كردستان العراق ـ مأزق الاستفتاء والحسابات الخاطئة

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 24 نوفمبر 2017 - 10:50 صباحًا
كردستان العراق ـ مأزق الاستفتاء والحسابات الخاطئة

“منطقتنا تصدر ثلاثة أشياء تهم أوروبا: النفط واللاجئين والإرهاب”. هذا التصريح حول الشرق الأوسط يعكس واقعا مرا. وهو يشرح، وبعيدا عن القضايا الأخلاقية، لماذا يجب أن نهتم بما يحصل في العراق أو على وجه الخصوص في إقليم كردستان. هذا ما قيل في بداية مؤتمر حول مستقبل شمال العراق في الأكاديمية البروتستانتية في بلدة لوكوم بولاية سكسونيا السفلى.
وشارك في المؤتمر أشخاص من جهات متعددة، منهم مثقفون أكراد وخبراء في مراكز أبحاث من تركيا وإيران وروسيا وإسرائيل وسفير سابق لبغداد في واشنطن وممثلون عن أكراد المهجر، إيزيديون ودبلوماسيون ألمان وشخصيات من الجيش الألماني.
نهاية جزيرة الاستقرار
طوال ربع قرن تقريبا شكلت المنطقة الكردية العراقية معقلا للاستقرار في منطقة مضطربة جدا. والآن صارت هي مكانا للتوترات، التي تتطور إلى نزاع عسكري. فبعد طرد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) الإرهابي من العراق تظهر الفجوات بين الأكراد والحكومة المركزية في بغداد. والاستفتاء حول الاستقلال في الـ 25 من سبتمبر بموافقة الغالبية العظمى بنسبة 93 في المائة لصالح دولة كردية مستقلة شكل منعطفا.

وهذه الخطوة كانت ضد إرادة الحكومة المركزية في بغداد ومخالفة لتحذيرات المجتمع الدولي. إسرائيل وحدها هي التي دعمت التطلعات الاستقلالية للأكراد العراقيين. وذلك جزئيا لتخمينات استراتيجية، كما قالت الخبيرة الإسرائيلية للشؤون الكردية أوفرا بينغيو التي أوضحت أن ذلك يعود لأسباب أخلاقية بوجه خاص: “نحن نعتقد أن الأكراد تألموا بنفس الطريقة مثل اليهود. ولم ننسى أن الأكراد هم الذين مكنوا أكثر من 1000 يهودي عراقي من الفرار، عندما تعرض اليهود للاضطهاد في العراق”.
الاستفتاء: حسابات خاطئة
الأكراد، كما عكس ذلك الرأي السائد في ندوة بلدة لوكوم ارتكبوا خطأ فادحا بتنظيم الاستفتاء. ووضع الأكراد تدهور منذ ذلك الحين: فهم خسروا مناطق خارج منطقة الحكم الذاتي استولوا عليها خلال معارك ضد تنظيم “داعش” وبسطوا نفوذهم عليها ـ بينها المنطقة الغنية بالنفط حول مدينة كركوك. وهذه المناطق سيطرت عليها الآن ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية بالاشتراك مع القوات الحكومية العراقية.
وحقيقة أن يكون البشمركة، الذين قاتلوا بنجاح ضد “داعش” تخلوا بلا قتال عن مواقعهم ، فإن ذلك يعود في المقام الأول إلى خلافاتهم الداخلية والصراع الكردي على السلطة، حسب رأي خبير الشؤون السياسية الكردي مصلح إرفاني. وأوضح أرفاني أن بعض القادة الأكراد “أبرموا اتفاقات سرية مع الحكومة العراقية والحشد الشعبي حول مراقبة المناطق المتنازع عليها”. ومكن ذلك من تفادي حرب أهلية دموية. لكن الكثيرين من الأكراد يعتبرون ذلك خيانة.

