“على أكراد سوريا أن يتعلموا من درس كردستان العراق مع واشنطن”

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 19 أكتوبر 2017 - 11:35 صباحًا
“على أكراد سوريا أن يتعلموا من درس كردستان العراق مع واشنطن”

يتواصل التصعيد بين بغداد وأربيل بعد أسابيع من استفتاء كردستان العراق الذي أعقبه استعادة بغداد سيطرتها على كركوك، وسط انتقادات كردية للقوى الغربية بسبب عدم تدخلها، فهل تخلى الغرب فعلا عن الأكراد؟ وإن صح ذلك فما هي أسبابه؟
بينما يعيش أكراد سوريا نشوة الانتصار الذي حققته قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيا في الرقة معقل تنظيم داعش الإرهابي، تتزايد خيبة أمل أكراد العراق بعد حوالي ثلاثة أسابيع من احتفالهم بتنظيم استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق، حيث استعادت القوات العراقية بسهولة السيطرة على مدينة كركوك الاستراتيجية ومناطق محيطة بها، وسط اتهامات للغرب بعدم التدخل لثني بغداد عن السيطرة على منطقة متنازع عليها.
واليوم يبدو مسعود برزاني رئيس إقليم كردستان العراق في وضع لا يحسد عليه، حسب بعض المتابعين للشأن الكردي، فمن جهة، وعكس ما وعد به أكثر من مرة، انسحبت قوات البيشمركة دون مقاومة من كركوك أهم منطقة متنازع عليها مع بغداد في مشهد كشف عمق الخلافات الكردية الداخلية.
ومن جهة أخرى فقد تحول مسعود برزاني في نظر البعض من رمز لمشروع الاستقلال إلى مسؤول عن حالة الفوضى التي قد يدخل فيها الإقليم على إثر التطورات الأخيرة. وكل هذا في غياب أي إشارات دعم أمريكي أو غربي بشكل عام لأربيل في مواجهة بغداد والقوى الإقليمية المعارضة لاستقلال الإقليم.
فهل تخلى الغرب فعلا عن أكراد العراق؟ وإن كان ذلك صحيحا، فماذا تغير بعد أن كانت واشنطن وقوى غربية أخرى تعول كثيرا على الأكراد خاصة فيما يتعلق بملف مكافحة الإرهاب؟
موقف غير متوقع
في بداية العام الجاري صرح رئيس الإقليم مسعود برزاني بأنه يأمل في أن يزداد دعم الولايات المتحدة الامريكية لإقليم كردستان في عهد الرئيس الجديد دونالد ترامب، مؤكدا على أن كبار مسؤولي إدارة ترامب “أصدقاء كردستان”، وبنبرة واثقة عبر عن أن الأكراد لن يتخلوا عن مشروع الاستقلال. وفي نفس المناسبة أكد برزاني أن قوات البيشمركة الكردية لن تنسحب من بعض المناطق المتنازع عليها والتي تمكنت من فرض سيطرتها عليها. لكن على الواقع، لم تكتف واشنطن بالتزام الحياد حيال تنظيم استفتاء في الإقليم بل عارضته بشدة معتبرة أن إجراءه في الوقت الحالي سيعزز خطر الإرهاب وسيجعل الحوار مع بغداد بدعم دولي أمرا مستبعدا.
مواقف القوى الغربية الكبرى الأخرى جاء مشابها لموقف واشنطن بدرجات متفاوتة. ورغم ذلك مضى الأكراد في مشروعهم. اليوم وبعد سيطرة بغداد على كركوك التي أشركها الأكراد في الاستفتاء، يرى بيار دوسكي أستاذ الجامعة الأمريكية في دهوك(كردستان) أن الأكراد لم يتوقعوا أن يخذلهم الغرب بهذا الشكل. ويشرح ذلك في حوار أجرته مع DW عربية بالقول:”كنا نعلم أن المسؤولين الأمريكان المكلفين حاليا بالشأن العراقي منحازون للحكومة المركزية ولإيران فيما يتعلق بالملف العراقي ولكن لم نتوقع مثلا أن يكون هناك صمت عن هذا التدخل الإيراني الصارخ، وعن تدخل الجيش العراقي، المدعوم بميليشات الحشد الشعبي الطائفية، بهذا الشكل في منطقة متنازع عليها أصلا. وفي ظل ما يحدث الآن من عمليات حرق بيوت وسرق ممتلكات وإعدامات ميدانية تنفذ من طرف هذه الميليشيات لا نستعبد تحول كركوك إلى موصل ثانية”.
