سرُّ صمت الغرب عن تصرفات بن سلمان.. احتجز رئيسين ودمر أفقر بلد في المنطقة

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 15 نوفمبر 2017 - 3:36 مساءً
سرُّ صمت الغرب عن تصرفات بن سلمان.. احتجز رئيسين ودمر أفقر بلد في المنطقة

ماذا يحدث لو احتجزت إيران حليفها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وأعلنت استقالته من طهران؟!

بهذا السؤال الافتراضي، يبدي مهدي حسن الأستاذ المساعد بجامعة جورج تاون الأميركية، دهشته في مقال بموقع The Intercept الأميركي إزاء صمت الغرب وخاصة أوروبا عن احتجاز ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لزعيمين منتخبين هما رئيس وزراء لبنان سعد الحريري والرئيس اليمني عَبَد ربه منصور هادي.

الاستخبارات الألمانية توقعت تصرفاته

ويلفت الكاتب إلى أنه في ديسمبر/كانون الأول 2015، وزََّع جهاز الاستخبارات الاتحادي الألماني مذكرةً من صفحةٍ ونصف على وسائل الإعلام المختلفة بعنوان: “المملكة العربية السعودية – قوة إقليمية سُنّيّة مُمزَّقة بين تغيير نهج السياسة الخارجية وترسيخ الوضع السياسي المحلي”. كانت الوثيقة صادمة جداً، سواء في فظاظتها غير الدبلوماسية، أو تنبؤاتها الملفتة للنظر.

وحذَّرت الوثيقة من “أنَّ الموقف الدبلوماسي الحذر الحالي لكبار أعضاء العائلة المالكة السعودية سيحل محله سياسة تدخُّل متهورة”، وركَّزت على دور محمد بن سلمان الذي عُيِّن ولياً لولي العهد ووزيراً الدفاع وهو في سن الثلاثين في وقتٍ سابق من ذلك العام.

وكتب المحللون أنَّ كلاً من محمد بن سلمان، المعروف بـ”مبس” أو “MbS”، ووالده المُسِن، الملك سلمان، يرغبان في أن يُنظَر للمملكة العربية السعودية على أنَّها “زعيمة العالم العربي”، وانتهاج سياسةٍ خارجية مبنيّة على “عنصرٍ عسكري قوي”.

لكنَّ الوثيقة أشارت أيضاً إلى أنَّ وضع هذا القدر من السلطة في قبضة أميرٍ شابٍ واحد “يُخفي خطراً يكمن في أنَّ سعيه إلى إثبات نفسه ليكون ضمن خط الخلافة بينما لا يزال والده على قيد الحياة قد تجعله يتخذ خطواتٍ متهورة”، وأضافت: “قد يؤدي ذلك إلى أن تتحمَّل العلاقات مع الدول الصديقة، والدول الحليفة قبل أي شيء، في المنطقة أعباءً تفوق طاقتها”.

وهذا ما حدث فعلاً. في الواقع، على الرغم من تنكُّر الحكومة الألمانية لتحذير جهاز الاستخبارات الاتحادي الألماني حينها لأنَّها كانت أكثر اهتماماً بشأن العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع الرياض، اتضح أنَّه كان دقيقاً على نحوٍ مخيف.

رئيسان محتجزان

ولتنظروا إلى الأحداث الأخيرة في الخليج. هل يمكن لأحدهم أن يُقدِم على فعل شيءٍ أكثر “تهوراً” من حشد 11 أميراً غيره، بمن فيهم واحد من أغنى الرجال في العالم وقائد الحرس الوطني، واحتجازهم في فندق ريتز كارلتون بتهمة الفساد؟ خصوصاً وأنَّ محمد بن سلمان، الذي أمر بتنفيذ الاعتقالات بعد ساعاتٍ قليلة من إنشاء والده لجنةً لمكافحة الفساد، وتعيينه مسؤولاً عنها، ليس نموذجاً للنزاهة والشفافية هو الآخر.

فعلى سبيل المثال، كيف حصل ولي العهد على أكثر من 500 مليون دولار أنفقها على شراء يختٍ فاخر أثناء قضاء عطلته في جنوب فرنسا العام الماضي 2016؟

هل بإمكاننا أن نصف إجبار أحدهم لرئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري على الاستقالة أثناء زيارته لبلده، ثم وضعه تحت شكلٍ من أشكال الإقامة الجبرية، بأنَّه أي شيء سوه كونه “تدخُّلياً” (على الرغم من أنَّ سعد الحريري، الذي كان موالياً للسعودية لفترةٍ طويلة، يزعم علناً خلاف ذلك، ويقول إنَّه سيتوجه إلى بيروت هذا الأسبوع)؟ أو ماذا عن احتجاز الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي أيضاً؟ فوفقاً لتحقيقٍ أجرته وكالة أسوشيتد برس الأميركية: “منعت السعودية الرئيس اليمني، بجانب ابنيه، وعدد من الوزراء والمسؤولين العسكريين، من العودة إلى ديارهم لأشهر”.

