلى استنتاج لا مناص من أن تصل إليه، وهو أن عليها أن تختار لنفسها جبهات جديدة من أجل أن تحارب فيها ضد إيران، والعراق يمكن أن يشكل ساحة محتملة لمواجهة كهذه، لا سيما من أجل منع خلق ما اعتيد تسميته «محور الشر» الذي يربط إيران مع سورية بممر بري.
من أجل تحقيق هذا الطموح يجب على السعودية إقناع الحكومة العراقية برئاسة حيدر العبادي على إبقاء القوات الأمريكية في العراق، برغم أن الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وصلت إلى نهايتها من خلال احتلال المدينة الأخيرة رافا، التي كانت تحت سيطرة التنظيم. العبادي ينتظر في الحقيقة ولديه إعلان رسمي بانتهاء الحرب، لكن إيران سبقته عندما أعلن الرئيس حسن روحاني وقائد قوة القدس قاسم سليماني في هذا الأسبوع أنه «تم تحقيق الهدف بالكامل». الحرب ضد داعش في العراق وصلت إلى نهايتها. هذه التصريحات أعاقت داعش في تنفيذ عدد من العمليات الدموية في الأيام الأخيرة، وهو ما زال حتى الآن نشيطا في بؤر في الصحراء الغربية للعراق في محافظة الأنبار.
يوجد لهذه التصريحات الإيرانية تداعيات استراتيجية مهمة، حيث أن تفسيرها هو أن إيران تستطيع الآن أن تسحب قواتها من المناطق العراقية وتطالب بأن تقوم قوات التحالف الغربي، وبالأساس الولايات المتحدة، بالانسحاب من الدولة. لا يوجد لإيران مشكلة في سحب قواتها من العراق، لأنها ستواصل تمويل وتدريب المليشيات الشيعية العاملة كقوات مساعدة للجيش العراقي، التي تعتبر الآن جزءا لا يتجزأ من الجيش العراقي. وبذلك تحافظ على الموقع العسكري الذي يوجد لها في العراق.

وضع القوات الأمريكية

مسألة وجود القوات الأمريكية تحولت بناء على ذلك إلى موضوع مختلف فيه في البرلمان العراقي، الذي يستعد للانتخابات التي يتوقع إجراؤها في شهر أيار المقبل. عدد من أعضاء البرلمان يعتقدون أنه يجب الموافقة على الوجود الأمريكي بشرط أن يقتصر على التوجيه والتدريب، لكن ليس قوة عسكرية مقاتلة. عدد آخر من الأعضاء يعارضون بشدة وجود أي قوة أجنبية. في هذا الخلاف يمكن للسعودية أن تستخدم رافعة تضغط على العبادي من أجل الموافقة على بقاء القوات الأمريكية، لكن ليس هناك أي تأكيد أن العبادي سيخضع لذلك. مثال على الصعوبة التي يمكن أن تفشل الضغط السعودي هو تصريح الانفصالي الشيعي مقتدى الصدر في هذا الأسبوع، بأنه سيدعم رئيس الحكومة الحالي في الانتخابات المقبلة. الصدر، الذي لديه جيش خاص، كانت له مواجهات كثيرة مع العبادي، حتى أنه بادر إلى تنظيم مظاهرات ضده حتى في هذه السنة أيضا. من الواضح أنه إذا كان الأمر هكذا فإن لهذا التحول المفاجئ ثمنًا: الصدر يعارض بشدة الوجود الأمريكي في العراق، وربما يريد جباية الدين من خلال الطلب من العبادي العمل ضد الوجود الأجنبي. إضافة إلى التعقيد الدولي الذي سيضطر العراق فيه للمناورة بين طموحات السعودية والولايات المتحدة وضغط وتأثير إيران، التي ستطلب من العبادي مواجهة المشكلات الشديدة في الداخل، التي أثارتها الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. عودة مئات آلاف المواطنين العراقيين إلى منازلهم تجري ببطء شديد. وفي المدن التي تم تحريرها من داعش مثل الموصل ونينوى، فإن الحياة بعيدة عن أن تكون طبيعية.
مواطن عراقي عرف نفسه باسم بدران، قال لموقع «نقاش» العراقي «في الأسابيع الأخيرة جاء إلى بيتي مقاتلون من خمس مليشيات مختلفة، وقاموا بفحص بطاقات هُوياتنا». جاره قتل بأيدي مجهولين والمواطنون يخشون من الخروج من البيوت خوفا من التعرض لهم من قبل رجال المليشيات الذين قسموا بينهم السيطرة في مدينة الموصل. موظفو الدولة الذين يعيشون في مدن تم تحريرها لا يحصلون على الرواتب برغم وعود الحكومة.
لقد نشر في هذا الأسبوع أن نحو 800 أرملة وطفل من أبناء تنظيم الدولة الإسلامية الأجانب تم نقلهم إلى منشأة اعتقال في بغداد من المنشأة التي كانوا فيها في شمال الدولة خوفا من أن يقوم المدنيون بالانتقام منهم.
في مدينة الأنبار التي حررت قبل سنتين تقريبا، ترفض السلطات تجنيد مواطنين من ابناء المكان في صفوف الشرطة برغم النقص في القوة البشرية. إذا كان قد عمل في المحافظة قبل الحرب أكثر من 28 ألف شرطي، فإن العاملين فيها الآن أقل من النصف. شقيقان من أبناء المدينة من عائلة بيجاري، اللذان انضما إلى قوات القبائل التي حاربت ضد داعش، حصلا على تعهد بأن يتم تجنيدهما للشرطة بعد انتهاء الحرب. في هذه الأثناء أحدهما قتل والآخر جرح وأصبح معوقًا. التعهد لم ينفذ ولم يتم دفع تعويضات عن الإصابة.
مواطنون من المدينة قالوا إن النظام يرفض تجنيد سكان المنطقة السنّة خوفا من أنهم ما زالوا مخلصين للدولة الإسلامية. إن تنكر النظام يدفع السكان إلى الانضمام إلى «مكان العمل» الوحيد المفتوح أمامهم، صفوف المليشيات المحلية التي يوجد لكل واحدة منها ولاءها القبيلي الخاص بها. هذا أيضا مصير أكثر من 4 آلاف شرطي خدموا في الشرطة قبل الحرب، والآن لا يتم قبول عودتهم إلى العمل.
إن الخوف المبرر من مقاتلي داعش العراقيين الذين نزعوا الزي العسكري ويبدون الآن مدنيين، يجبر القوات الأمنية على القيام بفحص مشدد من أجل منع إعادة تنظيمهم، وجمع السلاح الكثير الذي بقي في أيدي مدنيين بعد الحرب، والدفاع عن المدنيين الأبرياء الذين يعيشون في المناطق التي كانت تحت سيطرة التنظيم من تصفية الحسابات. هذه مهمات ثقيلة جدا على الشرطة والجيش، تتطلب أيضا الحفاظ على النظام العام. ونتيجة لذلك، آلاف العائلات تنتظر الفحص والتحقيق ولا تستطيع العودة إلى بيوتها.