ويذكر أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر قالت إن انتقال السيطرة على كركوك حدث على ما يبدو بعد معارك قليلة وإن عدد المصابين لا يتجاوز العشرات. وسياسيا عبرت الإدارة الأمريكية عن حيادها حيال التصعيد العسكري المستجد بين بغداد وأربيل ودعتهما إلى ضبط النفس.
وواجه مسعود برزاني اتهامات من عدة أطراف بسبب الإصرار على إجراء الاستفتاء في توقيت اعتبرته الكثير من الدول الغربية غير مناسب، بينما اعتبرت بعض الدوائر الكردية هذا الاستفتاء مشروعا شخصيا لبرزاني يسعى من خلاله لتجديد شرعيته الساسية على بعد وقت قصير من الانتخابات في الإقليم. وذهب بعض المراقبين إلى أن القيادة الكردية أصرت على هذا التوقيت، رغم المعارضة الكبيرة، حتى لا تنتظر إلى وقت لا يعود فيه للغرب حاجة كبيرة للأكراد بعد هزيمة داعش.
أما دوسكي فيرى أن برزاني اتخذ قرار تنظيم الاستفتاء بناء على إرادة شعبية لهذا فهو لم يخطئ خاصة أنه أكد على عدم نيته هو وأفراد عائلته الترشح في الانتخابات. ويضيف “الغرب يرى أن التوقيت غير مناسب، وكل توقيت سيتخذه الأكراد للاستقلال كان سيكون دائما غير مناسب بالنسبة له، فالدعم الذي قدمه لنا الغرب كان بناء على مصالحه وهو يدعمنا في حدود هذه المصالح، حتى الدعم بالأسلحة كان محدودا جدا، فالأمريكان يبعثون به لبغداد وهي تُسلح قوات الحشد الشعبي بعشرة أضعاف ما تحظى به البيشمركة لأن أقصى ما تريده واشنطن هو التنسيق الأمني مع الأكراد أي أن يكون كردستان العراق شركة أمنية كأي شركة أمنية أمريكية والأكراد يرفضون ذلك”. أما في ما يخص تدخل بغداد فيقول دوسكي إن الأكراد كانوا يعلمون أنه آت عاجلا أم آجلا وليس في الاستفتاء سوى ذريعة لما تقوم به بغداد الآن وبالتالي فالتوقيت لا يلعب أي دور”.
“الإقليم في مواجهة تهديد وجودي”
وكانت قوات عراقية مشتركة قد بدأت ليلة الأحد الماضي حملة عسكرية للسيطرة على كركوك ومواقع محيطة بها، وشاركت في هذه الحملة قوات من الحشد الشعبي، المكونة من فصائل شيعية بعضها يحظى بدعم من طهران. وبينما انسحب البيشمركة دون مقاومة من هذه المناطق فيما أوحى بوجود تنسيق مسبق مع بغداد، خرج برزاني ليعتبر هذا الانسحاب قرارا أحادي الجانب من جهة داخل كردستان. وبالاضافة لأهمية كركوك المعنوية بالنسبة لكردستان، فإنها مورد غني للنفط الذي يعد الضمان الوحيد لقابلية أي دولة كردية للحياة.
ومع التطورات الحالية يرى دوسكي أن الموضوع الآن أصبح أكبر من استفتاء، فالإقليم الآن يواجه في اعتقاده تهديدا وجوديا. ويضيف “في عهد صدام كنا نواجه عنصرية عرقية أما الآن فهي عنصرية طائفية فالجيش العراقي الحالي طائفي مائة بالمائة وتتحكم فيه ميليشيات أيديولوجية مرتبطة بإيران، والغرب يلتزم الصمت”.

