أميرة سعودية كانت شاهدة على التهديدات التي تلقاها.. كيف هرب بريطاني فضَح فساداً في السعودية بملايين الدولارات!

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 13 نوفمبر 2017 - 5:24 مساءً
أميرة سعودية كانت شاهدة على التهديدات التي تلقاها.. كيف هرب بريطاني فضَح فساداً في السعودية بملايين الدولارات!

اعتقد ضابط الجيش المتقاعد إيان فوكسلي أنَّه وَجَدَ الوظيفة التي يحلم بها بالإشراف على عقدٍ بقيمة 1.96 مليار جنيه إسترليني (2.6 مليار دولار) لترقية وسائل الاتصال الدفاعية في عاصمة المملكة السعودية، الرياض.

ولكن في المقابل، اكتشف ما اعتقد أنَه دليلٌ على مُخطَّط رشوة بملايين الجنيهات، وحاول الكشف عن هذا المُخطَّط، وقرَّرَ الهرب من البلد بدلاً من المخاطرة بالبقاء هناك.

خدم فوكسلي في الجيش البريطاني لمدة 24 عاماً، قبل الانتقال إلى مجال الاتصالات في القطاع الخاص.

وفي العام 2010، وَجَدَ إعلاناً في جريدة ذا سانداي تايمز البريطانية عن وظيفة مدير عمليات في شركة المقاولات الدفاعية GPT (وهي الآن شركة إيرباص)، وفي يونيو/حزيران من العام نفسه ذهب إلى المملكة السعودية لبدء عمله في مشروعٍ يمتد طيلة عشرة أعوام لصالح وزارة الحرس الوطني السعودية.

وأصبح فوكسلي مديرَ البرنامج في إحدى المشروعات إذ يعمل على توفير اتصالات عبر الأقمار الاصطناعية وشبكة داخلية دفاعية لوزارة الحرس الوطني السعودية، وهو العمل الذي أنهت وزارة الدفاع البريطانية تعاقدها به لصالح شركة GPT كجزءٍ من مُذكِّرة تفاهم بين المملكة المتحدة والحكومات السعودية.

ثالث مدير في 6 أشهر

وبعد عمله في القطاع الخاص والقطاع العام، وبنائه شبكتين من الألياف البصرية، علاوة على شبكةٍ داخليةٍ أيضاً، قال فوكسلي إنَّه كان واثقاً في “عدم وجود أي شيء يجهله في هذا المشروع”.

ولكن سرعان ما اكتشف فوكسلي أنَّه ثالث مدير في غضون ستة أشهر – وقد رحل هو أيضاً في ديسمبر/كانون الأول. بعد فترة ليست بالقليلة من وصوله، قال: “بدأت الأمور تتصاعد بصورةٍ عدائية، لأنَّها لم تكن تبدو سليمة”.

هذه قصة الطريقة التي كَشَفَ بها فوكسلي ما يزعم أنَّه مُخطَّطٌ منهجي في شركة إيرباص لرشوة مسؤولين سعوديين، وهو ما يُحقِّق فيه الآن مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة في بريطانيا.

وقال مُتحدِّثٌ رسمي من شركة إيرباص لموقع Business Insider الأميركي: “يُجري مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة في المملكة المتحدة تحقيقاً رسمياً في النواحي المُتعلِّقة بأعمال شركة GPT Special Project Management Limited في المملكة السعودية، وهي تابعة لشركة إيرباص التي تُجري أعمالاً حصرية لوزارة الدفاع البريطانية.

نواصل الاشتراك كليةً وبصورةٍ بنَّاءة مع مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة ولكن لن نبدي مزيداً من التعليقات في ما يخص التحقيق”.

بدأت الأمور تصبح كريهة

في اجتماعٍ مع Business Insider في لندن، ظهر فوكسلي بمظهرٍ أنيق إذ كان يرتدي بدلة قاتمة الزرقة، ويحمل مظلةً بتصميمٍ مُمَوَّه، في إشارةٍ إلى عمله السابق في الجيش.