بلد غني مكبل بالديون

ولكن من ينجح في العودة يجد أنه ليس له ما يعود من أجله. مئات آلاف المنازل هدمت وهي بحاجة إلى استثمارات ضخمة، ما زالت الحكومة غير مستعدة لاستثمارها. العراق هو دولة غنية، ولديها احتياط نفطي يعتبر الثالث في العالم بعد إيران والسعودية. ولكن لديها عجز في الميزانية يبلغ 20 مليار دولار تقريبا، ودين يقدر بـ 133 مليار دولار. في السنة المقبلة سيبدأ العراق في دفع تعويضات للكويت بسبب الأضرار التي تسبب بها في حرب الخليج الأولى. وليس واضحا من أين ستأتي الأموال لإعادة تأهيل المدن وتعويض المصابين في الحرب.
المواطنون السنّة قلقون بدرجة كبيرة من أن سلم أولويات الحكومة سيميز ضدهم وسيجدون أنفسهم على هامش ميزانية الدولة بصورة ستزيد من الشعور بالاحباط الكبير الذي يوجد لديهم أصلا. من هنا ستكون المسافة إلى المواجهة العنيفة مع النظام قصيرة وخطيرة.
هذا التطور يقلق إيران، التي أيضا في فترة ولاية رئيس الحكومة السابق نوري المالكي طلبت الاهتمام باحتياجات السكان السنّة من أجل منع المواجهات التي من شأنها أن تمس استقرار الدولة. المالكي عمل بالضبط العكس، ودفع السكان السنّة إلى مساعدة داعش في احتلال مناطق في العراق. وبصورة متناقضة إيران من شأنها هذه المرة أن تكون الدرع الواقية للسنّة العراقيين، ليس فقط من أجل استقرار النظام في العراق، بل من أجل كبح «المؤامرة» السعودية لأن تضم إلى صدرها القطاع السنّي واستخدامهم وسيلة للتأثير في العراق.
بهذا الشكل يمكن أن تنمو لها حلبة المصارعة الإقليمية المقبلة التي لا تبشر بخير.

تسفي برئيل
هآرتس 24/11/2017

كلمات دليلية
رابط مختصر