ويربط دوسكي بين المواقف السياسية لبعض الدول الغربية كبريطانيا مما يحدث في كركوك، ومصالحها الاقتصادية، فقد دعا وزير النفط العراقي اليوم شركة “بريتش بتروليوم” البريطانية العملاقة لدعم بلاده من أجل تطوير حقول النفط في كركوك. ويعتبر دوسكي أن تصرف حكومة بغداد بهذا الخصوص غير مشروع على اعتبار أن كركوك منطقة متنازع عليها.
وفيما يعيش أكراد العراق خيبة أمل كبيرة، ينتشي أكراد سوريا بهزيمة تنظيم داعش في معقله في سوريا. إذ تهيمن قوات حماية الشعب الكردية على ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية التي تخوض بدعم أمريكي الحرب ضد تنظيم داعش في سوريا. وعن ما تعنيه الخلافات الكردية العراقية بالنسبة لأكراد سوريا، يؤكد دوسكي على أن أكراد سوريا يجب أن يكونوا أكثر عقلانية فيما يتعلق بالاعتماد على واشنطن، “بخلاصة يجب أن يتعلموا من درسنا السيء من الأمريكان”.
ماذا وراء الموقف الألماني؟
وفيما يتعلق بمواقف القوى الغربية الأخرى يرى دوسكي أنه لا توجد أي قوة غربية تتحرك دون إشارة من واشنطن. “رأينا ذلك عندما حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التدخل ثم تراجع بإيعاز من الأمريكان”. لكن الموقف الألماني يبقى الأقل انسجاما من التوجه الغربي، بحسب دوسكي، حتى مع إعلان برلين وقف تدريب قوات البيشمركة الكردية بسبب التصعيد الحالي. ويشرح الخبير الكردي ذلك بالقول: “بيان وزارة الخارجية الألمانية يبقى الأكثر توازنا مقارنة مع المواقف الغربية الأخرى ولا ننسى أن وقوف ألمانيا مع الأكراد في الحرب ضد داعش كان قويا. أما تعليق تدريب البيشمركة فسيكون مؤقتا وهو مفهوم لأن الألمان أكدوا منذ البداية على أن الدعم الذي يقدمونه يجب أن يقتصر على المساعدة في محاربة داعش فقط، وقد التزمت البيشمركة بذلك عندما هاجمت القوات العراقية كركوك”.

وصرحت وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير لاين بان التدريب توقف “حتى لا نوجه رسالة خاطئة”. وقال متحدث باسم الحكومة اليوم إن تعليق التدريب أمر مؤقت واستئنافه سيعتمد على المتابعة اليومية للوضع في العراق.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، دعا وزير الخارجية زيغمار غابرييل كل الأطراف في شمال العراق لوقف الأعمال العسكرية فورا والدخول في محادثات مباشرة. وقال في بيان “الصراع بين إقليم كردستان العراق والحكومة العراقية يثير قلقنا البالغ”. وتابع “ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بوجود حل عسكري للتوتر الذي تصاعد في العراق في الأيام الماضية”.

يشار إلى ألمانيا شريك رئيسي لأكراد العراق. وقدمت 32 ألف قطعة سلاح من البنادق والمدافع الرشاشة فضلا عن أسلحة أخرى بلغت قيمتها نحو 90 مليون يورو منذ سبتمبر أيلول عام 2014. ويتمركز نحو 130 جنديا ألمانيا في أربيل لتدريب مقاتلين أكراد.
وركزت الصحافة الألمانية بشكل كبير على خبر وقف تدريب القوات الكردية، فقد اعتبر موقع فولفسبورغر ألغيماينه أن الأكراد محبطون من الحكومة الألمانية بعد قرارها الأخير، وفي نفس الاتجاه عنونت جريدة زود دويتشه تسايتونغ مقالا لها حول الموضوع بـ”البيشمركة يشعرون بأنه تم خداعهم”. صحيفة فرنكفورتر روندشاو اعتبرت أن ألمانيا وكغيرها من شركائها الغربيين تقف على خط الوسط في الصراع بين أربيل وبغداد على اعتبار أن متحالفة مع كليهما في الحرب ضد داعش.

سهام أشطو/خ.س

رابط مختصر