وفي الوقت نفسه يعترف الخبير إرفاني بأن عملية بناء مجتمع مشترك في كردستان العراقي قد فشلت. فيما كان الأكراد يملكون الوقت طوال عقدين ونصف من الزمن منذ إقامة منطقة حظر طيران في 1992 للعمل على استقلالهم باستمرار، بحيث أنهم توفروا حتى موعد الاستفتاء في نهاية سبتمبر على جميع المواصفات لدولة مستقلة: قوى أمن ونظام عدالة ومراقبة للحدود وجوازات خاصة بل حتى كتب مدرسية.
لا حوار مع بغداد
وعلى هذا الأساس لا يفهم لقمان فايلي لماذا أصرت الحكومة الإقليمية الكردية على الاستفتاء. السفير السابق للعراق في الولايات المتحدة الأمريكية أكد أمام دويتشه فيله أن بغداد لم تفهم المراد من الاستفتاء، “ناهيك عن الضرورة الملحة التي أرادت حكومة الإقليم الكردي فرضها على بغداد”. ويعترف فايلي بأن موعد تجربة الخطوة نحو الاستقلال كانت مواتية بالنسبة إلى الأكراد: فالحرب ضد “داعش” تم كسبها بمساعدة الأكراد على الأقل عسكريا، وصورة الأكراد في العالم كانت إيجابية، والحكومة المركزية في بغداد ضعيفة. لكنها لم تكن لحظة مواتية لبغداد: “إذا أردنا التوصل إلى وضع رابح ، يجب التباحث مع بغداد. وهذا النقاش لم يتم”، كما ينتقد السفير السابق.
كما أن الحكومة الإقليمية الكردية قرأت المعطيات جيو سياسية بشكل خاطئ. فالأكراد لم يكونوا داخليا مستعدين للاستقلال. ويذكر فايلي هنا بعض النقاط المستعصية مثل “مشاكل مع الإدارة والشفافية ونقص الوحدة داخل البشمركة بخصوص الأموال وإلى آخره”. وخلاصة الدبلوماسي العراقي السابق هي أن “الاستفتاء أدى إلى انفجار ومعالجة استفزازية للسياسة الكردية”.

تمديد مهمة الجيش الألماني
وفي بلدة لوكوم تبين أيضا أن الحكومة الألمانية كانت تنتقد بقوة الاستفتاء. برلين ترفض خطوات أحادية الجانب نحو الاستقلال، وكانت تأمل في حصول حوار بين الأطراف. كما أن برلين ترفض التصعيد من جانب بغداد وتطالب بحل سلمي. كما تبين أن ألمانيا ترغب في مواصلة دعم المنطقة الكردية العراقية، علما أن هناك حاجة ملحة لإصلاحات على الجانب الكردي. ومهمة تدريب الجيش الألماني يُراد لها أن تمتد، حسب تصويت داخل البرلمان الألماني إلى نهاية أبريل ـ على الرغم من أن علاقة البشمركة مع القوات الحكومية العراقية التي تدعمها أيضا ألمانيا تبقى متوترة جدا.
والمؤكد هو أن وحدة العراق المطالب بها من كثير من الجهات تضررت بقوة ـ وذلك ليس انطلاقا من الاستفتاء على الاستقلال. وذكر مصلح إرفاني أن العراق تمخض عن تصميم بريطاني بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. ويفيد إرفاني بأن جهاز دولة موحد لم يوجد في أي وقت طوال نحو مائة عام. وأشار إلى أنه يستبعد حاليا وفي المستقبل المنظور بزوغ عراق موحد.
المساعدة بشروط
رئيس معهد بحوث الشرق الأوسط في أربيل أوصى بأن تساهم ألمانيا في تحقيق إدارة راشدة عندما اقترح ربط المساعدة الشاملة التي تقدمها ألمانيا ودول مانحة أخرى للعراق والمنطقة الكردية بشروط، وقال:” السياسيون يجب عليهم العمل على استقرار بلدهم. يجب عليهم دعم إدارة حكومية راشدة وبناء دولة القانون وتشييد المؤسسات والتكاثف”. وأوضح هذا الخبير الكردي أن زعماء الأكراد سيرحبون بهذه الشروط، لأنهم “يحتاجون إلى هذه الحوافز لإقناع زملائهم وأنصارهم”.
ماتياس فون هاين/ م.أ.م

كلمات دليلية
رابط مختصر