حقيقة أن يكون ولي عهد المملكة العربية السعودية قادراً على اختطاف زعيمين منتخبين لدولتين من دول الشرق الأوسط، واحتجاز ولي العهد السعودي السابق، محمد بن نايف، في قصره، تنبئ بالكثير، ليس فقط عن “سياسة التدخُّل المتهورة” التي يتبعها محمد بن سلمان، بل أيضاً عن تغاضي الحكومات الغربية عن مثل هذا السلوك الفاسد.
إيران تفعل مثله

يقول الكاتب تخيَّل رد فعل المجتمع الدولي إذا كانت إيران قد احتجزت، على سبيل المثال، رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي على الأرض الإيرانية بعد إرغامه على الاستقالة عبر التلفزيون الإيراني. ومع ذلك، قرَّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب كتابة تغريدة يدعم فيها ولي العهد ووالده: “لدي ثقة كبيرة في الملك سلمان وولي عهد المملكة العربية السعودية، إنَّهما يعيان تماماً ما يفعلان”.

ولم يكن الأوربيون الأكثر رصانةً بحالٍ أفضل. فقد حيَّا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارةٍ مفاجئةٍ للرياض الأسبوع الماضي الأمير محمد بن سلمان على “دفع بلاده للانفتاح، ودعمه للإسلام المعتدل”.

وفي الوقت ذاته، هل من المفترض أن نصف الخلاف بين دول الخليج، الذي جاء بتحريضٍ من السعودية ودعمٍ من الإمارات، بشيءٍ آخر عدا كونه “أمراً يفوق طاقته”، حسب الوصف الذي ورد بوثيقة الاستخبارات الألمانية، قام به محمد بن سلمان؟

لقد افترض ولي العهد السعودي والمُقرَّبون منه أنَّ دولة قطر الصغيرة المسالِمة ستأتي راكعةً في غضون أسابيع، إن لم يكن أيام. غير أنَّ القطريين، وبعد مرور خمسة أشهر، لا يزالون يرفضون قائمة المطالب السعودية/الإماراتية الطويلة (بما في ذلك إغلاق شبكة الجزيرة الإعلامية المملوكة للدولة) ولجأوا لخصمي محمد بن سلمان الإقليميين الرئيسيين، إيران وتركيا. أحسنت صنعاً ولي العهد!

أسوأ أزمة إنسانية في العالم

وبعد ذلك هناك اليمن. فبعد مرور أكثر من عامين على بدء قصف أثرى بلدان الشرق الأوسط لأفقرها، لا تبدو في الأفق أي نهاية. ويتولَّى محمد بن سلمان مسؤولية هذا الصراع الكارثي، فقد دفع باتجاه حدوثه، ودافع عنه، وقام بتصعيده.

لكن ألم يكن الهجوم الصاروخي الحوثي الأخير على الرياض – الذي وصفه ولي العهد بأنَّه “عدوان عسكري مباشر شنَّه النظام الإيراني” – دليلاً على فشلٍ كامل للإستراتيجية العسكرية السعودية؟ ألم يكن من المفترض أن يكون سلاح الجو الملكي السعودي قد هزم هؤلاء المتمردين الحوثيين المزعجين بالفعل؟ لكن بدلاً من ذلك، أصبح اليمن يشهد أسوأ أزمة إنسانيةٍ في العالم، والتي ضاعفها محمد بن سلمان، بصفته وزيراً للدفاع، بصورةٍ مخجلة حين أمر الأسبوع الماضي بإغلاق جميع منافذ الدخول إلى اليمن.

يحيل أي شيء رماداً

بدايةً من لبنان، وانتقالاً إلى قطر واليمن، أثبت محمد بن سلمان، الذي يشيد به الكثيرون، أنَّه لا يضع بصمته في شيءٍ إلا ويحيله رماداً. وربما يكون مُعِدّو تلك الوثيقة المذهلة في جهاز الاستخبارات الاتحادي الألماني قد قلَّلوا من مقدار الكارثة التي سيجلبها الابن المُفضَّل للملك سلمان على المملكة، أو على المنطقة بأكملها.

لكن الحقيقة التي قد تزعج البعض هي أنَّ ولي العهد ليس فقط متهوراً، بل وغير كفءٍ أيضاً، وليس فقط طموحاً، بل وطائشاً كذلك. ويُعَد محمد بن سلمان أيضاً قومياً وصقراً صارِماً ينوي تحويل الحرب الباردة السعودية/الإيرانية التي طال أمدها إلى حربٍ ساخنة جداً، على استعدادٍ حتى للتحالف مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من أجل فعل ذلك. إذا كان محمد بن سلمان هو “زعيم العالم العربي” الجديد.. فكان الله في عون العالم العربي.

كلمات دليلية
رابط مختصر