رحلة الكرد.. جمهورية أولى بإيران وصولا لإقليم في العراق

مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 19 أكتوبر 2017 - 4:45 مساءً
رحلة الكرد.. جمهورية أولى بإيران وصولا لإقليم في العراق

لندن – رمضان الساعدي
مرة أخرى تدخل القضية الكردية في ذاكرة التأريخ السياسي، إثر استفتاء مثير للجدل أقدم عليه إقليم كردستان العراق دون مراعاة الظروف الإقليمية والدولية بهدف تقرير المصير حول الاستمرار بدولة مركزية واحدة في #بغداد أو #الانفصال عنه وتحقيق الطموح الكردي الذي لم يجد منفذا للنجاح حتى الآن.
وذلك بعد أكثر من 70 عاما على إعلان تأسيس دولة كردية في #إيران، عرفها التأريخ السياسي بـ “جمهورية مهاباد” ويكمن التشابه بين المحاولتين لتحقيق الاستقلال أو إيجاد الكيان الكردي على أراضيه، هو أن الأكراد الإيرانيين استغلوا توغل الاتحاد السوفيتي في الأراضي الإيرانية في أربعينيات القرن الماضي وفرار شاه إيران رضا بهلوي من البلاد، فقام القائد الكردي قاضي محمد بإعلان جمهورية مهاباد في 22 يناير 1946 التي انتهت بإعدامه في31 مارس 1947 حيث لم تستمر دولته سوى 11 شهرا.

جمهورية مهاباد
وتم إطلاق اسم جمهورية مهاباد وليس كردستان الكبيرة، كما كان متوقعا لأنها لم تشمل سوى مدينة مهاباد ومدن صغيرة في أطرافها، وتختلف حدودها كثيرا عن الوضع الحالي للأكراد في إيران حيث يتوزعون على أكثر من محافظة إيرانية أهمها محافظة كردستان وكرمانشاه وعيلام وآذربيجان الغربية.
أما أبناء جلدتهم في العراق فكان احتلال العراق عام 2003، الفرصة الكبيرة حيث هيأت لهم الأرضية المناسبة لإبراز وجودهم السياسي على الساحة العراقية بعد فراغ كبير على المستويين السياسي والعسكري، إثر انهيار الدولة العراقية خصوصا أن قرار حل الجيش العراقي السابق على يد الحاكم المدني الأميركي، بول بريمر، ساعد في بزوغ نجم قوات البيشمركة وهي الذراع العسكرية للقيادات الكردية فقام #الأكراد بتأسيس الشرطة المحلية وبرلمان يقوم بانتخاب حكومة محلية لديها خيارات واسعة داخل الإقليم وخارجه، منها بيع النفط وإبرام عقود اقتصادية وثقافية وحتى عسكرية حيث تم تدريب وتسليح قوات البيشمركة على يد دول غربية منها الولايات المتحدة الأميركية، فعاش الإقليم حياة مرضية قياسا بالأراضي العراقية الأخرى حتى 25 من سبتمبر الماضي.
وهو اليوم الذي تم فيه عملية الاستفتاء وأعقبها حصار وعقوبات لم يشهدها الإقليم منذ 2003 حتى الآن، حيث تم منع الطيران من مطاري #أربيل و #السليمانية والاستيلاء على المعابر بين الإقليم وكل من تركيا وإيران واستولت القوات العراقية على آبار نفط ومعسكرات وأصبحت #كركوك تدار من بغداد بدل أربيل واستقر فيها جهاز مكافحة الإرهاب، التابع لوزارة الداخلية العراقية بعد انسحاب البيشمركة.
نتيجة ربما لم يكن يتوقعها مسعود بارزاني نفسه، حيث أصر أكثر من غيره على إجراء الاستفتاء رغم مناشدات دولية وإقليمية بإلغائه أو تأجيله.
دور إيران في محاولة إفشال الاستفتاء
من وصية قاضي محمد التي كتبها قبيل إعدامه على يد الحكومة الإيرانية آنذاك حسب ما أوردته المواقع الكردية قال: “من بين أعداء الكرد يبقى العجم (الإيرانيون) أكثرهم ظلماً وحقداً عليكم وألعنهم ولا يؤمنون بالله وأكثرهم قوة ولا يتورعون عن ارتكاب أية جريمة بحق الكرد وعلى مر التاريخ، ولم ير أحد منهم الالتزام بالعهود والمواثيق”.
ومن وصيته أيضا التي يتم حذفها عمدا في اللغة الفارسية عند التطرق إلى حياته المليئة بالنضال أمام الحكومة “البهلوية” التي حكمت إيران حتى انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 بقيادة الخميني، فإن الزعيم الكردي يخاطب نشطاء المستقبل من أبناء جلدته بالقول:”كأخ صغير لكم وعلى عهد الله أستحلفكم وأقول لكم أن تتحدوا ولا تخذلوا بعضكم بعضاً وثقوا بأن العجم (الإيرانيين) لو سقوكم العسل فإنهم سيدسون السم فيه ولا تنخدعوا بعهود وإيمان العجم، حتى لو أقسموا بالقرآن ألف مرة ومرة ثقوا أن في ذلك خداعا لكم”.