بعد فترةٍ ليست طويلة من بداية عمله في السعودية، قال فوكسلي إنَّه شهد دفع مبالغ مالية ضخمة من أجل “خدماتٍ مُقدَّمة من مُورِّد خارجي” في أول مشروع رئيسي لشركة GPT كان مطلوباً منه الموافقة عليه.

وقيل له إنَّها خدماتٌ مُقدَّمة من مصادر خارجية، ولكن التكلفة بلغت 1.6 مليون جنيه إسترليني (2.1 مليون دولار) أكثر من أجر المقاول الرئيسي.

ومن المبلغ الإجمالي للعقد الذي يصل قيمته 1.96 مليار جنيه إسترليني (2.6 مليار دولار)، قال إنَّ “الخدمات المُقدَّمة من مُورِّدٍ خارجي” بلغت 16% من التكاليف، وهو أكبر “مبلغ يُدفع” إلى مقاول فرعي.

ويتذكر أنَّه كان يفكر في هذا المقاول الغامض الذي “لم يُقدِّم لي أي خدمة. ولم يمنحني أي منتج. ولم أره مطلقاً، لم أر أياً منهم، ولم أسمع عن أيٍ منهم”.

كانت هذه لحظة اندهاشٍ حسب قوله. فقد بدأ يطرح أسئلة، و”بدأت الأمور تصبح كريهة”.

وقال فوكسلي إنَّه يشك الآن في أن كانت هناك أجورٌ سرية للمقاول الفرعي في كل مشروع من تعاقدات شركة GPT والتي تعود إلى عام 1978.

وقدَّر القيمة الإجمالية للعقود منذ ذلك الوقت بنحو 5 مليارات جنيه إسترليني (6.6 مليار دولار)، فقال: “إذا جمَّعت 16% من مبلغ 5 مليارات جنيه إسترليني، فذلك يعني أنَّ المبلغ يقرب من 750 مليون جنيه إسترليني (993 مليون دولار) في المبالغ المدفوعة للخدمات المقدمة من مُورِّدٍ خارجي”. وزعم أنَّ هذه المبالغ غير المُبرَّرة كانت رشاوى لمسؤولين سعوديين.

وبعد بضعة محاولات للبحث عن حقيقة هذا الأمر، تلك المحاولات التي تضمَّنَت التحدُّث إلى المراقب المالي السابق بالشركة (وهو رجلٌ قال إنَّهم أخبروه أنَّه “مجنون” وقد حاول مسبقاً كشف الأمر) تمكَّن فوكسلي من الحصول على مستنداتٍ قال إنَّها تُثبِت تاريخ الرشاوى التي يصل مبلغها الإجمالي ملايين الجنيهات الإسترلينية، وأرسلها إلى عميد يعرفه في وزارة الدفاع في الرياض.

وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، تلقى اتصالاً هاتفياً من مديره الإداري، والذي دعاه للحضور إلى مكتبه. كما كانت حاضرةً هناك مديرة الموارد البشرية، وهي أميرةٌ سعودية. سأله مديره الذي علم أنَّ فوكسلي أرسل المستندات عبر البريد الإلكتروني إلى وزارة الدفاع، عن شكوكه، وزادت حدة النقاش.

ووفقاً لما قاله فوكسلي، فقد هدَّدَه المدير بعد ذلك بسجنه لسرقة معلومات سرية.

وتابع: “قلت لنفسي عندها: لقد قُضي عليك لأنَّه إذا اتصلت الأميرة السعودية بالشركة هنا واتهمتك بالسرقة، لن تجد مخرجاً، ستهلك بالتأكيد”. لذلك قال: “هذه المحادثة لن تنجح في أي شيء”. وذهب خارجاً.

وصف فوكسلي المرور عبر أبواب التأمين في القاعدة العسكرية مع بطاقة الدخول، وصياح المدير نحوه من الخلف. وعندما خرج أخيراً اتصل بالعميد، الذي أرسل له سيارةً عسكريةً لإحضاره.