هذان المقطعان من وصية قاضي محمد حفزا بعض نشطاء الأكراد الإيرانيين لإعادة نشر وصيته خصوصا أن آثار الدور الإيراني في محاولة إفشال تقرير مصير الأكراد للمرة الثانية بات جليا، حيث كانت إيران من البلدان الأولى التي هددت بمعاقبة الأكراد، وهو ما قام بتنفيذه قاسم سليماني رئيس فيلق القدس الإيراني التابع للحرس الثوري الإيراني من خلال تحريض أطراف معينة بين الأكراد والحشد الشعبي بالقيام في خطوات ضد الإقليم للضغط على أربيل من أجل إفشال الاستفتاء. حسب ما تؤكد بعض التقارير العراقية.
واعتبر الكثير من الأكراد، أن خسارة #كركوك، وقعت نتيجة مؤامرة تواطأ فيها أكثر من طرف، إلا أن تركيزهم انصب على الدور الإيراني في هذه الأحداث.
إشراف الحرس الثوري
ويسود أربيل اعتقاد بأن الهجوم، الذي شنه الحشد الشعبي والقوات العراقية على كركوك صبيحة الاثنين، كان بقيادة وإشراف الحرس الثوري الإيراني. حيث تؤكد وسائل إعلام مقربة لأربيل على وجود مقاتلين إيرانيين يتحدثون باللغة الفارسية بين الحشد الشعبي في المناطق المتنازع عليها وأهمها كركوك.
واعتبرت القيادة العامة للبيشمركة الهجوم العراقي انتقاماً من شعب كردستان الذي طالب بالحرية، وانتقاماً من أهالي كركوك، كاشفة عن “تعاون بعض مسؤولي حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في المؤامرة”.

وأكد البيان أن “هؤلاء المسؤولين (الاتحاد الوطني) أخلوا بعض المواقع الحساسة للحشد الشعبي والحرس الثوري الإيراني من دون مواجهة، وتركوا كوسرت رسول (نائب الأمين العام للاتحاد الوطني) لوحده”.
وعارضت طهران أكثر من مرة الاستفتاء في كردستان، حيث تراه مهدداً لأمنها القومي، بسبب طموح أكرادها في تقرير مصيرهم، خصوصا أن كثيرا من المحللين يرون أن الاستفتاء سيترك تأثيرا غير مسبوق لدى الأكراد في الدول المجاورة، مثل إيران وتركيا وسوريا.
دور الخلافات في “فشل” المحاولتين
بعد إعلان دولة مهاباد، بزعامة قاضي محمد، عام 1946، عارض رؤساء قبائل بارزة من أكراد إيران من بينهم “دهبكري” و”مكري” في مدينة بوكان ومنكور وشكاك في المدن الكردية الأخرى، الزعيم الكردي ودولته الجديدة، حيث تشير بعض التقارير إلى منافسات شخصية بين قاضي محمد والزعماء العشائر الكردية، حيث أنزلوا العلم الكردي في مدينة بوكان إعلانا لرفضهم بقول الدولة.
وهو الأمر الذي لم ينسه محمد في وصيته قبيل إعدامه شنقا، بل بدأ في موضوع الخلاف حيث قال: “أنا الآن في اللحظات الأخيرة من حياتي أوصيكم ببعض الوصايا، أستحلفكم بالله بألا تعادوا بعضكم البعض بعد الآن اتحدوا وساندوا بعضكم قفوا بوجه العدو الظالم المستبد ولا تبيعوا ذممكم له فهو يريدكم هكذا حتى ينفذ مآربه ولن يعطف عليكم وفي أي فرصة تسنح له لن يصفح عنكم”.
وكأن التأريخ يتكرر لكن بعد 70 عاما، حيث بعد ساعات من دخول القوات العراقية إلى كركوك، اتهمت وسائل إعلام تابعة للحزبين الرئيسيين بكردستان وهما الاتحاد الوطني الكردستاني (KUP) والحزب الديمقراطي الكردستاني (PDK) بعضهما البعض بالخيانة والانسحاب من مواقعها أمام القوات العراقية، الأمر الذي تطور إلى تصريحات رسمية كشفت عن خلافات عميقة بين التيارات الرئيسية كان يغطي عليها شخصية مسعود بارزاني، وبسط نفوذه في الإقليم وانفراده بالسلطة لاسيما بعد غياب جلال الطالباني، بسبب المرض الذي انتهى برحيله قبل شهر تقريبا.
واستولت #القوات_العراقية بسهولة غير متوقعة على مدينة كركوك المتصارع عليها والغنية بالنفط، فسرعان ما أنزل الجيش العراقي والميليشيات التابعة له، علم #كردستان وذلك إعلانا بهزيمة قوات البيشمركة.
موقف الأكراد الإيرانيين من الاستفتاء ونتائجه
وخلافا لطهران التي شهدت حراكا كبيرا ضد قرار الاستفتاء، احتفل الشعب الكردي في إيران بقرار أبناء جلدتهم في الاستفتاء وتنفيذه، حيث رفعوا العلم الكردي في أكثر من مكان ومناسبة.
كما رحبت الأحزاب والشخصيات الكردية الإيرانية بالاستفتاء مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وحزب كومولة.
وطالب الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني الذي يناضل مع أحزاب الشعوب الإيرانية الأخرى، مثل العرب والبلوش والتركمان والأتراك في ائتلاف سياسي من أجل إسقاط النظام الإيراني وبناء دولة فيدرالية، طالب مناصروه بالانضمام إلى الاحتفاليات والتجمعات والحملات المرحبة باستقلال كردستان العراق.
وجاء في البيان الذي نشره موقعهم الرسمي قبيل إجراء الاستفتاء أن “قرار حكومة كردستان يعد قراراً وطنياً وحقاً إنسانياً وقانونياً للشعب الكردي، ناضل من أجله عشرات السنوات كي يقرر مصيره بنفسه”.
وفي رسالة نشرها موقع الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني بعد إجراء الاستفتاء، ثمن مسعود #بارزاني موقف الحزب الكردي الإيراني متمنيا لأعضائه النجاح في مسيرتهم النضالية ثم ختم رسالته بالقول: “الشعب الكردي اختار مصيره ويخطو نحو الاستقلال ولا يمكن لأي قوة أن تقف أمام إرادة المشروع الكردي”.
كما رحب حزب كومولة الإيراني بزعامة عبدالله مهتدي، بقرار الاستفتاء في كردستان #العراق، موضحاً أنه سيترك أثراً نفسياً ومعنوياً وسياسياً جيداً في أكراد إيران.
وأضاف مهتدي أن استفتاء الاستقلال في كردستان العراق، سيضاعف الثقة بالنفس عند أكراد إيران وسيزيد من عزمهم في المطالبة بحقوقهم في المشروعة من النظام الإيراني، على حد قوله.
لكن سرعان ما اختفت كل معالم البهجة والسرور في الاستفتاء بين الأحزاب والنشطاء الأكراد الإيرانيين، لاسيما بعد أحداث كركوك الأخيرة حيث اتهم الحزب الكردستاني الإيراني، نظام طهران والحرس الثوري الإيراني بالوقوف وراء الهجوم على كركوك عقب الاستفتاء الذي خرج بنتيجة متوقعة، حيث صوت نحو 93% للانفصال عن العراق في عملية لا نزال نشهد تطوراتها.

رابط مختصر