الهروب على طريقة جيمس بوند

قال مبتسماً: “هنا تحوّلت الأمور لما يشبه أفلام جيمس بوند”.

بعد جلب بعض الأغراض الأساسية من منزله -والذي كان “أشبه كثيراً بسجنٍ تأديبي فاخر”- قابل فوكسلي زميلاً له كان قد أُرسل ضمن مجموعة للبحث عنه. ولحسن الحظ، قال إنَّ ذلك الرجل كان يدين له بفضلٍ ما. وقال: “قلت له، امنحني 10 دقائق. وكان ذلك وقتاً كافياً لي للخروج من المجمَّع السكني والإفلات من المطاردة”.

وأُخِذَ فوكسلي إلى منزل آمن، وأوصله عقيدٌ بالجيش إلى المطار في وقت لاحق من تلك الليلة.

وعند توديعهما لبعضهما عند نقطة فحص جوازات السفر، قال العقيد: “إذا قاموا بإيقاف جواز سفرك سيجلبونك إلى هنا. وسأذهب إلى المنصة وأراقب الأمر. سأتصل أولاً بالسفير، ثم بالعميد. أتمنى لك حظاً سعيداً”.

استعد فوكسلي نفسياً لذلك، وقدَّم جواز سفر، وسُمِحَ له بالمرور. وانتظر حتى ابتعدت الطائرة عن الرياض، ثم طلب زجاجة ويسكي كبيرة ثم “انهار”.

وعند عودته إلى المملكة المتحدة، قضى بضعة أيام في كتابة تقرير عن اكتشافاته، والتي أرسلها إلى “مصدرين موثوق بهما” في عام 2010، مرفقة بتعليمات لإرسالها مباشرةً إلى مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة إذا “حدث له أي شيء”، وكتب ملحوظة “لست انتحارياً بالمناسبة”.

ويوجد تقرير فوكسلي الآن في مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة، الذي قال العام السابق أنَّه فتح تحقيقاً في عملية احتيال ورشوة وفساد محتملة في شركة إيرباص. ولم تُوجَّه أي اتهاماتٍ بعد، ولكن يتوقَّع فوكسلي اتخاذ إجراء في الستة أشهر القادمة، قبل تقاعد مدير مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة ديفيد غرين في أبريل/نيسان.

ولا يزال أمر توجيه اتهامات ضد أشخاص بعينهم وفي جرائم معينة أمراً غير معروف بعد.

ووفقاً لما قاله فوكسلي، توجد صعوبة أخرى في الأمر وهي أنَّ عقود شركة GPT/إيرباص، والتي لا تزال مفعَّلة، قد وافق عليها مسؤول رفيع المستوى في وزارة الدفاع؛ فقد كان الاتفاق الأصلي ما بين الحكومة البريطانية والحكومة السعودية، مع أنَّ شركة GPT/ إيرباص هي من نفذت العمل.

قال مُتحدِّث رسمي بوزارة الدفاع: “نفهم أنَّ مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة يجري تحقيقاً جنائياً في المزاعم المتعلقة بشركة Special Project Management والنواحي المتعلقة بأعمالها في المملكة العربية السعودية. وسيكون من غير الملائم التعليق على ما يجري”.

ورفض مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الخطيرة التعليق على الأمر، لأنَّ التحقيقات ما زالت جارية.

قال فوكسلي إنَّه يجب اتخاذ إجراء صارم، من أجل إنهاء فكرة أنَّ الاشتراك في عملية رشوة يكون ببساطة أحياناً “تكلفة لممارسة الأعمال التجارية”.

وتساءل: “إلى أي مدى يجب أن تكون كبيراً وإلى أي مدى يجب أن يكون العميل كبيراً للإفلات من العقاب؟ هل هذه سرقة أم عمل؟”.

كلمات دليلية
رابط مختصر